في العام 2007، وتحديداً في 3/7/2007 نشرت في الملحق الثقافي في الخليج تحقيقاً ميدانياً مصوّراً حول قرية (نحوة) إحدى قرى الشارقة وقد أمضيت منذ الصباح المبكر فيها نحو عشر ساعات برفقة الصديق عبد العزيز المسلم رئيس معهد الشارقة للتراث إلى جانب مصور من الصحيفة وسط جغرافية يقال دائماً إن البطولة فيها تذهب إلى الجبال، وقد كان يوماً مكتملاً بنزوع داخلي إلى اكتشاف ما هو منسي في المكان، و«تذوّق» فاكهة أشجار الجبال وشرب الماء من الينابيع البكر.
يعود اسم قرية (نحوة) إلى كثرة العارفين بالنحو واللغة من سكانها القدامى، وكتبت يومها أن القرية محصورة بين دائرة من الجبال أما في الأسفل فهناك متاهة لولبية من الأودية، وكان من اللافت رؤية مسجد صغير مبني من الطوب، ويحمل اسم «ابن كثير» أمامه حوض من «المشموم»، وربما من أساطير (نحوة) أو من أساطير المكان أن حيواناً من عائلة (النمس) اسمه (الضباحة) = كما أخبرني المسلم = يصدر صوتاً شبيهاً بصوت الذئب، فيتطير منه كل من يسمعه لأنه إشارة إلى موت أحد سكان المكان.
بعد مرور نحو ثمانية أعوام على تلك الرحلة لا يمكنك أن تنسى هدوء الجبال والأشجار والينابيع، كما لا يمكنك أن تنسى ظلال الأشجار بشكل خاص ورائحة الأغصان والثمار من المانجو والموز الفرضي، والموز البرحي الكبير والليمون وقصب السكر والتين.
قبل ذلك صعدت، قبل أكثر من عشرين عاماً جبال قرية شعم، وصعدتها مع رجل جبلي من الشحوح كان أكبر مني في العمر، ولكنه كان يقفز من حجر إلى حجر صعوداً إلى رأس الجبل في خفة سنجاب أو غزال، وتحت شمس ظهيرة صيف في أحد تلك الأعوام البعيدة، كانت الكاميرا الفوتوغرافية تلتقط البيوت المتراصة بالحجارة، ثم تهبط إلى منحدرات وقيعان كانت مخصصة لزراعة القمح ويسميها الجبليون: «الوعوب».
يقترب البحر بزرقته الهادئة من امتدادات النخيل والجبال في شعم، ومرة ثانية تحيط بك هالة من الهدوء العميق، وتجد في داخلك رغبة هائلة في الكتابة أو الرسم.
مثل هذه الرغبة في الكتابة أو الرسم أو تأمل المكان والتعلم من عبقرية الجغرافية الجبلية تجدها، أيضاً في جبل حفيت، وفي وادي الحلو، وفي جبال حتا، وفي خورفكان، وفي المحيط الجبلي المثير في الفجيرة.
تذهب إلى تلك الأماكن الجبلية أو الشجرية أو «الينابيعية» إن صحّ هذا الوصف أو هذا الاشتقاق، فتدرك من قلبك أن الكتابة الحقيقية لا تولد ولا تتحقَّق وأنت جالس في مكتب أو إلى طاولة وعليها كومة من الأوراق والأقلام.
الكتابة الحقيقية تقع في قلب المكان، وبين الناس، وتقع تحديداً بالقرب من الظلال، كأن الظل هو روح الحجر، وروح الشجر.
في (نحوة)، وفي غيرها من جبال وقرى وقلاع وكهوف وموانئ وشواطئ وأودية وواحات وأفلاج وفرجان قديمة وتراب قديم.. تكتشف بكرية الأمكنة، وعندها لا خيار لك غير الكتابة.. لا خيار لك غير بكرية الكتابة.
يوسف أبولوز