التقرير الذي قدمه أحمد حرزني رئيس المجلس الاستشاري لحقوق الإنسان، الأسبوع الماضي، حول متابعة تنفيذ توصيات هيئة الإنصاف والمصالحة والعمل الذي قام به المجلس الاستشاري لحقوق الإنسان على مستوى المحاور الأربعة لتوصيات الهيئة، والمتمثلة في الكشف عن الحقيقة وجبر الأضرار الفردية وجبر الأضرار الجماعية والإصلاحات المؤسساتية والتشريعية، يؤكد بداية جديدة في عمل المجلس، وأيضاً على بعض الصعوبات التي واجهت عمل لجان الحقيقة، ومن بينها وجه الخصوص، التحري في حالات الاختفاء القسري، لأشهر المعتقلين والسياسيين في المغرب، الذين لم يعرف مصيرهم إلى حد لآن . ومن بين هؤلاء المختفين المهدي بن بركة والحسين المانوزي وعبد الحق الرويسي، وخمسة آخرون، قال عنهم حرزني، إنه لم يتم التوصل إلى الحقيقة في موضوع اختطافهم واختفائهم، وبالتالي لا يزال مصيرهم مجهولاً .
هذا ما دفع نجل المهدي بن بركة، البشير بن بركة إلى إطلاق تصريحات نارية، اتهم فيها رئيس المجلس الاستشاري بمحاولة الالتفاف على حقيقة مقتل والده، وإغلاق هذا الملف الذي لا يزال البحث القضائي الدولي جارياً فيه .
لكن حرزني في معرض دفاعه عن عمل المجلس يؤكد أن أغلبية التوصيات جرى تنفيذها، كما أن الأغلبية الساحقة من ملفات جبر الضرر الفردي عولجت، فالحالات ال 66 التي ورثها عن الرئيس السابق الراحل إدريس بنزكري تعد من أصعب الحالات، لدى هيئة الإنصاف والمصالحة، من أصل 800 حالة من مجهولي المصير، ولم يتبق سوى 9 حالات لم يجر التوصل بعد الحقيقة في ما يخصها .
يشير حرزني إلى أن تقديم هذا التقرير يعتبر حدثا مفصليا ينتهي مع فترة مهمة، ويؤشر على دخول مرحلة جديدة من عمل المجلس، من سماتها التفرغ لنشاطات تتطابق مع الهوية الأصلية للمجلس الاستشاري لحقوق الإنسان، والمتجلية في حماية حقوق الإنسان، والاهتمام بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية، إضافة إلى الحقوق المدنية، كقضايا الهجرة والاتجار في البشر .
ويجري حالياً تنفيذ عدة مشاريع في ما يخص جبر الضرر الجماعي في إحدى عشرة منطقة، كما سيجري تنفيذ مشاريع أخرى في الشهور المقبلة رغم العديد من الصعوبات، التي يتعين التغلب عليها بالتعاون مع السلطات والمجتمع المدني، وهي مشاريع تتعلق بحفظ الذاكرة والتنمية السوسيو ثقافية، من خلال تحويل بعض المعتقلات إلى مراكز ومتاحف ثقافية .
ويبدو أن هذا العمل الحقوقي الواسع، لن يكون عمل يد واحدة، ولا جهة من دون غيرها، بل هو مشروع المغرب في المرحلة القادمة في ما يتعلق بحقوق الإنسان .
ففي إطار المعالجة الشمولية للآثار والانعكاسات المترتبة على الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان المرتكبة في الماضي في ما كان يسمى السنوات الجمر والرصاص، وتفعيلا لاختصاصات الهيئة المتعلقة بجبر أضرار الأشخاص ضحايا الاختفاء القسري والاعتقال التعسفي، أنجزت هذه الأخيرة خلال فترة انتدابها، بمساعدة أطباء عامين واختصاصيين، وضعتهم وزارة الصحة رهن إشارة الهيئة، دراسة استهدفت تحديد نوعية وأهمية الأمراض التي يعاني أو يشتكي منها الضحايا، وتقديم اقتراحات من أجل التكفل الدائم والمتواصل بهم وبذوي حقوقهم بعد معرفة وتقييم الحاجيات الطبية الحقيقية الجسمانية منها والنفسية لهم وفق مقاربة ترمي إلى إيجاد أفضل الحلول لهذه الحاجيات .
وقد خلصت إلى ضرورة تجنب مقاربة تربط بين التكفل الصحي بالضحايا وجبر الضرر المعنوي والمادي، والعمل على الفصل التام بين التعويضات المادية الهادفة إلى جبر الضرر وبين الحق في الاستفادة من تغطية صحية .
وعلى الصعيد الطبي المحض، بينت الدراسة أن الأشخاص الذين لا يشتكون حالياً من أي انعكاسات صحية لسوء المعاملة التي كانوا ضحايا لها في الماضي، قد يصابون في ما بعد بأمراض يعود أصلها لتلك المعاملات . ومن جانب آخر، قد تترتب على هذه المعاملة انعكاسات مختلفة، حسب طبيعة الشخص وقدرته على المقاومة الجسمانية والنفسية .
وبناء على نتائج وخلاصات هذه الدراسة العلمية، أوصت هيئة الإنصاف والمصالحة في تقريرها الختامي بإدماج ضحايا الانتهاكات الجسيمة في الماضي وذوي حقوقهم في نظام إجباري للتغطية الصحية .
وعملت لجنة تفعيل التوصيات المتعلقة ببرنامج جبر الضرر الفردي، التي انبثقت عنها لجنة فرعية عهد إليها بتفعيل التوصية المتعلقة بإدماج الضحايا في نظام للتغطية الصحية الأساسية، بدراسة معمقة مكنت من إعداد الصيغة الملائمة لتمكين الضحايا من الاستفادة من التغطية الصحية والتي تتمثل في: تمكين الضحايا من الاستفادة من أحسن إمكانات التغطية المتاحة والتي توافق نظام التأمين الإجباري عن الأمراض بتدبير الصندوق الوطني لمنظمات الاحتياط الاجتماعي، وأن تتكفل الدولة بتسديد نفقات الانخراط في هذه التغطية عن الضحايا إلى المؤسسة التي كلفت بتدبير وتنفيذ هذه التغطية والتي تتمثل في الصندوق الوطني لمنظمات الاحتياط الاجتماعي .
إتمام برنامج جبر الضرر الجماعي
يهدف برنامج جبر الضرر الجماعي إلى التأكيد على أن بعض المناطق والجماعات قد عانت بشكل جماعي وبطريقة مباشرة أو غير مباشرة من آثار الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان، واعتبرت هيئة الإنصاف والمصالحة أنه بالإضافة إلى التعويضات وجبر الأضرار المستحقة لضحايا الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان، ينبغي أن يشمل جبر الضرر بعدا جماعيا . ويستوجب هذا المعطى بذل مجهودات إضافية للتضامن واعتماد إجراءات لتعزيز مبدأ تكافؤ الفرص وإطلاق مسلسل تدريجي حول التمييز الإيجابي لفائدة المناطق والجماعات المعنية .
وتم تطوير البعد الجماعي لجبر الضرر خلال فترة عمل هيئة الإنصاف والمصالحة بفضل تعبئة الفاعلين المحليين في مختلف المناطق المعنية، حيث قامت الهيئة بتنشيط عشرات الاجتماعات والورش توجت في نهاية المطاف بتنظيم المنتدى الوطني حول جبر الضرر والذي شاركت فيه أكثر من 200 جمعية .
وعلى أساس نتائج هذه الأشغال، صاغت الهيئة التوصيات المتعلقة بجبر الضرر الجماعي بشكل يسمح بإعادة الاعتبار للمناطق والجماعات ويمكن من الحفظ الإيجابي للذاكرة . وقد تمت معالجة جبر الضرر الجماعي انطلاقا من بعديه المادي والرمزي، من خلال البرامج التنموية الاقتصادية والاجتماعية واعتراف الدولة بالأضرار المترتبة عن الانتهاكات من خلال تنظيم أنشطة للذكرى وتشييد نصب تذكارية وإعادة الاعتبار لمراكز الاعتقال السرية وتحويلها إلى مشاريع تنموية اقتصادية واجتماعية .
ولا يتعلق فقط بالاعتراف بالأضرار المترتبة عن الانتهاكات وإنما أيضا بجبر الضرر الذي يروم استعادة ثقة الضحايا في الدولة وتقوية الشعور بالمواطنة وتعزيز التضامن الاجتماعي وضمان أسس المصالحة .
الحقوق السياسية والاقتصادية
ويرتكز تفعيل برنامج جبر الضرر الجماعي على ثلاث مقاربات رئيسة: المقاربة الحقوقية من خلال التركيز على الحقوق الأساسية للجماعات؛ والمقاربة التشاركية من خلال تعزيز المشاركة الفعلية للأطراف المعنية على جميع المستويات والمقاربة الأخرى من خلال الأخذ في الاعتبار مصالح النساء والمجموعات الهشة .
وأثناء عملية التنفيذ، سينخرط في مقاربة تشاركية وشمولية عدد من الفاعلين المستفيدين خاصة الجماعات التي تعرضت بطريقة مباشرة أو غير مباشرة للأضرار المرتبطة بالانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان والجمعيات المحلية التي تعمل لفائدة الجماعات المذكورة .
من أهم التحديات المقبلة، الموضوعة في أجندة المجلس الاستشاري لحقوق الإنسان، بعد أن انتقل من مرحلة جبر الأضرار الفردية إلى جبر الضرر الجماعي، تلك التي يدخل فيها المجلس إلى صلب المسألة السياسية والاجتماعية في المغرب من خلال الدفاع عن الحقوق الاجتماعية والاقتصادية والثقافية للمغاربة، ما يضعه وجها لوجه أمام الواقع بكل تحدياته .
وشهد المغرب بروز قضايا مستجدة يتنامى اهتمام مختلف الفاعلين بها، كإفراز لما يعتمل في قلب المجتمع من تطورات ولما أنتجته الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية من تداعيات على حياة الأفراد وشبكات التضامن الاجتماعي، وكمحصلة لصيرورة التقدم نحو إرساء دعائم دولة الحق والقانون وتعزيز حقوق الإنسان، ولتنامي الحركة الحقوقية وتعاظم دورها . وهي في ذات الوقت قضايا محورية ترهن تطور المجتمع في اتجاه التقدم والحداثة وتشكل مداخل مفصلية للنهوض بحقوق الإنسان ورفع تحديات التنمية والديمقراطية .
ويبني المجلس تصوره في هذه المسألة كالتالي المغرب مطالب اليوم وباستعجال بالتقدم الحثيث في بلورة استراتيجيات عمل واتخاذ تدابير تنبني على تشخيص دقيق للتحولات التي تعتمل في قلب المجتمع والقضايا المستجدة التي أفرزتها أو التي تؤشر لبروزها مستقبلا، وكذا التحديات الجديدة التي تطرحها أمامنا التطورات الدولية والجهوية . ومن ثم فإن رصد وتحليل واستشراف اتجاهات وأوجه التطور المجتمعي مدخل مهم لتأسيس وبناء وتعميق مرحلة جديدة من الإصلاحات ذات الصلة بقضايا حقوق الإنسان، تعتمد الإفرازات الجديدة للتطور المجتمعي من جهة، وتمكن من الدفع بديناميته وتعميقها وتعزيز منحاها المساير لمشروع الدمقرطة والتحديث وترسيخ حقوق الإنسان الذي انخرط فيه المغرب من جهة أخرى . كما يتعين فحص مدى مواكبة الأطر القانونية والمؤسسية والسياسات والتدابير العامة للتطورات التي يشهدها المجتمع والتي تطرحها التحولات العالمية والإقليمية، بما يضمن مواصلة النهوض بحقوق الإنسان وحمايتها، وخاصة بالنسبة للفئات الأكثر هشاشة والأكثر عرضة للتمييز والعنف والإقصاء، كالأطفال والنساء وذوي الاحتياجات الخاصة والفئات الأشد فقراً، ولفئات من الحقوق ذات الأولوية راهنا كالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، ولقضايا البيئة والتطورات العلمية والتكنولوجية والتواصلية، والظواهر الاجتماعية والثقافية الجديدة .
مجموعة العمل نقلة نوعية
حفز النهوض بحقوق الإنسان وتعزيزها في المجالات ذات الارتباط العضوي بقضايا التطور المجتمعي من خلال المهام التالية:
- المساهمة في إبداء الرأي في القضايا ذات الصلة بمجال تدخلها، المعروضة على المجلس الاستشاري من طرف الملك .
- دراسة وتحليل أوضاع حقوق الإنسان بخصوص القضايا المرتبطة بالتطور المجتمعي .
- بلورة مقترحات في استراتيجية العمل والتدابير المؤسسية والتشريعية والإجرائية بالنسبة لكل واجهة من الواجهات المندرجة ضمن اختصاصات مجموعة العمل .
- الحث على التصديق على المواثيق والعهود والبرتوكولات المرتبطة بمجالات اشتغال مجموعة العمل .
- إبداء الرأي في مشاريع النصوص المعروضة على المجلس المتعلقة بمجالات عمل المجموعة .
وحددت لمجموعات العمل منطلقات عامة من بينها: رصد وتحليل أهم التطورات المجتمعية وما تطرحه من إشكالات ومستلزمات في مجال النهوض بحقوق الإنسان وحمايتها، وتحديد القضايا الحقوقية التي من شأنها تطوير وتعميق تطور المجتمع وتحديثه ودمقرطته وحصر الأولويات، والأخذ في الاعتبار التطورات التي عرفتها قضايا حقوق الإنسان المرتبطة بمجالات اشتغال مجموعة العمل (الأسرة، الطفولة، المرأة، حقوق الأشخاص المعاقين، المبادرة الوطنية للتنمية البشرية، مقاربة النوع الاجتماعي، الحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، الهوة الرقمية، الإرهاب . . .) .
وتعمل مجموعات العمل على عدة واجهات، منها مجال إعمال حقوق المرأة؛ ومجال إعمال حقوق الطفل (الأطفال من دون رعاية أسرية، الأحداث الجانحون، الأطفال المهاجرون بطريقة غير شرعية إلى الخارج . .)، ومجال حقوق الأشخاص المعاقين؛ والفقر والتهميش، والتحديات التي يطرحها التقدم العلمي والتكنولوجي في علاقتها بحركية التطور المجتمعي، على أساس الإسهام في تطوير النقاش العمومي حول القضايا ذات الأولوية لتعزيز انفتاح المجلس الاستشاري لحقوق الإنسان على المحيط والمجتمع . ما يؤكد أن مرحلة جديدة في حياة المجلس الاستشاري لحقوق الإنسان ستكون حافلة بالكثير من المواقف المثيرة، التي ستنقل عمله من الاشتغال على ملفات الماضي والذاكرة الجماعية، إلى العمل المباشر في تشابكات الحياة السياسية والاقتصادية والثقافية بكل صراعاتها وتوتراتها .