يوسف أبو لوز
في التركيبة الثقافية والنفسية للشاعر محمد الفيتوري أكثر من فيتوري، فهو إسكندراني، إذا أردت القول من أب سوداني وأمّ مصرية، وهو الشاعر السوداني الذي غنّى للحرية والحب والكرامة البشرية، وهو الشاعر الذي حمل الجنسية اللّيبية إن لم يكن له أصلاً جذوره اللّيبية وهو شاعر إفريقيا العربي الذي جعل من القارّة السوداء أغنية ملوّنة، وهو أيضاً، رافد شعري آخر من روافد النيل الشعرية.. النهر الذي ينمو على ضفتيه الشعراء كما ينمو الصفصاف والدفلى وشجر الخابور.
إفريقيا العربية، اليوم، من الجزائر إلى تونس إلى ليبيا إلى السودان تبدو بلا شعراء وهي في مخاضاتها الشعبية التحوّلية، ولكن هذا القوس الإفريقي يحتفظ بقلائد شعرية قديمة: مفدي زكريا، مالك حدّاد، محمد الطوبي، الأخضر الإبراهيمي، محمد ديب وغيرهم من الجزائر، وأبو القاسم الشابي، والمنصف الوهايبي، ويوسف رزوقة والمنصف المزغني، ومحمد الغزّي، ومحمد الصغير أولاد أحمد وجميلة الماجري وغيرهم من تونس الخضراء أيضاً بالشعر وليس بشجر الزيتون فقط، فهذا كما يقولون غيض من فيض الشعر التونسي المولود في بلد يحب أهله الشعر كما يحبون الياسمين.
وفي ليبيا عشرات بل مئات الشعراء أيضاً: علي الأحمر، حسن السوسي، محمد القشاط وآخرون غطى عليهم ظل ملك الملوك الإفريقي ذي الثياب المهرجانية، وفي السودان أيضاً صف آخر من صنّاع ديوان العرب بالحبر والقلم والقلب: محمد أحمد محجوب، محمد عمر البنّا، التجاني يوسف بشير، وغيرهم من شعراء البلد الذي عرف أهله بالطيبة والسماحة ونقاوة الرّوح.
الحدث العربي السياسي اليوم حدثان: جزائري، وسوداني، والقارئ الذي ينأى بنفسه عن عنكبوتات السياسة وتلاوينها ومفاجآتها يأخذه الحدث السياسي إلى رموز الثقافة والفن والأدب والعلوم والمعرفة والفكر في البلد موضوع الحدث، واليوم كم من السودانيين تلوح في ذاكراتهم صورة محمد الفيتوري الإفريقية سواء الإفريقية القارّية، أو الإفريقية العربية:.. ومن أغاني إفريقيا للفيتوري:
«أنا زنجيٌّ،
وإفريقيتي لي لا للأجنبي المعتدي
..أنا فلاّحٌ ولي أرضي التي شربت ولي حرّيتي
وهي أغلى ثروة من ولدي، أنا حرٌّ
مستقلّ البلدِ، وسأبقى مستقل البَلَدِ
هنا هُنا واريتُ أجدادي هنا، وَهُمُ
اختاروا ثراها كفناً، وسأقضي أنا من بعد أبي..
وستبقى أرض إفريقيا لنا..
فهي ما كانت لقومٍ غيرها، نحنُ أهرقنا
عليها دَمَنا.. ومزجنا بثراها.. عظمنا..».