خصائص التربية في الإسلام

12:36 مساء
قراءة 3 دقائق

للتربية في الإسلام خصائص فريدة تختلف عما سواها في أسلوبها وأهدافها، فلقد بنى الأسلوب الإسلامي أسسه التربوية والنفسية على ما فطر الله عليه الإنسان من الرغبة في اللذة والنعيم، والرهبة من الألم وسوء المصير، وليس معنى هذا أن المرء لا يفكر ولا يتعقل، بل لابد أن يعيش التعقّل، وأن يتجاوب مع الطبيعة الربانية المواتية لفطرة الإنسان، ولعل أهم سمات التربية في الإسلام ما يلي:

أنها تعتمد على إثارة العقل وعلى التفكر الدائب، إنها القاعدة الهامة استدل ثم اعتقد فالفكر مسؤولية تتولد عنها مسؤوليات أخرى، فأنا أفكر تعني أني أمسيت مسؤولا، لأن مسألة أن أفكر تعني أنني أعيش وأشعر بآفاق إنسانيتي.

ولا نستطيع أن نحصر الآيات التي أمرت بالفكر والتفكر، بل نستعرض بعض الآيات القرآنيّة التي تُمثل سر الثقافة الإسلامية في صدرها الأول، وفي واقع المسلمين الذين أنزل الله القرآن عليهم، قال تعالى: وَمَا يَذكرُ إِلا أولو الألْبَابِ، (آل عمران: 7).

والألباب هي العقول، بمعنى أن الذين يتذكرون هم أولو العقول، فلن يحسن معرفة الله، امرؤ يعمى عن سنن الله، ولن يعرف الحق، إنسان أراح عقله، لأن الإنسان الذي يعيش التعقّل، هو الإنسان الذي لا يُمكن أن يعيش الغفلة، فالغفلة هي التي تُنسيه ذاته، وتُنسيه مسؤوليته، وهذا المرء في الغالب لا يحسن إلا أن يعيش صفرًا لا يقدم ولا يؤخر.

الثواب والعقاب

السمة الثانية هي اختلاف الدافع عندنا عما يسمونه في التربية الغربية بالثواب والعقاب ذلك لأن المعنى عندنا يبدأ بغرس الإيمان والعقيدة الصحيحة في نفوس الناشئين، ألا وإن من أظهر آثار الإيمان الصحيح تحديد الغايات الإنسانية وتنسيقها والملاءمة بينها، فإن إطلاق الغاية من هذه الحياة لكل إنسان على شأنه وسبيله - كيف دارت أهواؤه يجعل طرق الناس متداخلة متعادية، فإذا بحثنا عن الوحدة التي تضم الإنسانية المتنافرة وتحدد لها سبيلها، لم نجدها في غير الإيمان، فهو أبداً يقابل في كل نفس ما تطغي به الحياة، وما تجمح به الغرائز.

إن محل الإيمان من أهله فوق محل القانون - بتعبير الرافعي- فهو الوازع الحاضر الدائم، أو إنه الأمر والنهي بلغة الدم والعصب، فإن النفوس إن لم يكن لها من الدين أصول تأمر وتحكم، رجع القانون في الناس أداة لا تغني في صغير ولا كبير، فلا نظام إلا على تأويل الحياة معنى وغاية.

فلن تصلُح تربية إلا إذا اعتمدت معاني القيم في منهجها وطريقتها، فالغرائز الإنسانية جامحة ومفطورة على الميوعة والتراخي، إذ إن طبيعة المادة القصور الذاتي، فالماء لا يصعد لأعلى ما لم تكن هناك قوة دافعة، وليست هناك دوافع تضاهي دوافع الإيمان الحار لتهذيب السلوك وترشيده.

تلك أكبر ميزات التربية في الإسلام الحنيف، إنها المبادئ التي لا يمكن التقليل من مكانتها، لأن مفتاح البشرية هاهنا، وما لم تفتح بمفتاحها فستظل سراديبها مغلقة ودروبها ملتوية، ومن ثم فإن عمل الدين داخل النفس البشرية لا يمكن إنكاره، أو اعتباره شيئاً ترفيهياً، إنه المادة التي تحرك مفاتيح كل نفس فتضيء وتُصقل مواهبها، وكيف لا، وهو الذي يضم في أطوائه جواب لغز الحياة، ويجمع بين حناياه، حكمة الوجود كله.

مفتاح الكمال

إن الإيمان في هذا الميدان ليس ثانويا، بل هو مفتاح كمال الشخصية ومحور ارتكازها، فمنابع القيم العليا لن تكون في غير الإيمان الراسخ، لذا كانت حاجة الناس إلى الإيمان لا تنقطع ماداموا في الدنيا أحياءً، فهو الروح الساري الذي يعصم حياة الناس، ويصون حاضرهم ومستقبلهم، ولعل مصداق ذلك حال العالم الآن، فمشاعر البؤس والقلق والاكتئاب، وسلوكيات الأثرة تسيطر على ملايين الناس في الأرض، وهذا هو النتاج الطبيعي لضعف الإيمان والاكتفاء بالأسباب الظاهرة من الحياة، وكأن القدر يريد أن يقول للناس إن معنى الحياة وراء الحياة ووراء المادة، وليس في ظاهر الحياة ورفاهية المادة.

إن صور السلوك لا يمكن ضبطها أو إلزامها حدوداً خاصة مع الغفلة عن مصادر هذه الأعمال وهذا ما أشار إليه النبي (صلى الله عليه وسلم) في نهاية حديث: إنّ الحلالَ بَين وَإنّ الحرَامَ بَيّن عندما قال: ألا وإن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله وإذا فسدت فسد الجسد كله ألا وهي القلب رواه البخاري ومسلم.

فإن إيمان القلب بالله، ويقينه باليوم الآخر، والطمأنينة المطلقة إلى ما جاء في القرآن، يمثل الأسس المكينة للتربية الكاملة، فإن أنواع السلوك كلها ترتبط بالعقيدة كما ترتبط العربات بالقاطرة الدافعة، وتلك أعظم خصائص التربية الإسلامية الرشيدة.

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"