صحيفة الخليج | Author

الأحد ١٦ جمادي الثاني ١٤٤٧ ه - ٠٧ ديسمبر ٢٠٢٥ | مواقيت الصلاة | درجات الحرارة
Author
عبيد الزعابي
مستشار التمويل والأسواق المالية
أحدث مقالات عبيد الزعابي
23 أغسطس 2022
التضخم دائماً وأبداً ظاهرة نقدية

د. عبيد الزعابي*

إن أهم وظائف النقود هي الحفاظ على القوة الشرائية و على الرغم من أنها أكثر الأصول سيولة، فإنها عرضة بأن تفقد قيمتها خلال فترات التضخم و الارتفاع المستمر في مستوى أسعار السلع والخدمات والذي يؤثر في الأفراد ومؤسسات الأعمال والاقتصاد القومي بشكل عام، وعلى الرغم من أن التضخم له تأثير ضئيل في القيم طويلة المدى لمعظم المتغيرات الحقيقية مثل مخرجات الاقتصاد الكلي، الاستهلاك وسعر الفائدة الحقيقي، فإن هناك آثاراً أخرى مرتبطة بالرفاهية. 
فالتضخم في أي مكان وزمان ظاهرة نقدية ترتبط بالسياسات النقدية المتخذة في كل بلد ولا يمكن أن تحدث دون وجود معدل عالٍ من النمو النقدي؛ حيث تلجأ الحكومات إلى زيادة الضرائب خاصة ضريبة الشركات والدخل الشخصي أو الاقتراض من السوق لردم العجز في موازناتها وعند مواجهة عجوزات كبيرة ومستمرة قد تلجأ إلى طباعة النقود وبمصطلح آخر زيادة عرض النقود، وبالتالي زيادة الأسعار، وبالتالي ارتفاع التضخم بوتيرة قوية.
لهذا، فإن ارتفاع مستوى الأسعار يتسبب بزيادة الطلب على النقود والذي يؤدي إلى زيادة نسبة الفائدة، أيضاً أي تغييرات بالارتفاع في الدخل، مستوى أسعار السلع والخدمات وعرض النقود سوف يرفع الفائدة، لأن الناس يتوقعون أن التضخم سوف يرتفع خلال السنة. وعندما يتوقع ارتفاع مستوى الأسعار، فإن مستوى التوقع للمستهلك سوف يعود إلى الصفر. فزيادة عرض النقود سوف يقلل نسبة الفائدة. فالتضخم يعود إلى زيادة مستوى الأسعار بوتيرة متسارعة. على سبيل المثال، فإن زيادة عرض النقود يمكن إذا تمت زيادة القاعدة النقدية أو النقود القوية؛ حيث يقوم المصرف المركزي بشراء السندات الحكومية والشروع فيما يسمى بالشراء في السوق المفتوح، لذلك، فإن توقع ارتفاع التضخم سوف يقود الفائدة على السندات الحكومية إلى الارتفاع في حين أن أسعارها سوف ترتفع أيضاً.
كذلك يمكن للتضخم أن يكون ناتجاً من الحظر على تصدير النفط والذي يرفع الأسعار كذلك التضخم يمكن أن ينتج من سياسات الدعم الحكومي والمتعلقة بزيادة الأجور ومعالجة البطالة أو ما يسمى تضخم رفع الكلفة، إضافة إلى سعي بعض المؤسسات إلى رفع أسعار السلع والخدمات التي تبيعها. أيضاً قد ينتج التضخم من وضع أهداف لمعالجة البطالة أقل من الأهداف الحقيقية والذي يؤدي إلى زيادة مضطردة لعرض النقود باستخدام أدوات السياسة النقدية والتي تؤدي في نهاية الأمر إلى التضخم بسبب زيادة منحنى الطلب الكلي أو ما يسمى الطلب التضخمي الساحب.
مؤشرات مثل مؤشر أسعار المستهلك والذي يقيس أسعار السلع والخدمات ومؤشر مصاريف الاستهلاك الذي يشمل السلع والخدمات المدعومة لها أهمية قصوى في قياس الاتجاه التضخمي في الاقتصاد، علماً بأن تغيرات معدلات التضخم تعتمد على الظروف المحيطة بالاقتصاد، خاصة ارتفاع أسعار النفط ومدى بطء أو سرعة تدفق السلع بواسطة سلاسل التوريد والكلفة المرتبطة بها. وتجدر الإشارة هنا إلى أن سلوك المستهلك، خاصة بعد تخفيف الإجراءات الاحترازية أثناء ذروة جائحة فيروس كورونا لاستخدامات المدخرات للشراء وزيادة الطلب، إضافة إلى أثر سياسات التحفيز من خلال إصدارات السندات السيادية في أوروبا وسياسة التيسير الكمي في الولايات المتحدة، أدت إلى زيادة وتيرة صعود معدل التضخم وما زاد الطين بله هو فرض العقوبات على روسيا خاص تصدير الغاز والنفط والسلع الاستهلاكية الأساسية الأخرى نتيجة الحرب بينها وبين أوكرانيا. 
ففي الولايات المتحدة الأمريكية، ارتفع مؤشر أسعار المستهلك لمستوى قياسي ناهز 7 % و نسبة التضخم إلى 8.6 % بنهاية النصف الأول من عام 2022 مما حدى بالبنك الفيدرالي إلى رفع الفائدة على الإقراض محاولة منه لاستخدام أدوات السياسة النقدية للسيطرة على التضخم و إبطاء الطلب المتزايد وبأسلوب متدرج فيما يسمى بالهبوط الآمن؛ حيث إن رفع الفائدة بشكل مفاجئ وحادٍ سوف يؤدي إلى دخول الاقتصاد لمرحلة الركود، ونظرا لارتباط عملات دول الخليج بالدولار تبعه زيادة بنسب متقاربة على الفائدة أعلنت عنها البنوك المركزية في تلك الدول في حين أن معدلات التضخم فيها كانت مستقرة تقريباً؛ حيث بلغت 2% بنهاية عام 2021 في دولة الإمارات، لكن استمرار الحظر على النفط الروسي وتعطل سلاسل التوريد للمواد الأساسية نتيجة الحرب الروسية الأوكرانية، بدأ مؤشر أسعار المستهلك بالصعود التدريجي.
لا شك في أن التضخم يعتبر من أهم المشاكل الاقتصادية والتي دائماً ما تكون حاضرة على أجندة أعمال متخذي القرارات وصانعي السياسات، ولعل أحد أهم أسباب زيادة معدل التضخم هو زيادة عرض النقود والذي يؤدي إلى زيادة مستوى أسعار السلع والخدمات، وبالتالي رفع نسبة التضخم وكما يقول فريدمان الحائز جائزة نوبل في الاقتصاد: «التضخم دائماً وأبداً ظاهرة نقدية»، و يقول أيضاً: «كلما كان التضخم في أي بلد عالي المعدل لفترة زمنية مستمرة، يعني ذلك بأن النمو في عرض النقود أيضاً عالي»، لذلك فإن النمو المستمر في عرض النقود هو القوة الدافعة لارتفاع معدل التضخم.
والخلاصة، التضخم هو دائماً وفي كل مكان ظاهرة نقدية بمعنى أنها لا يمكن أن تحدث دون ارتفاع معدل نمو النقود، وهناك أسباب وراء ظهور السياسة النقدية التضخمية، والسببان الأساسيان هما وجود عجوزات في الموازنة بشكل مستمر والتزام صانعي السياسات بأهداف عالية ومكلفة للدعم مثل البطالة والتوظيف.
 *مستشار الاقتصاد المالي و الأسواق المالية - نائب رئيس المنظمة الدولية لهيئات بورصات الأوراق المالية «أيوسكو» سابقا

31 يوليو 2022
التمويل الجماعي.. مكانة مرموقة في الاقتصادات المتقدمة

د. عبيد سيف الزعابي*

التمويل الجماعي يعنى بجمع مبالغ بسيطة من عدد كبير من الأفراد لتمويل مشروعات تصنف بأنها ذات رأس مال مخاطر، لذلك تعتبر جهود مجمعة من أفراد يقومون بتجميع الأموال من خلال منصات مصممة على مواقع الإنترنت، لدعم مشاريع ومبادرات الأفراد والشركات؛ حيث تعتمد على استخدام شبكات الأصدقاء والعائلة والزملاء من خلال شبكات التواصل الاجتماعي مثل «فيسبوك» و«تويتر» و«لينكدان» لجذب المستثمرين، مما يمكن منصات التمويل الجماعي من امتلاك الفرصة لريادة الأعمال من خلال التوسع في عدد المستثمرين الذين يمكن جمع الأموال من خلالهم سواء كان عن طريق الملاك، الأقارب، ومستثمري رأس المال المخاطر. لذلك ينظر إلى التمويل الجماعي باعتباره شكلاً من أشكال التعهيد الجماعي، والذي يشير إلى الحصول على الخدمات أو الأفكار أو المحتوى من المجتمع عبر الإنترنت. يمكن أن يعمل هذا النوع من التمويل بشكل أفضل مع الشركات التي تركز على النمو. أيضاً يقدم التمويل الجماعي مكاناً جديداً لزيادة رأس المال للمؤسسات الصغيرة والمتوسطة، لذلك فالتمويل الجماعي يتبوأ مكانة مرموقة في الاقتصادات المتقدمة القائمة على الاستدامة والابتكار، لما له من أهمية في تقديم التمويل اللازم للمشروعات الصغيرة والمتوسطة والشركات الحرفية والمتناهية في الصغر، كذلك تساعد المشروعات النامية في الحصول على التمويل بدلاً من الاقتراض من البنوك والذي يحتاج إلى ضمانات وقوائم مالية مدققة لسنوات ماضية للدلالة على ربحية المشروع، لذلك فإن التوقع المستقبلي العالمي للتمويل الجماعي هو الانتشار مع ارتباطه ببرامج الشمول المالي؛ حيث ساعدت المواقع الإلكترونية لمنصات التمويل الجماعي الشركات والأفراد عالمياً في جمع 89 مليار دولار من الجمهور العام في عام 2010، ومن المتوقع أن تنمو هذه الصناعة لتبلغ 196 ملياراً بين عامي 2021 و2025 بمعدل نمو يبلغ 15% تقريباً؛ حيث تقدم خدمات التمويل الجماعي من قبل منصات شهيرة عالمياً مثل «جوفندمي»، «إنديجو»، «نوك ستار»، «فندلي»، «جست جيفين» و«فيسبوك»، أيضاً هناك شركات مرموقة تقدم خدمات التمويل الجماعي في دولة الإمارات مثل «دبي نكست»، «بيهايف»، و«نوريكا».

يتميز التمويل الجماعي، بثلاث خصائص رئيسية وهي بأن الاستثمارات تأتي من أعداد كبيرة من المستثمرين (ومن هنا جاء «الحشد»)، متوسط ​​الاستثمار منخفض نسبياً، و تتم حملات الاستثمار وجمع الأموال عبر الإنترنت؛ حيث تبدأ باختيار منصة تناسب الفكرة، جعل الفكرة جذابة، تقديم مكافآت للمستثمرين، تقديم مجموعة من مستويات الاستثمار، جعل من السهل على المستثمرين المشاركة. ويتطلب نجاح مقدم خدمات التمويل الجماعي، لجهود تسويقية للوصول إلى شبكة المستثمرين القيمة وبناء قنوات واسعة لتسويق المشاريع لهم، كذلك تقديم دعم عملي طوال حملة التمويل مع وجود نظم دفع متكاملة؛ حيث تلعب عملية التوثيق القانوني الرقمي باستخدام قوالب مستندات سهلة دوراً مهماً في تنفيذ عمليات التمويل.

هناك خيارات تمويل جماعي مختلفة للاختيار من بينها وكل نوع له فوائد مختلفة للشركات والمستثمرين ومن أهمها النوع القائم على مكافأة التمويل الجماعي ومن خلالها يتيح التمويل الجماعي المكافئ للمستثمرين المساهمة في المشروع مقابل مزايا غير مالية؛ حيث يشيع استخدام هذا النوع في تمويل المشاريع الإبداعية. والتمويل الجماعي للديون؛ حيث يوفر التمويل الجماعي للديون للمستثمرين فرصة التمويل في المشروع مقابل الفائدة المالية على استثماراتهم، وقد يعمل هذا النوع من التمويل الجماعي بشكل أفضل مع الشركات التي لديها سجل حافل من الإيرادات. أيضاً التمويل الجماعي لحقوق الملكية ويستخدم هذا النوع من التمويل الجماعي التمويل القائم على الملكية من خلال الاكتتاب في أسهم أو حصص والتطوير الحديث هو استخدام الأصول والعملات الرقمية، وهناك نوع آخر ألا وهو التبرع بالتمويل الجماعي؛ حيث تم تصميم هذا النوع من التمويل الجماعي للجمعيات الخيرية، أو لأولئك الذين يجمعون الأموال لمشاريع اجتماعية أو خيرية، لتجميع الأموال عبر الإنترنت وتمكينهم من التبرع لمشروع ما.

للتمويل الجماعي، مميزات كثيرة فهو طريقة سريعة للحصول على التمويل بدون رسوم مسبقة، ويمكن أن يكون الترويج لمشروع أو عمل تجاري من خلال النظام الأساسي عبر الإنترنت شكلاً قيماً من أشكال التسويق وينتج عنه اهتمام وسائل الإعلام، وغالباً ما تحصل فكرة المشاركة على تعليقات وإرشادات الخبراء حول كيفية تحسينها. كذلك تعتبر طريقة جيدة لاختبار رد فعل الجمهور على المنتج أو الفكرة إذا كان الناس حريصين على الاستثمار فيها. فهو كذلك يمكن من تمويل الأفكار التي قد لا تروق للمستثمرين التقليديين بسهولة أكبر ويجعل العملاء أكثر ولاء للشركة ومنتجاتها من خلال عملية المشاركة في التمويل الجماعي، فهو خيار تمويل بديل إذا كنت المشاريع تواجه صعوبة في الحصول على قروض بنكية أو تمويل تقليدي، خاصة مشاريع خريجي الجامعات والمشاريع المتناهية الصغر. مع ذلك فهناك عيوب للتمويل الجماعي، أهمها أن منصات التمويل الجماعي لا تتناسب مع جميع أنواع المشاريع، وبحاجة إلى القيام بالكثير من العمل للحصول على اهتمام المستثمرين قبل إطلاق المشروع، لذلك قد تكون هناك حاجة إلى موارد كبيرة من الوقت و المال. كذلك فإن المشاريع الفاشلة تخاطر بإلحاق الضرر بسمعة الأعمال والأشخاص الذين تعهدوا لها بالمال وإذا لم تحم الأفكار ومشاريع الأعمال ببراءة اختراع أو حقوق طبع ونشر، فقد يراها شخص ما على موقع تمويل جماعي وينسخها بكل سهولة.

إحدى النقاط التنظيمية المهمة لهذه الصناعة هي محور حماية المستثمر؛ حيث يتطلب أن تقدم عمليات التمويل الجماعي عن طريق شركات مسجلة، أو من خلال منصة تمويل مشتركة بين شركات التمويل الجماعي والمنظم أو سلطة الترخيص، لذلك يتوجب على الوسطاء توفير مواد تعليمية للمستثمرين، واتخاذ إجراءات لتقليل المخاطر الاحتيالية و إتاحة المعلومات عن المصدر وعن الطرح وكذلك إتاحة قنوات تواصل مع إتاحة مناقشات عن الطرح وسبل إنجاحه.

*نائب رئيس المنظمة الدولية للهيئات المشرفة على الأسواق المالية – الأيوسكو سابقاً

*أكاديمي ومتخصص في الأسواق المالية و التمويل

8 فبراير 2022
الإطار التنظيمي لأسواق رأس المال.. نظرة استشرافية

د. عبيد سيف الزعابي *

تسعى أسواق الأوراق المالية جاهدة إلى استيفاء متطلبات الترقية بناء على تقارير التنافسية الدولية، وكذلك المؤشرات الدولية مثل مورجان ستانلي، وفوتسي، وستاندرد أند بورز حتى يتحقق الهدف الاستراتيجي لها لتكون أسواقاً متقدمة على المؤشرات العالمية، وقادرة تماماً على استقطاب الاستثمارات الأجنبية ورؤوس الأموال، وكذلك لديها القدرة على استيعاب أدوات الثورة الصناعية الرابعة القائمة على البرمجيات المتقدمة وأهمها الذكاء الاصطناعي، ومواجهة تعقد التكنولوجيات المستخدمة في الاستثمار مثل التعاملات فائقة السرعة، والأصول المشفرة وتقنية السلاسل المغلقة أو بلوكتشين، وتكنولوجيات الحسابات الموزعة DLT Distributed Ledger Technology، وهذا لا يمكن تحقيقه إلى بالتطابق التام مع المبادئ الحاكمة للنظم المالية والهياكل الإشرافية المطبقة في الأسواق المتقدمة، والمعروفة بكفاءة النظم المالية والتجانس مع تلك النظم والمعايير. 

وفي هذا الإطار تمثل التوصيات التي تصدرها المنظمات الدولية، وبالأخص معايير منظمة «أيوسكو» والتي هي أساس لتقييم الاستقرار المالي الذي يقوم به البنك الدولي من خلال لجنة FSAP، مرجعيات مهمة في هيكلة النظم الإشرافية على الأنشطة المالية والاستثمار لتجنب أحد أهم المخاطر النظامية وهو خطر عدم التطابق مع الممارسات الدولية Incompliance Risk والذي من شأنه التأثير في رسملة الأسواق المالية ودرجة المصداقية والشفافية التي تميز أسواق المال المتقدمة، خاصة تلك النظم الإشرافية المتخصصة في التنظيم والإشراف والرقابة على كفاءة تطبيق نظم حماية المستهلك، وحماية المستثمر، والإشراف على الأسواق والتأكد من مصداقية المعاملات في الأسواق لتفادي بعض أنواع الممارسات التي قد تؤثر سلباً في المستثمرين، مثل منع ممارسات تضارب المصالح بين المستثمر والشركة، وكبح الشائعات التي تنتشر في السوق، وتنظيم حوكمة الشركات، في حين تقوم بفاعلية من ناحية أخرى بتطبيق إجراءات التنظيم الاحترازي ومنها متطلبات الملاءة المالية، وتصنيف المخاطر وتوفير الاستقرار الشامل للنظام المالي. وهنا لابد من تأكيد أنه يجب أن تكون للجهات الرقابية مسؤوليات واختصاصات واضحة وغير مبهمة، وأن يكون لها استقلال كافٍ لتتمكن من العمل، فضلاً عن تخصيص الموارد المناسبة، والنقطة الأهم هنا، بحسب توصية معهد الاستقرار المالي، هي أن يتم تبني نموذج متكامل وموحد للجهات الرقابية يحقق التكامل بين الوظائف ويقضي على احتمالية نشوء تضاد مصالح بينهما، بحيث يتم استيعاب التغير في الثقافة والممارسة الدولية لتنظيم أنشطة الاستثمار ومواكبة التغير الجذري في مفهوم أسواق رأس المال الذي حدث في الأسواق المتقدمة حديثاً وأهمية التحول من ممارسة أساليب الرقابة المالية التقليدية إلى مفهوم التنظيم والإشراف الأكفأ والتكاملي مع الأنشطة المالية الأخرى، خاصة المصرفية، والتأمين، وهذا يتطلب فهماً واضحاً للنموذج الإشرافي المتعارف عليه دولياً، والذي يعمل على مبدأ تحقيق التوازن بين الإشراف الاحترازي والإشراف على متطلبات ممارسة الأعمال، تجنباً لنشوء المخاطر النظامية التي ستنشأ من تضارب مصالح في الإشراف على الأنشطة الاحترازية ذات المخاطر، وبين ترخيص النشاط والرقابة على ممارسة الأعمال، وبالتالي تشتيت المستثمرين وحدوث ازدواجية في متطلبات تقارير الإفصاح والملاءة المالية، وإضافة متطلبات امتثال عالية جديدة على الكيانات العاملة، مما يؤدي إلى رفع التكلفة.

ومما لا شك فيه أن الارتقاء بالدور التنظيمي والإشرافي للجهة المشرفة على تنظيم الأسواق المالية، يجب أن يتوافق مع حجم الاقتصاد وزخم الصناعة المالية لتمكينها من تطبيق كامل المبادئ الدولية، من خلال تركيز أنشطة التنسيق الاستراتيجي لنظم الإشراف المتخصصة على المنتجات المالية والاستثمارية تحت مظلة متكاملة ما سيحقق التعاون والتنسيق البيني بين الأنشطة من جانب، وإزالة جميع العوائق القانونية الكامنة في التشريعات الأخرى من جانب آخر، والتي تتداخل وتتعارض مع طبيعة التنظيم والرقابة المالية، وإجراء إصلاحات عاجلة عليها والذي من شأنه أن يدعم بشكل قوي، مستوى ثقة المستثمر وسيوفر قدرة فائقة لإنفاذ الأنظمة، وتحقيق نسب أداء عالية على مؤشرات التنافسية.

وهنا لابد من أن نشير إلى أهمية معالجة الأسباب التي تمنع المستثمرين سواء كانوا مستثمرين أجانب أو محليين، أفراداً أو مؤسسات، من الإقبال على الاستثمار في أسواق المالية والوقوف على الأسباب الكامنة وراء صعوبة الحصول على التمويل العام، خاصة بواسطة الشركات الصغيرة والمتوسطة، مقارنة بسهولة الحصول على التمويل المصرفي التقليدي والعمل على معالجة تلك الفجوات، خاصة في ما يتعلق بزيادة عمق السوق وتنوع المنتجات الاستثمارية، والارتقاء بممارسات حوكمة الشركات وترقية مؤسسات الوساطة التقليدية لتكون مؤسسات مالية متكاملة، كل ذلك سيمكن من إعادة الثقة بأسواق رأس المال، إضافة إلى العمل على تعزيز استقرار الإطار المؤسسي للسوق المالي، وخصخصة البورصات ومؤسسات السوق مثل المقاصة ومراكز الإيداع، لتصبح مؤسسات تقدم خدمات مالية عالمية مثل Clear stream وEuroclear. 

وبشكل أكثر تفصيلاً، لا بد من تحليل عناصر تقييم الأسواق المالية والتي تتضمن مدى انفتاح السوق لتدفق الاستثمارات الأجنبية على المؤشرات الأجنبية، خاصة بلومبيرج، وطومسون رويترز، وقياس مدى فاعلية الإطار التشغيلي للسوق، ومدى سهولة تدفق الاستثمارات من وإلى المستثمرين، إلى جانب تكريس جهد أكبر وتخصيص موارد مالية لتطوير وتنويع المنتجات المتاحة في الأسواق المالية، وإطلاق برامج توعية وتثقيف لمصدري الأوراق المالية والمستثمرين في تلك المنتجات، مع إعطاء جهود الترويج والتثقيف أولوية قصوى، بحيث يتم إعداد برامج توعية وتثقيف للمصدرين المستقبليين المحتملين، توفر لهم الإرشادات والمعرفة الضرورية بفوائد التمويل العام، بحيث يتم إيجاد وحدات متخصصة في التسويق في البورصات لتحقيق هذه الأهداف، ما سيكون له أثر واضح في زيادة رسملة السوق وزيادة حجم التداولات وقيمتها.

وأخيراً لابد هنا من الإشارة إلى ضرورة تطوير العوامل البيئية المحيطة بالصناعة، ومن أهمها تطوير منظومة إجراءات الطرح العام للأسهم العادية والممتازة، وكذلك تطوير سوق الدين، والسندات والصكوك، مثل تلك الموجهة للمستثمرين الأشخاص لتكون أكثر سهولة ومرونة، وكذلك تسريع وتيرة الإجراءات لبدء الإصدارات الحكومية وتداولها لخلق منحنى العائد المهم في نمو سوق سندات الشركات، وتشجيع المصارف لإصدار الأذونات المغطاة والتوريق للحصول على المزيد من السيولة. وكذلك تشجيع الوسطاء للعب دور أكبر في إتاحة أدوات صناعة السوق، مثل موفر السيولة وأدوات البيع على المكشوف، وإقراض واقتراض الأوراق المالية وأذونات الإيداع، وكذلك تطوير صناعة صناديق مغلقة منخفضة المخاطر، وصناديق التداول على المؤشرات التي ستعمل على توازن وثبات أسعار الأسهم، بحيث تقوم مؤسسات قوية مثل المصارف وشركات التأمين وصناديق التقاعد والصناديق السيادية وشركات الاستثمار وبيوت الوساطة بشراء وحداتها.

* أكاديمي متخصص في الأسواق المالية والتمويل، نائب رئيس المنظمة الدولية للهيئات المشرفة على الأسواق المالية «الأيوسكو» سابقاً.

25 أغسطس 2021
تنظيم أسواق العملات الرقمية والأصول المشفرة
  • بقلم د. عبيد الزعابي

الاهتمام الكبير بهذه العملات غير الخاضعة للتنظيم، هو بهدف التداول من أجل الربح؛ حيث يدفع المضاربون الأسعار في بعض الأحيان إلى الارتفاع، هناك عوامل عدة تجعل من تلك العملات المشفرة أكثر جاذبية؛ منها: أن المؤيدين لها يرون بأن العملات المشفرة مثل البيتكوين هي عملة المستقبل، ويسارعون لشرائها الآن، بافتراض أنها سوف تصبح أكثر قيمة في المستقبل، كما يحب بعض المؤيدين حقيقة أن العملة المشفرة تمنع البنوك المركزية من إدارة المعروض النقدي؛ حيث تميل هذه البنوك بمرور الوقت إلى تقليل قيمة الأموال عن طريق التضخم، في حين يرى الداعمون الآخرون بأن التكنولوجيا المستخدمة في العملات المشفرة blockchain نظام معالجة وتسجيل لامركزي أكثر أماناً من أنظمة الدفع التقليدية، أيضاً يحب بعض المضاربين العملات المشفرة، لأن قيمتها ترتفع، ولا يهتمون كثيراً بقبول دور العملات على المدى الطويل كوسيلة لتحريك الأموال. 

العملة المشفرة هي شكل من أشكال الدفع التي يمكن تبديلها عبر الإنترنت بالسلع والخدمات، فالعملة المشفرة هي عملة رقمية يمكن استخدامها لشراء السلع والخدمات، والفرق بينها وبين العملة الورقية هو أنها تستخدم سجلات الحسابات الإلكترونية cryptography عبر الإنترنت مع تشفير قوي لتأمين المعاملات عبر الإنترنت. ولقد أصدرت العديد من الشركات عملاتها الخاصة، والتي في الأغلب تُسمى الرموز المميزة (Tokens)، ويمكن تداولها خصيصاً للسلعة أو الخدمة التي تقدمها الشركة. فكر في الأمر كما لو كنت تستخدم رموز ألعاب الورق أو رقائق الكازينو. ستحتاج إلى تبديل العملة الحقيقية بالعملة المشفرة، للوصول إلى السلعة أو الخدمة. وفي كل الأحوال يحتاج كل مستثمر إلى حساب مصرفي مرتبط بحساب التشفير، لإضافة الأموال وإجراء الدفع الرقمي؛ حيث يمكن فقط للمستخدمين المعتمدين بواسطة بروتوكول اعرف عميلك (KYC) من إجراء هذه المدفوعات، ويجب على المستثمرين ملاحظة أن من يديرون البورصات الرقمية يتقاضون بعض الرسوم عند إجراء التداول بالعملات الرقمية، وقد تختلف الرسوم المفروضة من بورصة رقمية إلى أخرى، ومن عملة إلى أخرى.

«بلوك تشين»

تعمل العملات المشفرة باستخدام تقنية تسمى البلوك تشين (Blockchain) وهي تقنية لامركزية منتشرة عبر العديد من أجهزة الكمبيوتر التي تدير تسجيل المعاملات. جزء من جاذبية هذه التكنولوجيا هو أمنها؛ حيث يتم استخراج العملات المشفرة رقمياً، وتعمل أجهزة الكمبيوتر المتطورة للغاية على حل مشاكل الرياضيات الحسابية المعقدة للغاية، علماً بأن تعدينها شاق ومكلف، وهامش الربح منه ضئيل.

في شبكات العملات المشفرة، يعد التعدين كالتحقق من صحة المعاملات، فالعمود الفقري لصناعة العملات الرقمية هي تقنية البلوك تشين، وهي عبارة عن سجل عالمي يربط بيانات الحسابات المجمعة للأشخاص مع بعضهم، وينطوي عمل البلوك تشين على التحقق من المعاملات والتي تمنع عمليات الاحتيال، وتكرار استخدام نفس العملة والتلاعب بها ( تزوير العملة) وهي مخاطر كامنة في تكنولوجيا العملات الرقمية، ترتكب من قبل أشخاص محترفين؛ وذلك نظراً لكون العملات الرقمية عملات تصدر بنظام غير مركزي، ولا توجد لها هيئة تنظيم مركزي على غرار المصرف المركزي تضبط عدم تزوير العملة، لهذا السبب يعتمد على تقنية البلوك تشين، للتحقق من عدم تقليد العملة الرقمية وأنها صادرة من مصدر معتمد وبالتالي منع تكرار تلك المعاملات.

يحصل المعدنون الناجحون على عملة مشفرة جديدة كمكافأة، وكذلك عمولة. تعمل المكافأة على تقليل رسوم المعاملات من خلال إنشاء حافز تكميلي، للإسهام في قوة معالجة الشبكة. في الآونة الأخيرة تم زيادة معدل إنتاج الوحدة المُجزئة أو ما يُسمى اصطلاحا بالهاش (Hash) وهي ناتج قيمة مشفرة عبارة عن أرقام وحروف متسلسلة لا تتشابه إطلاقاً مع البيانات الأصلية المدخلة، والتي تستخدم في التحقق من صحة المعاملة؛ وذلك يرجع إلى استخدام آلات متخصصة مثل FPGAs وASICs التي تقوم بتشغيل خوارزميات التجزئة المعقدة مثل SHA-256 و Scrypt. ومع تزايد عدد الأشخاص الذين يغامرون في عالم العملة الافتراضية، أصبح إنشاء علامات التجزئة لهذا التحقق من الصحة أكثر تعقيداً على مر السنين؛ حيث يتعين على المعدنين استثمار مبالغ كبيرة من المال في استخدام العديد من تلك الآلات عالية الأداء. 

إنشاء الآلات

وبالتالي، فإن قيمة العملة التي يتم الحصول عليها لإيجاد التجزئة، لا تبرر في كثير من الأحيان مقدار الأموال التي يتم إنفاقها على إنشاء الآلات، ومرافق التبريد، للتغلب على الحرارة التي تنتجها، والكهرباء اللازمة لتشغيلها. فعلى سبيل المثال اعتباراً من يوليو/ تموز 2019، قدر استهلاك البيتكوين للكهرباء بنحو 7 جيجاوات، أي 0.2% من الإجمالي العالمي، أو ما يعادله في سويسرا. واعتباراً من فبراير/ شباط 2018، أوقفت الحكومة الصينية تداول العملة الافتراضية، وحظرت عروض العملات الأولية وأغلقت التعدين. ومنذ ذلك الحين، انتقل بعض عمال المناجم من الصين إلى كندا؛ حيث تقوم إحدى الشركات بتشغيل مراكز بيانات لعمليات التعدين في مواقع حقول النفط والغاز الكندية، بسبب انخفاض أسعار الغاز. ووفقاً لتقرير فبراير/ شباط 2018 من مجلة Fortune، أصبحت آيسلندا ملاذًاً لعمال تعدين العملات المشفرة جزئياً، بسبب الكهرباء الرخيصة. في مارس/آذار 2018، فرضت مدينة بلاتسبرج في شمال ولاية نيويورك حظراً لمدة 18 شهراً على جميع عمليات تعدين العملات المشفرة في محاولة للمحافظة على الموارد الطبيعية. التركيز الآن للمنظمين على عمليات التعدين؛ حيث أشار المنظمون إلى لجوء المستثمرين لاستخدام الكهرباء المولدة من مصادر شديدة التلوث مثل الفحم لإنشاء بيتكوين وإيثيريوم.

عرض العملة الأولي هو وسيلة مثيرة للجدل لجمع الأموال لمشروع عملات رقمية جديد. يمكن استخدام إصدارات الأصول أو الرموز الرقمية ICO أو STO من قبل الشركات الناشئة، بقصد تجنب التنظيم المعقد أو المشاركة في حقوق الملكية. ومع ذلك، أشار منظمو الأوراق المالية في العديد من الدول، بما في ذلك الولايات المتحدة وكندا، إلى أنه إذا كانت العملة المشفرة أو الرمز المميز «عقد استثمار»، فهي عبارة عن ورقة مالية، وتخضع لتنظيم الأوراق المالية.

فوفقاً ل PricewaterhouseCoopers استخدمت أربعة من أكبر 10 عروض عملات أولية مقترحة سويسرا كقاعدة لها؛ حيث يتم تسجيلها في كثير من الأحيان كمؤسسات غير ربحية. في حين ذكرت هيئة الرقابة المالية السويسرية FINMA أنها ستتخذ «نهجاً متوازناً» لمشاريع ICO وستسمح للمبتكرين المعتمدين بإطلاق مشاريعهم بطريقة تتماشى مع القوانين الوطنية التي تحمي المستثمرين ونزاهة النظام المالي. واستجابة لطلبات عديدة من ممثلي الصناعة، بدأت مجموعة عمل تشريعية للطروحات الأولية للعملات والأصول المشفرة في إصدار إرشادات قانونية منذ عام 2018، والتي تهدف إلى إزالة عدم اليقين عن عروض العملات المشفرة وإنشاء ممارسات تجارية مستدامة.

شعبية العملات 

كذلك أدى ارتفاع شعبية العملات المشفرة واعتمادها من قبل المؤسسات المالية إلى قيام بعض الحكومات بتقييم ما إذا كانت هناك حاجة إلى التنظيم لحماية المستخدمين؛ حيث عرّفت مجموعة العمل المعنية بالإجراءات المالية (FATF) الخدمات المتعلقة بالعملات المشفرة على أنها: «مقدمو خدمات الأصول الافتراضية» وأوصت بأن يتم تنظيمها بنفس عمليات غسل الأموال (AML) ومعرفة متطلبات إجراءات اعرف العميل (KYC) كما يتم اعتمادها في المؤسسات مالية.

وفي 10 يونيو/ حزيران 2021، اقترحت لجنة بازل للرقابة المصرفية بأن البنوك التي لديها أصول مقيمة بعملة مشفرة يجب أن تخصص رأس المال، لتغطية جميع الخسائر المحتملة. على سبيل المثال، إذا كان البنك سيحتفظ بعملة البيتكوين بقيمة ملياري دولار، فالمطلوب تخصيص رأس مال كافٍ لتغطية ملياري دولار بالكامل، هذا معيار أكثر تطرفاً مما تلتزم به البنوك عادة عندما يتعلق الأمر بأصول أخرى، ومع ذلك، هذا اقتراح وليس لائحة.

إذا كنت ترغب في إدارة أعمال مشروع تداول العملات المشفرة، فيمكن أن تحقق لك كل معاملة ربحاً، فعندما تدخل في أعمال التداول فإن الشيء الأساسي والمهم هو البدء واكتساب ثقة المتداولين، وبمجرد أن يحصل موقع تبادل العملات المشفرة الخاص بك على متداولين كبار وزخم مناسب، فإن ربحك سوف يرتفع بغض النظر إذا كان تبادل العملات المشفرة مركزياً أو غير مركزي؛ حيث يعتمد اختيار المنطقة الجغرافية لبدء تبادل العملات المشفرة على مدى اعتراف السلطة التنظيمية بالنشاط؛ من حيث القوانين والاتجاهات المستقبلية، والتي تشمل الضرائب والمحاسبة وإدارة الأعمال؛ حيث يمكن أن تختلف شروط التنظيم بشكل كبير من منطقة لأخرى، ومن مجموعة واضحة من اللوائح إلى الحظر أو الافتقار التام للتنظيم. وعلى الرغم من أن الخيار الأخير قد يبدو جذاباً للوهلة الأولى، تذكر أنه عاجلاً أم آجلاً قد يتم ملء هذا الفراغ التشريعي. على سبيل المثال، تتميز مالطا وجبل طارق وسويسرا وسنغافورة بأنها دول جذابة للراغبين في فتح بورصة للعملات المشفرة. ومع ذلك، تميل التشريعات إلى التغيير؛ لذلك من الضروري مواكبة التطورات ذات الصلة.

دمج نظام الدفع 

ومن ناحية أخرى، ترتبط مسألة دمج نظام الدفع في البورصة أيضاً بالاختصاص التنظيمي؛ بحيث يجب أن تحتوي أي بورصة تشفير على مجموعة من الأدوات، لتمكين تبادل العملات المشفرة بالعملة الورقية، لتوليد الإيرادات؛ لذلك من الضروري أن تعرف مقدماً البنوك التي يمكنك التعاون معها، لتوفير سحب الأموال وإيداعها. ففي بعض السلطات التنظيمية، يمكن حظر عمليات تبادل العملات المشفرة المركزية، ولقد حدث ذلك بالفعل في الصين أو كوريا الجنوبية أو الهند أو روسيا؛ لذا من الأفضل أن تمتثل بورصة العملات والأصول المشفرة للقواعد التنظيمية لكل بلد، أما في التداولات اللامركزية فهي أقل عرضة للقيود التنظيمية وهي ميزة لتلك الأنواع، ولكن أكبر التحديات هي مدى القدرة على كسب ثقة العملاء وتوفير الحماية لاستثماراتهم.

وقد يختلف الوضع القانوني للعملات المشفرة بشكل كبير من بلد إلى آخر، ولا يزال غير محدد أو يتغير في العديد منها. أظهرت دراسة واحدة على الأقل أن التعميمات العامة حول استخدام البيتكوين في التمويل غير المشروع مبالغ فيها بشكل كبير، وأن البلوك تشين يعد أداة فاعلة لمكافحة الجريمة، وجمع المعلومات النافية للجهالة Due Diligence. وفي حين أن بعض البلدان سمحت صراحة باستخدامها والإتجار بها، فقد حظرها البعض الآخر أو تم تقيدها. ووفقاً لمكتبة الكونجرس، ينطبق «الحظر المطلق» على تداول أو استخدام العملات المشفرة في ثماني دول هي: الجزائر وبوليفيا ومصر والعراق والمغرب ونيبال وباكستان والإمارات العربية المتحدة. ينطبق «الحظر الضمني» في 15 دولة أخرى، بما في ذلك البحرين وبنجلاديش والصين وكولومبيا وجمهورية الدومينيكان وإندونيسيا وإيران والكويت وليسوتو وليتوانيا وماكاو وعُمان وقطر والمملكة العربية السعودية وتايوان. 

هيئات التنظيم 

وفي الولايات المتحدة وكندا، يقوم منظمو الأوراق المالية في الولايات والمقاطعات، بالتنسيق من خلال جمعية مديري الأوراق المالية في أمريكا الشمالية، بالتحقيق في «عمليات الاحتيال على عملة البيتكوين» وICO في 40 سلطة قضائية. وفي الولايات المتحدة الأمريكية أيضاً، تدرس لجنة الأوراق المالية والبورصات الأمريكية (SEC) الخطوات التي يجب اتخاذها حيال تنظيم العملات المشفرة، ففي 8 يوليو/ تموز 2021، كتبت السيناتور إليزابيث وارن، وهي جزء من لجنة البنوك بمجلس الشيوخ، إلى رئيس لجنة الأوراق المالية والبورصات، وطالبت بتقديم إجابات بشأن تنظيم العملة المشفرة بحلول 28 يوليو/ تموز 2021 بسبب الزيادة في استخدام تبادل العملات المشفرة، والخطر الذي يشكله هذا على المستهلكين. أما في الصين فإن البنك المركزي الصيني حظر التعامل مع عملات البيتكوين من قبل المؤسسات المالية في الصين في أوائل عام 2014، وفي 18 مايو/ أيار 2021، حظرت الصين المؤسسات المالية وشركات الدفع من أن تكون قادرة على تقديم خدمات متعلقة بمعاملات العملة المشفرة؛ حيث أدى هذا إلى انخفاض حاد في سعر العملات المشفرة، فعلى سبيل المثال، انخفض سعر البيتكوين بنسبة 31%، وانخفضت إيثريوم بنسبة 44%، وانخفضت «باينانس كوين» بنسبة 32%، وانخفضت عملة «دوجكوين» بنسبة 30%. 

وفي المملكة المتحدة فإنه اعتباراً من 10 يناير/ كانون الثاني 2021، يجب على جميع شركات العملات المشفرة، كالبورصات والمستشارين والمهنيين الذين لديهم وجود أو منتج في السوق أو يقدمون خدمات داخل سوق المملكة المتحدة، التسجيل لدى هيئة السلوك المالي، إضافة إلى ذلك، في 27 يونيو/ حزيران 2021، طلبت هيئة الرقابة المالية من «باينانس» Binance، أكبر بورصة عملات رقمية في العالم، وقف جميع الأنشطة المنظمة في المملكة المتحدة؛ حيث يعتقد بعض المحللين أن هذه علامة على ما سيأتي فيما يتعلق بالتنظيم الصارم لسوق العملات المشفرة في المملكة المتحدة.

أما في جنوب إفريقيا، التي شهدت عدداً كبيراً من عمليات الاحتيال المتعلقة بالعملة المشفرة في الأشهر الأخيرة، فقد تم وضع جدول زمني تنظيمي، والذي سينتج إطاراً تنظيمياً في غضون ثلاثة إلى ستة أشهر. وحدثت أكبر عملية احتيال في إبريل/ نيسان 2021؛ حيث اختفى مؤسسا بورصة العملات المشفرة في إفريقيا، وهما: Raees Cajee وAmeer Cajee، بقيمة 3.8 مليار دولار من بيتكوين. إضافة إلى ذلك، اختفت Mirror Trading International بقيمة 170 مليون دولار من العملات المشفرة في يناير/ كانون الثاني 2021.

التجربة الكورية 

وفي كوريا الجنوبية في مارس/ آذار 2021، طبقت تشريعات جديدة، لتعزيز إشرافها على الأصول الرقمية. يتطلب هذا التشريع أن يتم تسجيل جميع مديري الأصول الرقمية ومقدمي الخدمات والتبادلات في سلطة التنظيم المالي الكورية من أجل العمل في كوريا الجنوبية. ويتطلب التسجيل في أن تكون جميع البورصات معتمدة من قبل نظام إدارة أمن المعلومات والتأكد من أن جميع العملاء لديهم حسابات بنكية بأسماء حقيقية، وأن الرئيس التنفيذي وأعضاء مجلس إدارة البورصات لم تتم إدانتهم بأي جرائم، وأن البورصة تحمل ما يكفي من مستويات التأمين على الودائع، لتغطية الخسائر الناتجة عن عمليات الاختراق.

وفي بعض الأسواق الناشئة في دول مثل تركيا فقد اتخذت موقفاً أكثر صرامة بشأن العملات المشفرة. ففي 16 إبريل/نيسان 2021؛ حيث حظر البنك المركزي التركي استخدام العملات المشفرة والأصول المشفرة لإجراء عمليات الشراء اعتباراً من 30 إبريل/ نيسان 2021، على أساس أن استخدام العملات المشفرة لمثل هذه المدفوعات، يمثل مخاطر معاملات كبيرة. وفي روسيا على الرغم من أن العملات المشفرة قانونية، فإنه من غير القانوني شراء سلع بأي عملة بخلاف الروبل الروسي، ومن المحتمل أن تمتد اللوائح والحظر التي تنطبق على البيتكوين إلى أنظمة العملات المشفرة المماثلة، أما في تايلاند، ففي أغسطس/ آب 2018، أعلن بنك تايلاند عن خططه لإنشاء عملة رقمية خاصة به، وهي العملة الرقمية للبنك المركزي (CBDC). وفي السلفادور تم اتباع نهج متناقض للغاية مع البلدان الأخرى التي تحد من استخدام العملات المشفرة ففي 9 يونيو/ حزيران 2021، أعلنت السلفادور أنها ستتبنى عملة البيتكوين كعملة قانونية، والسلفادور هي أول دولة في العالم تفعل ذلك.

شركات العملات المشفرة

أما في دولة الإمارات العربية المتحدة فالملاحظ بأن هناك ارتفاعاً في عدد شركات العملات المشفرة، وتتطلع المزيد من الشركات إلى التكنولوجيا الجديدة، لتبنيها بعد توفير نظام بيئي متكامل لقطاع تداول العملات المشفرة والبلوك تشين والتكيف مع أحدث اتجاهات التكنولوجيا التي تدفع بالنمو الاقتصادي، ومن المتوقع أن تشهد هذه الأنشطة طفرة في السنوات القادمة في منطقة الشرق الأوسط بشكل عام.

وفقاً للتقارير المتخصصة فإن القيمة السوقية للعملات المشفرة في الإمارات العربية المتحدة لعام 2020 تقترب من مبلغ 265 مليار دولار أمريكي، ويمر سوق Cryptocurrency بمرحلة نمو مع ارتفاع معاملات بيتكوين في جميع أنحاء العالم، ودخول العملات المشفرة الجديدة إلى السوق؛ حيث أصبحت العملات المشفرة مثل بيتكوين ودوج كوين وإيثيريوم وتيثر وغيرها، تحظى بشعبية كبيرة في الإمارات العربية المتحدة. أيضاً، هناك منصات تداول للعملات المشفرة عبر الإنترنت تتيح تداول البيتكوين للأفراد. ومع تزايد شعبية مشاريع العملات المشفرة فإنها أصبحت أكثر تنوعاً، وتزداد الحاجة إلى تطوير سياسات لتنظيمها؛ حيث إن دولة الإمارات هي من بين أفضل الدول التي لديها البنية التحتية والتنظيمية لمشاريع العملات المشفرة في العالم. 

أطر تنظيمية

نظراً للتطور التكنولوجي، فقد أصدر المصرف المركزي، مؤخراً، في 30 سبتمبر/ أيلول 2020 إطاراً تنظيمياً معدلاً بشأن تنظيم مقدمي تسهيلات القيمة المخزنة («لوائح SVF») تهدف إلى إنشاء إطار تنظيمي للأصول المشفرة والسماح للشركات في دولة الإمارات العربية المتحدة بإصدار أو توفير تلك الخدمات، وتسهيلات القيمة المخزنة عبارة عن تسهيلات يدفع العميل في مقابلها مبلغاً محدداً من المال أو قيمة مالية لأصول مشفرة أو أصول افتراضية، وأشياء أخرى في مقابل حفظ تلك القيمة أو ما يوازيها على تلك التسهيلات، فيما تُعرّف الأصول المشفرة على أنها التمثيل الرقمي للقيمة أو الحقوق التعاقدية المحمية بالتشفير والتي يمكن نقلها أو تخزينها أو تداولها إلكترونياً عبر نظام السجل التوزيع الإلكتروني DLS. 

ويتطلب تبادل الأصول المشفرة والعملات الرمزية فتح بورصة وترخيصها؛ لذلك بادرت هيئة الأوراق المالية والسلع في عام 2020 بإصدار إطار تنظيمي للشركات في مجال إصدار وتداول الأصول والرموز المشفرة وإدراجها وتداولها ووضع منظومة لترخيص مؤسسات السوق كالمصدرين والبورصات المشتغلة بها تم إصداره في 15 أكتوبر/ تشرين الأول 2020، وفقاً لمسودة نظام إصدار وعرض الأصول المشفرة (ICARs) الصادرة عنها، فإنها صُممت لتنظيم الجوانب الرئيسية للتعامل في الأصول المشفرة، من الإصدار والترويج، إلى الترخيص وتسيير الأعمال للأمناء، والتبادلات، ومنصات «جمع الأموال». تم فيها استثناء الأصول المشفرة الصادرة عن الحكومات الاتحادية والمحلية والمؤسسات والهيئات الحكومية وأي عملات افتراضية أو وحدات القيمة المخزنة أو أي أدوات أخرى معتمدة أو مطلوب اعتمادها من قبل مصرف الإمارات العربية المتحدة المركزي. وكذلك الأوراق المالية المحتفظ بها في شكل غير مادي في نظام المقاصة أو التسوية، والتي لا يتم إصدارها كأصول تشفير، ولكن تدار باستخدام طريقة حفظ السجلات الإلكترونية التي يتحكم فيها المُصدر أو المسجل المعتمد (ما لم تستوف هذه الأوراق المالية أي معايير أخرى للتأهل كأصل مشفر قابل للتداول). 

دليل تنظيم الأنشطة 

كذلك فإن هيئة تنظيم الخدمات المالية لسوق أبوظبي العالمي ( ADGM -FSRA) قامت بنشر إرشادات حول العملات المشفرة. كما تراقب أعمال البلوك تشين، لضمان الشفافية، وكذلك منع غسل الأموال وتمويل الإرهاب. 

وهناك دليل تنظيم أنشطة الأصول المشفرة الخاص بها والأكثر تفصيلاً للعملات المشفرة في الدولة، فهي تعد إطاراً تنظيمياً شاملاً لأنشطة الأصول المشفرة، ولقد نشرت هيئة تنظيم الخدمات المالية لسوق أبوظبي العالمي أول دليل لها بشأن تنظيم أنشطة الأصول المشفرة في عام 2018، كما تم تعديلها عدة مرات، وفي 24 فبراير/ شباط 2020، أصدرت هيئة تنظيم الخدمات المالية لسوق أبوظبي العالمي إرشاداتها المحدثة بشأن تنظيم أنشطة الأصول الافتراضية في سوق أبوظبي العالمي؛ حيث تمت إعادة تسمية مصطلح «أصول التشفير» باسم «الأصول الافتراضية». كما قامت سلطة دبي للخدمات المالية في 29 مارس/ آذار 2021 بنشر إطارها الخاص بتنظيم الأصول والرموز المشفرة للتعليقات العامة في شكل ورقة استشارية (ورقة استشارية رقم 138). 

ووفقاً للرئيس التنفيذي لسلطة دبي للخدمات المالية، فإن ذلك يُعد اقتراح تنظيم الأصول المشفرة والذي يعد خطوة مهمة نحو إنشاء مسار واضح، ويمكن التنبؤ به للمصدرين الذين يتطلعون إلى زيادة رأس المال داخل مركز دبي المالي العالمي أو خارجه باستخدام تقنية دفتر الأستاذ الموزع (DLT) وتقنية مماثلة، أيضاً كشركات تتطلع إلى المشاركة في السوق من خلال إجراء أو تقديم خدمات مالية. إضافة إلى ذلك فقد اقترحت ورقة التشاور هذه أيضاً بنداً يتعلق بالعملات المشفرة، ينص على أنه يمكن إنشاء أصل تشفير وتخزينه ونقله باستخدام تطبيق DLT ونتوقع رؤية مثل هذا الإطار التنظيمي في المستقبل القريب.

مراكز للأصول المشفرة 

أيضاً أطلق مركز دبي للسلع المتعددة (DMCC) مركزه الجديد للعملات والأصول المشفرة في دبي، وهو نظام بيئي شامل للشركات العاملة في قطاعي تداول العملات المشفرة والبلوك تشين؛ حيث يهدف إلى أن يكون مركزاً لتطوير وتطبيق تقنيات البلوك تشين؛ إذ سيقدم المركز الدعم لجميع أنواع الشركات، لتطوير الحلول المتعلقة بتقنية البلوك تشين، وسيقدم المركز أيضاً برامج الحاضنات والمُسرّعات للشركات الناشئة التي تنوي الحصول على تمويل لمشاريعها بما يأهله بأن يكون مركزاً مركزياً لمبادرات البلوك تشين المستقبلية في دبي. أيضاً بادرت المنطقة الحرة بمطار دبي ( DAFZA)، بتوقيع اتفاقية مع هيئة الأوراق المالية والسلع؛ وذلك لدعم تداول الأصول المشفرة. كذلك يجب ألا نغفل أيضاً مبادرات مركز الشارقة لتكنولوجيا البحث والابتكار في تأسيس الحاضنات والمسرّعات للشركات الناشئة المتخصصة في تقنية البلوك تشين.

وأخيراً، ومما لا شك فيه سيؤدي جذب شركات الأعمال المتخصصة إلى نقل تقنية البلوك تشين إلى المنطقة، مما سيوفر الحلول التمويلية البديلة للشركات الكبيرة، وكذلك الشركات الصغيرة والمتوسطة، وسوف يمكن السوق من النمو ليصبح مركزاً عالمياً كسوق للعملات المشفرة والأصول الرقمية؛ ويكون متوافقاً في ذلك مع رؤية الدولة؛ الهادفة إلى توفير نظام بيئي متكامل لقطاع تداول العملات المشفرة والأصول الرقمية وتقنية البلوك تشين، وتحقيق الريادة في أحدث اتجاهات التكنولوجيا التي تدفع عجلة النمو الاقتصادي المستدام. أيضاً فإنه من المتوقع أن تشهد أنشطة إصدار وتداول العملات 

والأصول الرقمية طفرة في السنوات القادمة في منطقة الشرق الأوسط، مما سوف يغيّر النظم البيئية لكثير من الصناعات، خاصة الخدمات المالية، وبارتفاع عدد الشركات الأجنبية المتخصصة في هذه المجال في المنطقة والتي سوف تسعى للحصول على الترخيص المطلوب من السلطات التنظيمية، وسوف تتطلع الشركات المحلية إلى تبني التكنولوجيا الجديدة والاستثمار في تطبيقاتها.

* مستشار متخصص في التمويل وأسواق الأوراق المالية

6 يونيو 2021
تطبيقات الاستثمار المستدام وتأثيرها الإيجابي في منظومة التنمية المستدامة

د. عبيد الزعابي*


التنمية المستدامة هي التنمية التي تلبي احتياجات الحاضر دون أن تضعف قدرة الأجيال القادمة على تلبية احتياجاتهم التنموية. وتتحمل الحكومات والمواطنون على حد سواء المسؤولية في المساهمة في تحقيق ذلك من خلال تصرفاتهم.
وتلتزم دولة الإمارات العربية المتحدة على المستوى الوطني بالتنمية المستدامة وفقاً لرؤية الدولة 2021 لمستقبلها ولخطتها للتنمية الوطنية. ووصولاً إلى تحقيق النمو طويل الأمد، يجب اعتماد استراتيجيات تتراوح بين المحافظة على البيئة لرفع مستوى الرفاه الاجتماعي وتعزيز الثقة في مشروعات الدولة من خلال ممارسات حوكمة قوية.
ويتطلع الكثير من المستثمرين الذين يتمتعون بالمسؤولية والوعي حالياً إلى ما هو أبعد من مجرد استثمار رؤوس أموالهم لأهداف تحقيق عائد مادي على أموالهم فقط، بل إنهم حريصون على أن تساهم طريقة تخصيص أموالهم المستثمرة في تحقيق الاستدامة للبيئة والمجتمع وتعزيزهما، ويبذلون جهداً جاداً للجمع بين أهدافهم المالية وقيمهم الأخلاقية، وهذا ما يُشار إليه في العادة باسم «الاستثمار المستدام أو الاستثمار ذو المردود الاجتماعي». 
وقد أظهرت إحدى الدراسات العالمية أن نسبة 1% من تحول أسواق رأس المال العالمية نحو الاستثمار المستدام كافية لأن تغطي فجوة التمويل السنوية الحالية المقدرة بمبلغ 5.2 تريليون دولار لتحقيق أهداف التنمية المستدامة للأمم المتحدة (SDGs).
مفهوم الاستثمار المستدام:
يُعد الاستثمار المستدام أو الاستثمار ذو المردود الاجتماعي أحد أشكال الانضباط الاستثماري (Discipline Investment) الذي يراعي المعايير البيئية والاجتماعية ومعايير حوكمة المؤسسات أو أي معايير أخرى، وذلك بناء على قيم أخلاقية أو معنوية معينة لتوليد عائدات مالية طويلة المدى، وإحداث تأثير إيجابي في المجتمع أو البيئة أو الاقتصاد ككل في نفس الوقت.
يمكن ممارسة هذا الانضباط الاستثماري في جميع فئات الأصول تقريباً بما في ذلك النقد والأسهم والسندات وحتى الاستثمارات البديلة. وتتوافق الأدوات المالية الإسلامية بسهولة مع هذا النوع من الاستثمار. 
واعتماداً على أولوياتهم ومجالات اهتمامهم أو تركيزهم، قد يطلق المستثمرون على هذا النوع من الاستثمار مسميات مثل «الاستثمار القائم على القيم» و«الاستثمار المؤثر» و«الاستثمار الأخلاقي» و«الاستثمار ذو المردود الاجتماعي» و«الاستثمار الأخضر». وقد تنامى هذا النوع من الاستثمار في السنوات الأخيرة بخطى سريعة حيث تشير التقديرات إلى أن الأصول المالية المدارة باستخدام المفهوم الموسع لهذا الأسلوب الاستثماري بلغت 23 تريليون دولار في مطلع 2016، أي بزيادة قدرها 73% عن السنوات الأربع السابقة، حسب تقرير صدر بتمويل من مجموعة شركات مالية وفقاً لما أفادت به بلومبيرج (1). ويتركز الجزء الأعظم من هذا النشاط الاستثماري بين المستثمرين من المؤسسات. 
أهمية الاستثمار المستدام:
 ثمة حوافز عديدة تدفع باتجاه الاستثمار المستدام، ومن بينها المعتقدات والقيم والأهداف الشخصية أو استراتيجية الاستثمار أو أهداف العائد المالي طويل المدى، أو حتى السياسات والأنظمة الحكومية. ويهدف المستثمرون الذين يتجهون إلى الاستثمار المستدام إلى تحقيق عائدات مالية واستثمارية جيدة ومعقولة دون أن يؤثر ذلك في مساهمتهم الإيجابية في البيئة والمجتمع والتنمية الاقتصادية المستدامة؛ فقد يسعون بجدية إلى هذا النوع من الاستثمارات التي تساهم في حماية البيئة أو لها مساهمة إيجابية في المجتمع، أو ببساطة ربما يتجنبون أو يستبعدون الاستثمارات التي لا تفي بهذه المعايير أو التي يُنظر إليها بأنها غير أخلاقية أو ضارة بالبيئة أو المجتمع. ويعتمد ذلك في العادة على مقاييس رئيسية، أو يضع مؤشرات أداء معينة في مجالات البيئة والمجتمع والحوكمة يجب أن تتم تلبيتها حتى يفكر المستثمر في إضافة استثمار معين إلى محفظته 
الاستثمارية كما هو مبين بتوسع أدناه.
ويعتمد المستثمرون في الاستثمارات ذات المردود الاجتماعي (Socially responsible investors)
على مقاييس بيئية واجتماعية وحوكمة مختلفة عند تقييم استثمار ما، حيث يتبنى بعض المستثمرين تلك الاستراتيجيات لإدارة المخاطر المرتبطة، عل سبيل المثال، بالمناخ والإضرار بالسمعة التي تلازم الأنشطة الاقتصادية غير المسؤولة، مما قد تؤثر في أداء استثماراتهم على المدى الطويل، في حين قد يعتقد مستثمرون آخرون بأن أداء هذه الاستثمارات على المدى الطويل سوف يكون أفضل مالياً من أداء الاستثمارات الأخرى وأنها ستحقق عائدات استثمارية أعلى، وقد أيّدت دراسات بحثية عديدة هذا الاعتقاد.
تتألف هذه الفئة في المستثمرين من أفراد، يشملون مستثمرين أفراد عاديين وأفراد من أصحاب الثروات ومكاتب عائلية وصناديق استثمار وصناديق معاشات وجامعات ومؤسسات ومنظمات غير ربحية وجهات حكومية وحتى مؤسسات دينية. كما توجد المئات من مؤسسات إدارة الاستثمار في جميع أنحاء العالم تقدم لهؤلاء المستثمرين صناديق وأدوات استثمار مستدام.
الأساليب الرئيسية لتحقيق الاستثمار المستدام
يشير الاستثمار المستدام إلى مجموعة كبيرة من الأنشطة الاستثمارية، فهو بشكل عام أسلوب استثماري واسع النطاق يعمل على توفير رؤوس الأموال الاستثمارية للشركات أو المشاريع التي يتم تشغيلها وإدارتها بطرق تدعم الاستدامة طويلة المدى.
تُستخدم ثلاثة أساليب رئيسية في الاستثمار المستدام:
1 -دمج معايير البيئة والمجتمع والحوكمة (ESG): الأمر الذي يعني إدخال هذه المعايير في تحليل الاستثمار وفي تكوين المحفظة الاستثمارية في كل مكونات مجموعة من فئات الأصول. ويدمج هؤلاء المستثمرون العوامل البيئية والاجتماعية وعوامل الحوكمة في عملية الاستثمار كجزء من التحليل الموسع للمخاطر والعائدات، حيث لا يكتفي المستثمرون باستخدام الأساليب الكمية التقليدية لتحليل مجموعة المخاطر والعائدات المالية، بل ينفذون تحليلات كيفية وكمية لسياسات وأداء الشركة أو الاستثمار، وأيضاً ممارسات وأثر البيئة والمجتمع والحوكمة. ومن هنا أصبح هذا الأسلوب يتحول إلى عملية لفحص أو تقييم الفرص الاستثمارية استناداً إلى معايير البيئة والمجتمع والحوكمة، ويشمل ذلك عمليات فحص إيجابية وسلبية. ويتم الفحص الإيجابي عندما يسعى المستثمر إلى امتلاك شركات مربحة تقدم مساهمات إيجابية للبيئة أو المجتمع، مثل الاستثمار في مشاريع الطاقة المتجددة أو «الطاقة النظيفة». وعلى نقيض ذلك، يتم الفحص السلبي عندما 
يرغب المستثمر في تجنب الاستثمار في شركات تكون منتجاتها وممارساتها التجارية ضارة بالأفراد أو المجتمعات أو البيئة. ومن الأفكار الخاطئة التي قد يتبناها الكثير من المستثمرين والتي تؤدي إلى إحجام بعضهم عن هذه الفرص الاستثمارية لأنها تقلص «مجال استثماراتهم» هي الافتراض بأن هذا الفحص إقصائي أو أنه ينطوي على فحص سلبي فقط. ويتزايد استخدام عمليات الفحص الإيجابي للاستثمار ذي المردود الاجتماعي بشكل متصاعد ومتكرر عند الاستثمار في شركات تنتهج ممارسات جيدة في مجالات البيئة والمجتمع والحوكمة. كما يمكن للمستثمرين إدخال مسائل تتعلق بالبيئة والمجتمع والحوكمة في عملية الاستثمار عن طريق قياس أداء الشركات مقارنة بنظيراتها لتحديد ما يعرف باسم الفرص الاستثمارية «الأفضل في فئتها» استناداً إلى المسائل التي تتعلق بالبيئة والمجتمع والحوكمة.
2 -يتحقق إشراك المساهمين ورعاية مصالحهم عندما يقوم المستثمرون بدور فعّال من خلال امتلاك أسهم في الشركات للتأثير في هذه الشركات لتحسين ممارساتها في مجالات البيئة والمجتمع والحوكمة. وعادة يتحقق دعم مصالح المساهمين من خلال ممارسة حقوق التصويت الممنوحة للمساهمين وتسجيل قراراتهم التي تتعلق بموضوعات هامة وذات صلة مثل حوكمة الشركة وتغير المناخ والتوازن بين الجنسين والمجتمع وممارسات العمل وغيرها. وتؤدي مشاركة المساهمين في المناقشات واحترام قراراتهم إلى إحداث ضغط 
إيجابي من المستثمرين على إدارة الشركة وغالباً ما يحظى ذلك باهتمام إعلامي ويثقف الجمهور حول المسائل الاجتماعية والبيئية والعمالية. وتهدف القرارات التي يؤيدها المستثمرون في الاستثمار ذي المردود الاجتماعي إلى تحسين سياسات الشركة وممارساتها، وتشجيع إدارة الشركة على ممارسة المواطنة المؤسساتية الجيدة وتعزيز القيمة التي تعود على المساهم والأداء المالي على المدى الطويل.
3 -الاستثمار المؤثر Investing Impact: عبارة عن استثمارات هادفة ترمي إلى حل مشاكل اجتماعية أو بيئية وتحقيق عائد مالي معقول في نفس الوقت. فعلى سبيل المثال، قد يوجه المستثمرون في هذا المجال رؤوس أموالهم إلى مجتمعات فقيرة أو نامية أو محرومة من الخدمات المالية التي تقدمها مؤسسات الخدمات المالية التقليدية مثل المصارف، أو قد يقدمون التمويل للشركات الصغيرة والخدمات المجتمعية الحيوية، مثل الإسكان متوسط التكلفة ورعاية الأطفال والتعليم والرعاية الصحية. وتركز بعض الاستراتيجيات على العائد المالي مع العمل على تحقيق المنفعة للمجتمع. وتولي أساليب استثمارية أخرى اهتماماً خاصاً بالتأثير الاجتماعي حيث تكتفي بالعائدات التي تكون أقل من العائدات السائدة في السوق أو عائدات تسدد أصل المبلغ فقط. 
تتضافر استراتيجيات الاستثمار المستدام للتشجيع على ممارسة الأعمال المسؤولة وتخصيص رأس المال للمنفعة الاجتماعية والبيئية في مختلف قطاعات الاقتصاد. وفي الوقت الحاضر، يتبنى المستثمرون جميع هذه الأساليب الثلاثة لبناء محافظهم الاستثمارية أو سياسات الاستثمار القائم على الاستدامة.
ومن ناحية أخرى، لجأ بعض المستثمرين أيضاً إلى ما يسمى «استثمار الاستدامة الموضوعية» (Sustainability Investing Themed)، أي اختيار أصول تهتم على وجه التحديد بالاستدامة في صناديق ذات غرض (موضوع) واحد أو أغراض متعددة.
قبل دراسة خيارات وتصرفات الاستثمار، يجب على المستثمرين النظر في دوافعهم لممارسة الاستثمار ذي المردود الاجتماعي ومسائل البيئة والمجتمع والحوكمة ذات الأهمية لهم، حيث يساهم ذلك في حصر وتحديد فرص الاستثمار الأنسب لاحتياجاتهم وأهدافهم من حيث العائد المالي والمخاطر.
الأدوات المالية المتاحة في الاستثمار المستدام
الشركات المدرجة:
امتلاك أسهم في شركة يمنح المستثمر قناة لطرح مسائل البيئة والمجتمع والحوكمة ذات الأهمية. ويعتبر تقديم قرارات المساهمين والتصويت بفعالية في الجمعيات العمومية والمشاركة في النقاشات الجادة مع إدارات الشركات من الطرق التي يمكن اتباعها لاستخدام الأسهم التي يمتلكها المستثمر للتأثير في ممارسات الشركات في مجالات البيئة والمجتمع والحوكمة وتشجيعها على تحسين هذه الممارسات.
كما يمكن للمستثمر الاطلاع على المواقع الإلكترونية للشركات التي يتم تداول أسهمها بين الجمهور للتحقق ما إذا كانت الشركة تنشر تقاريرها عن سياساتها وممارساتها وأدائها في مجالات البيئة والمجتمع والحوكمة. ففي العادة يتم نشر ذلك في تقرير مستقل عن الاستدامة أو يتم الإفصاح عنه في التقرير المالي السنوي للشركة. والشركات عادة تكون ملزمة بنشر هذه المعلومات في تقريرها السنوي عن حوكمة الشركات. وتُصنف بعض المصادر الشركات أو ترتبها ضمن فئات البيئة والمجتمع والحوكمة. فعلى سبيل المثال، قامت بعض الجهات المتخصصة في وضع المؤشرات بتطوير مؤشر لمعيار البيئة والمجتمع والحوكمة لاستخدامه في تقييم وترتيب مجموعة مختارة من الشركات المسؤولة في مجالات البيئة والمجتمع والحوكمة في أسواق الأسهم في الدول العربية ولمتابعة أدائها في مجالات المسؤولية تجاه البيئة والمجتمع والحوكمة بالمقارنة مع شركات أخرى في المنطقة.
السندات والصكوك:
السندات والصكوك الخضراء هي أدوات تُستخدم لتمويل مشاريع تعود بمنافع على البيئة والمناخ. وأغلب السندات والصكوك الخضراء الصادرة حتى اليوم هي إصدارات حكومية، وتُصنف بأنها خضراء استناداً إلى «استخدام عوائدها» وارتباطها بأصول أو مشاريع خضراء. ويتم تخصيص عوائد هذه السندات للمشاريع الخضراء ولكنها مدعومة بميزانية الجهة المصدرة بالكامل.
الصناديق:
عادة ما تشير الفلسفة الاستثمارية للصندوق كما هي واردة في نشرة اكتتاب الصندوق إلى أي معايير استدامة أو العوامل البيئية والاجتماعية وعوامل الحوكمة التي يضعها فريق إدارة الاستثمارات لدى الصندوق في حسابه عند اختيار محفظة الصندوق الاستثمارية. ومن بين الأمثلة على ذلك ممارسات التصويت والسياسات المتعلقة بمسائل البيئة والمجتمع والحوكمة في الشركات التي يتم الاستثمار فيها، أو الاستثمار في شركات أو تمويل يركز على الجوانب البيئية أو الاجتماعية وما إلى ذلك.
أيضاً يتعين وضع قواعد إرشادية لترخيص شركات إدارة الصناديق التي تبلغ قيمة أصولها الخاضعة للإدارة في سنغافورة على سبيل المثال مليار دولار سنغافوري أو أقل لتسجيل هذه الشركات. 
ما هي التحديات التي تواجه المستثمرين في الاستثمار المستدام؟
لا يوجد قدر كاف من المعلومات عالية الجودة والمتسقة والشاملة عن ممارسات الاستدامة في الشركات وهو ما قد يثير خيبة أمل المستثمرين. وبالرغم من ذلك، يسعى العديد من مزودي خدمات المعلومات وغيرهم من مزودي الخدمات والمنصات المشابهة إلى علاج هذه المشكلة في الوقت الراهن. وعلاوة على ذلك، مع اقتراب تطبيق أنظمة تفرض على الشركات الإفصاح عن قدر كبير من المعلومات المتعلقة بممارساتها في الاستدامة بناءً على المعايير الدولية لإعداد التقارير لن تكون هناك مشكلة في توفر المعلومات وتوافقها.
وقد أبان قطاع لا يستهان به من المستثمرين عن مخاوفهم من أن بعض جوانب الاستثمار المستدام قد تجلب بعض الصعوبات، كأن ينطوي هذا الاستثمار على مخاطر معينة غير مرتبطة بأنواع أخرى من الاستثمار مثل المخاطر التنظيمية والتقنية والتجارية والتي ترتبط على سبيل المثال بمجال الطاقة المتجددة والجديدة والطاقة النظيفة، والمخاطر التي تواجه بعض الاستثمارات المؤثرة اجتماعياً التي تتم في أسواق غير متطورة، حيث تواجه شركة أو مؤسسة غير هادفة للربح مجموعة فريدة من هذه التحديات.
وفي بعض الأحيان يكون المعروض من الفرص الاستثمارية التي توفر الحجم والتأثير والعائد المالي أقل من الطلب. ونتيجة لذلك، قد يعاني المستثمرون في الاستثمارات المؤثرة الإحباط عند البحث عن فرص استثمارية تتناسب مع معايير الاستثمار واعتبارات الاستدامة المعتمدة لديهم. وعند تنفيذ استثمار ما، قد يتبين أن من الصعب الوصول إلى استراتيجية تخارج مجدية إلا إذا كان هناك سوق تداول نشط لهذه الأدوات.
وقد يفتقد العديد من المستشارين الماليين للخبرة اللازمة في مجال الاستثمار المستدام. ويتلخص حل هذه المشكلة في أن يبحث المستثمرون عن صناديق استثمار تركز على الاستثمار الذي يتبنى اعتبارات البيئة والمجتمع والحوكمة، حيث يتولى المستشارون المهنيون إدارة واختيار الأوراق المالية الأساسية لهذه الصناديق. 
أبرز النتائج:
* يشير الاستثمار المستدام وذو المردود الاجتماعي (Sustainable and responsible investing) إلى استراتيجيات الاستثمار التي تسعى إلى دمج القيم البيئية والاجتماعية والأخلاقية الأخرى في عملية اتخاذ القرارات الاستثمارية إضافة إلى أهداف تحقيق العائد المالي.
* وكمستثمر نشط، يمكنك المساهمة بقوة في تعزيز ممارسات الاستدامة في الشركات المدرجة عن طريق ممارسة صلاحياتك في الإدلاء بصوتك ونقل استثماراتك إلى هذه الشركات.
* تُظهر البحوث والأدلة أن الشركات التي تتبنى مستوى أرقى من ممارسات الاستدامة والأداء الاجتماعي والبيئي تحقق أداء مالياً أفضل وقيمة استثمارية أكبر على المدى الطويل.
* الاستراتيجيات الجوهرية للاستثمار المستدام بفئاتها الثلاث هي: 
1) الفحص (سواء الإيجابي أو السلبي) 
2) إشراك المساهمين 
3) الاستثمار المؤثر.

* مستشار التمويل والأسواق المالية