يروي الفنان التشكيلي التركي عابدين دينو حكاية سلطانة قصر «قونيا» التي طلبت من أحد الرسامين في زمانها أن يرسم صورة «بورتريه» للشاعر المتصوّف جلال الدين الرومي، وقد كانت تحبه، وقد طلبت من الرسام هذه الصورة تخفيفاً من حنينها إليه..
«.. رسم الرسام بورتريه جلال الدين الرومي باحترام كبير وبالدقة الممكنة، وحالما أنهى الرسم ورفع رأسه اكتشف أن الرسم لا يشبه الموديل مطلقاً، فأعاد الرسم بنفس الانتباه، وبنفس هاجس التفاصيل، ولكن عبثاً، فحين عاوَدَ رؤية السيد تقابل مع وجه آخر. وعاود رسم البورتريه مرات عديدة حتى ظهرت الحقيقة الجلية فجأة. مزّق جميع رسوماته وارتمى بَوله على أقدام جلال الدين الرومي طالباً منه الصفح ومعترفاً، وهو يبكي، بأنه من المستحيل رسم بورتريه لكائن يمتلك وجهاً يتغير إلى اللانهائي..».. إلى هنا انتهت الحكاية، فما هو هذا الوجه اللانهائي وجه جلال الدين الرومي؟.. وقبل الوجه، هذا قلب جلال الذي يقول: «ارتق بمستوى حديثك لا بمستوى صوتك.. إنه المطر الذي ينمي الأزهار، وليس الرعد..».
في أواسط تسعينات القرن الماضي أقام الشاعر العراقي عبد الوهاب البياتي في العاصمة الأردنية، وأتيح لكاتب هذه السطور أن يبني صداقة روحية عميقة مع صاحب «بستان عائشة»، والبياتي كان من عشاق جلال الدين الرومي الكبار، أما عائشة هذه فهي قصة السرّ أو كلمة السرّ عند البياتي الذي كان يتحول وجهه إلى لون الحمرة القانية، ويتلألأ في عينيه دمع بعيد مكبوت، كلما سألته أو سأله أحد عن عائشة.
وجه البياتي في المساء ليس هو وجهه في الصباح أو في أواخر الليل، وعلى نحو ما يصعب رسم بورتريه لشاعر شرب من ماء النفّري والسهروردي وابن عربي.
يصعب أيضاً رسم وجه محمود درويش.
ذات ظهيرة في منزل النحّاتة العظيمة منى السعودي كان وجه محمود درويش يتحول وفقاً لسقوط الضوء على جبهته ورموشه. وجه كهذا لا يمكن تحديده أو قراءته بدقة، ولكن يمكن نحته، فالنحات لا يشبه الرسام. النحّات يقبض على اللحظة الزمنية ويجمّدها في الحجر أو في البرونز أو في الصلصال، غير أن الرسام أشبه ب«التائه» وهو يتجول في حقول اللون والضوء والظلال.
كان وجه محمد القيسي في الظهيرة في مطعم النيروز في الدوار الثالث في جبل عمان أيقونة صافية مغمورة تماماً بحزن غامض بعيد، وتكبر هذه الأيقونة ويصعب رسمها عندما تسأل القيسي هذا السؤال المباغت: متى ستعود إلى قريتك «كفر عانة»؟
لم يعد القيسي إلى بلاده، والبياتي مات ودفن في دمشق، ودرويش عاد مزفوفاً بالورد إلى رام الله.. وحتى اليوم يعجز الرسامون عن بورتريه واحد لوجه جلال الدين الرومي أو ما يشبه وجهه..