استحقاق الحوار بين واشنطن وطهران

03:54 صباحا
قراءة 4 دقائق

رسالة التهنئة التي بثها الرئيس الأمريكي أوباما، لمناسبة عيد النيروز الفارسي (رأس السنة الفارسية)، إلى الجمهورية الإسلامية وإلى عموم الإيرانيين، تحمل مؤشراً إيجابياً إلى أن الرئيس بصدد احترام تعهدات حملته الانتخابية. الرسالة بثت الجمعة الماضية 20 مارس/آذار الجاري، وقد جرت العادة مع الرئيس السابق بوش، على توجيه التهاني للإيرانيين من دون زعمائهم. خلافاً لذلك خاطب أوباما القادة الإيرانيين، لكن من دون توجيه الخطاب لمسؤول بالذات كالمرشد خامئني أو رئيس الجمهورية أحمدي نجاد، وربما كان ذلك افضل مادام الامر يتعلق بخطاب متلفز لا برسالة. يذكر ان العلاقات الدبلوماسية مقطوعة بين البلدين منذ العام 1980 بعد عام على قيام الثورة وانهيار نظام الشاه.

عرض أوباما في خطابه التوجه الى حل شامل ينهي نزاعاً استمر منذ ثلاثين عاماً وعرض مستقبلاً يتم فيه تجاوز الخلاف، وذلك عبر حوار نزيه يرتكز على الاحترام المتبادل. سبق لمسؤولين أمريكيين أن استخدموا لغة دبلوماسية مداهنة، غير أن خطاب أوباما يحمل بالفعل نبرة احترام تتعدى اللياقات. هو ما حمل احد مستشاري نجاد على لترحيب بالخطاب، فيما نأى المرشد والرئيس عن إبداء تعليق فوري على الخطاب.مع ملاحظة أن خطاب المرشد في اليوم نفسه (الجمعة الماضية) حافظ على وتيرة التشدد في الخطاب الرسمي، حيث قال بين ما قاله إن الدول الكبرى باتت مقتنعة بأنها لن تستطيع وقف تقدم إيران النووي وقد يمكن وصف هذه النبرة وفحوى الخطاب، بأنها تشي بتصعيد لا مجرد التشدد. على أنه إذا احتسب المرء بأن التفاوض الإيراني الأمريكي بات مرتقباً، فإنه يمكن تبعاً لذلك ومن هذه الزاوية، اعتبار أن هناك غايات ومناورات تفاوضية في موقف المرشد هذه المرة، رغم ان خطاباته تتسم عادة بالتصلب.

والراجح ان انتقال واشنطن من تسمية ايران بمحور شر، ومن سياسة الاحتواء الذي كان مزدوجاً ويشمل العراق في الماضي، الى الحوار النزيه المرتكز على الاحترام المتبادل، سوف يكون في حال تحققه دون استباق للأمور ولكن وفقاً للتقديرات المنطقية أحد أهم التطورات الكونية للعام الجاري. فمما لا ريب فيه أن النزاع بين الدولة الإقليمية الكبيرة والدولة العظمى، يشكل احد اهم مصادر التوتر في مطقتنا وفي العالم، ومن دون التقليل من حجم وأثر الخلافات الروسية الأمريكية، ومن تغول الاحتلال الاسرائيلي البغيض للأراضي العربية المحتلة.

وبالنظر الى أن المشكلات متشابكة، فتل أبيب تحظى بدعم غير نزيه ومتصل من واشنطن لمواصلة احتلالها، وطهران تنسج علاقات وثيقة مع بكين وموسكو، أما الإرهاب فيتغذى على الإرهاب الرسمي للدولة العبرية، كما على عسكرة السياسة الخارجية الامريكية، بالنظر الى ما تقدم فإن حواراً مثمراً بين طهران وفريق أوباما، من شأنه أن يقود وجوباً وكي يكون مثمراً حقاً، الى مقاربة أمريكية جديدة لهذه المعضلات، وبما يسمح بإمكانية رؤية تموضع إيراني جديد.

من دواعي التفاؤل على سبيل المثال، أن تتمسك الإدارة الديمقراطية في واشنطن، بخيار الحوار مع طهران، على الضد من الغطرسة الصهيونية التي لا يتورع أصحابها عن محاولة تأليب واشنطن على خوض مواجهة مع طهران، أو السعي لمنح تل أبيب ضوءاً أخضر وتسهيلات لشن عدوان على الجمهورية الإسلامية، على خلفية الملف النووي للأخيرة. ومما يثير العجب أن تنتظر تل أبيب من واشنطن موافقة على تصعيد خطير في المنطقة، فيما إدارة بوش (وهي ما كانت عليه من غلو وجموح) كانت امتنعت عن الانزلاق الى هذا المنحدر، في ضوء خسائرها في العراق وأفغانستان، فكيف الآن وإدارة أوباما تمتلك استراتيجية خروج من العراق، وسيناريو حوار مع طالبان في أفغانستان؟

لذلك لم يبتعد عن الصواب من دعا إلى مراقبة ردود فعل تل أبيب، وبالمستوى نفسه من الأهمية، لرصد ردود الفعل الإيرانية على اليد الأمريكية الممدودة للحوار. ذلك أن التحالف غير المقدس بين واشنطن وتل أبيب، سوف يتأثر أولاً وحُكماً.. وإن ببطء وبالتدريج، في حال إقلاع حوار أمريكي إيراني جدي. وسوف تمتد التأثيرات الى غير موضع وصعيد: الى الحراك الانتخابي الرئاسي في إيران، الى الموقف الأيديولوجي في طهران من مبدأ التسويات شرق الأوسطية، الى انفراج في علاقات واشنطن مع دمشق (وثمة حوار غير مباشر بين العاصمتين، سبق التطور الأخير في موقف أوباما حيال ايران)، الى الحوار الفلسطيني حول حكومة وحدة وطنية، الى التطورات الداخلية في العراق، والى ما يتعدى ذلك من قضايا رئيسية وفرعية بلا حصر في منطقتنا وفي العالم.

ليس مطلوباً بالطبع المسارعة في ابداء التفاؤل، فالهوة بين الجانبين شاسعة وعميقة، وقد نشأ الرأي العام في الجانبين على منطق العداء وثقافة القطيعة، وبما لا يقل حدة عن أجواء الحرب الكونية الباردة بين القطبين، في النصف الثاني من القرن العشرين. غير ان ذلك الصراع الدولي تمتع ببعض الضوابط مثل حدود امتلاك الاسلحة النووية وأهمية خفضها وضرورة عدم تمكين أطر جديدة من امتلاك تلك الأسلحة. عليه ترغب طهران كما هو بادٍ، في أن يتم الاعتراف بها كقوة إقليمية كبرى، وأن يكون أمر امتلاك القوة النووية حقاً من حقوقها، كما هو الحال مع الاعتراف بالملف النووي الاسرائيلي كأمر واقع. امام ذلك من واجب الجانب العربي التمسك بموقف جوهري وبسيط قوامه: إخلاء منطقتنا من أسلحة الدمار الشامل. ففي ذلك امتحان لنوايا الجميع.

عن الكاتب

كاتب ومعلق سياسي، قاص وروائي أردني-فلسطيني، يقيم في عمّان وقد أمضى شطرا من حياته في بيروت والكويت، مزاولاً مهنة الصحافة. ترجمت مختارات من قصصه إلى البلغارية والإيطالية والإنجليزية والفرنسية

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"