يخوض العديد من الأسرى الفلسطينيين في سجون الاحتلال الصهيوني إضرابات مفتوحة عن الطعام طلباً للحرية، أو لإنهاء عزلهم وتحسين ظروف اعتقالهم، من دون أن تستجيب إسرائيل حتى الآن لمطالبهم، حيث يعيش العديد منهم في مرحلة الخطر الشديد من جرّاء نقص الماء والسوائل في أجسامهم، ومعاناة الجزء الأكبر منهم أمراضاً استفحلت لضعف مقاومة أجسامهم لها .

الأسير عبد الله البرغوثي، صاحب أطول حكم في التاريخ (67 مؤبداً)، دخل إضرابه عن الطعام العد التنازلي نحو المئة يوم، ورغم ذلك لم يلق إضرابه الصدى الذي يستحقه في الشارع الفلسطيني أو الإعلام، نظراً للانشغال بأمور أخرى أهمها، كما يبدو، المفاوضات مع الكيان الصهيوني، وطغيان التطورات العربية والإقليمية على المشهد العام، فضلاً عن الانشغال بمتابعة برامج رمضان ومسلسلاته وقضاء سهراته ونوم نهاره، على هذه القضية المركزية .

نستميحك عذراً يا برغوثي، لأنك لست على أجندتنا، فهناك أمور كثيرة أهم منك ومن إضرابك وأهم من عزلتك الجبرية، وأهم من أحاسيسك ومشاعرك كأب محروم من رؤية أطفاله، حتى من مربعات قضبان المعتقل، ولم تكتحل عيناك برؤية والديك المسنين على مدى عقد من الزمان، إضرابك لا يعنينا نعتذر لك . نحن بعد صيام ست عشرة ساعة نعود ونلتهم ما لذ وطاب من الطعام، لذا لم نجرّب الجوع الحقيقي وآلامه، أما أنت فقد عشش العنكبوت في معدتك التي لم يدخلها الطعام لأكثر من ثمانين يوماً .

أنت منحت الوطن حريتك مقابل حريتنا وعزّتنا وكرامتنا، لكننا خذلناك ونسينا أمرك وانشغلنا بأمورنا الخاصة ومصالحنا الذاتية من دون أن ننتبه إلى أنك بذلت كل ما تملك وأغلى ما تملك وهي الحرية ودفء الأسرة ومجاورة الأهل مقابل رفعة الوطن ومقاومة غاصبيه وتخليصه منهم .

نرجو ألا تؤاخذنا، لأننا وافقنا على الدخول في مفاوضات مع الاحتلال وألغينا شرط إطلاق سراح الأسرى وتبييض السجون ورضخنا لضغوط العرب والغرب، رغم أن إسرائيل قالت وبملء فيها إنها لن تطلق سراح أي أسير، ولن توافق على مرجعية حدود العام 1967 كمناطق للدولة الفلسطينية العتيدة، ولن توقف جنونها الاستيطاني أو تجمّده .

نعلم أنّك لم توافق يوماً على الرضوخ لغطرسة الكيان الصهيوني وصلفه وعنجهيته، لكن يبدو أننا نصاب بداء البلادة وتقلّ جرعة الوطنية فينا إلى الحد الأدنى طالما نحن خارج القضبان ولم نعش حياة البؤس والظلم والحرمان وعتمة السجون وقسوة الزنازين التي تعيشونها، وننشغل بحطام الدنيا ونركض خلف سرابها، أما أنتم فنعلم أنكم أفضل منا وأكثر وطنية منا وأجرأ منا في مواجهة الاحتلال، وأنكم واثقون بنصر الله المؤزر، كما أنكم تدركون أن هذا العدو الغاصب لا يؤمن بغير لغة القوة ولا تنفع معه المهادنة، فأنتم تجربونه كل يوم عن قرب وفي كل مرة ينقض العهود .

إلى كل الأسرى القابعين خلف قضبان القهر في سجون العدو الصهيوني ويحلمون ببزوغ فجر جديد ولم شمل مع الأهل والأحبة، نؤكد لكم أنكم تسيرون في الطريق الصحيح، وإن نحن لم نكافئكم ونؤازركم، فاعلموا أن الله تبارك وتعالى معكم، وهو لا يضيع أجر العاملين .

[email protected]