عادي

محمد البريكي يتعكز على الريح

04:19 صباحا
قراءة 3 دقائق

الشارقة: محمدو لحبيب

دون مقدمات يدخل الشاعر محمد البريكي بقارئه مباشرة في ديوانه الجديد «عكاز الريح» الصادر عن دائرة الثقافة في الشارقة، يحدثنا البريكي بلغته الشعرية التي تمتزج فيها البساطة التي تناسب روح الشاعر الشفيفة، بالمحمول الثقافي العميق الذي تزخر به الجمل والأبيات الشعرية، ويُحيل قارئه إلى التفكر في الدلالات العديدة المتنوعة ما بين الاقتباسات القرآنية، والاستلهامات التراثية من قصص تراثية معروفة.

ومن البداية لا يريدنا البريكي أن نقلق، فالشعر عنده ليس ميداناً للقلق، بقدر ما هو فسحة خيالية جميلة تزيح عن الكائن البشري قسوة الأيام وتفاصيل اليومي.

ينشد البريكي في البداية عن ديوانه هذا قائلاً:

أنا لن أعكر صفو كتابي الجديد/ بما لم أقله/ عن القلق المتمدد فوق ضلوع الكلام/ سأسحب من ضجة الرأس كرسي همي/ وأجلسه كي يصافحه الموج/ ثم أغادره/ تاركاً كل رأسي للبحر.

إنه يقدم لنا كقراء منذ البداية دعوة مفتوحة لعالم خالٍ من كل تجليات «ذئب» القلق، ويطمئننا على أنه يفتح لنا من خلال كتابه تلك الآفاق الرحبة التي يمنحها الشعر الحقيقي، والتي هي أصلاً مبرر وجوده، فلا شعر دون خيال، دون وعد بالسعادة، بالبهجة، بالتخفف من أسر الواقع.

في قصيدة «بكائية الغيم» يقدم لنا البريكي روحه التي تحمل الكتاب المبعثر، لكن الكتاب لا يضيره في العادة أن يكون مبعثراً طالما كان المتن مزدحماً، مكتنزاً بالمعنى، فهو عندئذ يتحول إلى حامل للأرض وما فيها، كما يقول الشاعر واصفاً تلك الحالة:

كما حملتْ روحي كتاباً مبعثرا

أجيء ولكن ألمح الجمر أخضرا

كبير بغصن الحب طيري..كأنه

يحط على الغيمات لو كان أصغرا

على كتفي الأرض تحمل وزرها

ويحملني ضلع أراه مكسرا

ولأن حرف الشاعر كما الصوفي مختلف الحال، تهدهده المقامات الروحية النفسية، وتمضي به من حال إلى حال، فهو جدير بأن يجسد بشعرية تليق به، وتربطه بالمعنى الكلي لرحلة الشاعر التي ينبغي أن تكون بحثاً دائماً عن المعنى، وتشظياً جميلاً في سبيل الوصول إليه، والبريكي يعي ذلك ويجسده في نفس القصيدة حين يقول متحدثاً عن الحرف وجنونه:

متى ما يحس الحرف أن جنونه

تطوف به ريح..تشظى وأمطرا

هو الشعر لا يأتي على غير نزوة

تُلوِعه بالبعد والشوق والكرى

يعيش به الإنسان خارج كونه

لأن محيط الأرض لا يحمل القِرى

ولأن الاستلهامات القرآنية بارزة وذات حضور آسر في الديوان، يقتفي البريكي منهج حكمتها الخالدة، ويستخلص شعرياً تلك الحكمة من قصة من قصص القرآن الكريم هي قصة موسى عليه السلام، وأمه، وفرعون، ويركز على حكمة الخوف وحكمة الصبر وحكمة السلم والحرب قائلاً:

حكمة الخوف/ أم موسى تخلتْ/ عن رضيع ولم تكن قط وجلى/ حكمة الصبر/ أن فرعون يمضي/ نحو موسى وربه ما تخلى/ حكمة السلم/ أن للحرب عذرا/ حكمة الحرب أن للسلم قتلى.

والملاحظة البارزة أن الديوان ضم استلهامات من عدة قصص من القصص القرآني، من بينها قصة موسى ويوسف ويونس عليهم السلام.

الديوان في مجمله نوتة موسيقية معزوفة بطريقة محبوكة، ولا يبدو خلال عزفها أي نشاز، ولا تجرح وعي السامع، ولا تهبط بخياله إلى الأرض، بل تمضي به كما أراد الشاعر في مقدمته الشعرية الآنفة الذكر، بعيداً عن القلق، وبعيداً بعيداً عن قسوة الواقع.

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"