استعادة الروح الغائبة

03:48 صباحا
قراءة 4 دقائق

فسر معلقون التوافق الفلسطيني الذي تم برعاية مصرية حثيثة الأربعاء 25 فبراير/ شباط الماضي، على أنه في أحد جوانبه المهمة، يمهد الطريق نحو عقد القمة العربية الدورية في الثامن والعشرين من مارس/ آذار الجاري في الدوحة، في ظروف ملائمة، وذلك صحيح إذا ما تم عطف هذا التطور، على بدء ذوبان الجليد بين الرياض ودمشق (وإن في ذروة فصل الشتاء..).

غير أنه من المهم في هذه الظروف، عدم المسارعة في رسم سيناريوهات وردية. فمن المشكوك فيه قياسا الى الخبرة المتأتية من مراقبة التنازع على التمثيل، أن ينجح الجانب الفلسطيني في تشكيل حكومة جديدة، متفق عليها بين سائر الأطراف خلال أربعة أسابيع، ويتمثل فيها أعضاء في الوفد الذي يشارك في القمة. وإن كان المرء يتمنى أن تخيب توقعاته المتشائمة في هذا الخصوص.

مسؤولون مصريون بينهم الوزير أحمد أبو الغيط، أثنوا على دور دمشق في تسهيل الحوار هذه المرة بين الفرقاء الفلسطينيين في القاهرة. غير أن العلاقات السورية المصرية ما زالت وحتى تاريخ كتابة هذا المقال، تشهد جموداً. كسر هذا الجمود شرط لا غنى عنه، لعقد القمة العادية في ظروف طبيعية، علماً بأن العلاقات بين القاهرة والدوحة التي تستضيف القمة (حسب التسلسل الأبجدي للعواصم العربية) لم تعد الى طبيعتها أيضاً، وكانت شهدت تأزماً على إيقاع الحرب على غزة، والافتراق بين العاصمتين حول سبل التعامل مع هذا التحدي.

والراجح أن الأسابيع الثلاثة المقبلة سوف تشهد تحركاً مكثفاً، لتطويق هذه الخلافات وأن فرص نجاح هذا التحرك ليست ضئيلة.

لذا فإن الجهود تتجه حتى تاريخه لضمان انعقاد القمة، كما حدث في مرات سابقة، وليس لضمان نجاحها وفاعليتها.وهذه هي المشكلة التي ما فتئت تواكب هذه المناسبة. إذ إن الخلافات والتباينات تطفو على السطح مع اقتراب هذا الاستحقاق، فتتجه الأنظار الى تذليل العقبات أمامه، بدل تسخير الجهود للارتقاء بأداء القمم ورفع مستوى فاعليتها. ويُخشى أن يكون هذا هو حال القمة المقبلة، وقبل ذلك هذا هو حال الأداء السياسي الرسمي. ففي وقت يتعاظم فيه التحدي الصهيوني ويتنافس أهل اليمين في تل أبيب على التطرف مع اختلاف في الصيغ والنبرات لا السياسات ما بينهم، وفي وقت يتبجح فيه عنصري مثل افيغدور ليبرمان بأن العواصم العربية سوف ترحب بتعيينه وزيراً للخارجية في حكومة نتنياهو المنتظرة، فإن القمة العربية المقبلة مدعوة للاستجابة لهذا التحدي، عن غير طريق ترديد المبادىء العامة وتوجيه الدعوات للمجتمع الدولي للتحرك.. أو تشكيل وفد وزاري للقيام بجولات، وسوى ذلك من إجراءات روتينية وتقليدية.

من المهم التوافق قبل التئام القمة على رؤى بديلة، تتم من خلال تطبيقها، استعادة زمام المبادرة،علماً بأن المبادرة حتى الآن هي بأيدي المتطرفين ومجرمي الحرب، الذين ما إن أوقفوا حربهم على المنازل وساكنيها في قطاع غزة، حتى سارعوا للاستعداد لهدم 88 منزلاً في ضواحي القدس (بلدة سلوان).أما المبادرة السلمية العربية التي مضى عليها سبع سنوات فهم غير معنيين بها، سواء ظلت قيد التداول أم جرى التلويح بسحبها.

كي يكون للتحضيرات للقمة معنى وفائدة، لا بد من التوافق على تحميل الإدارة الأمريكية السابقة، وزر تعزيز الاحتلال وتشجيع التوسع وإغلاق الطريق أمام السلام، وتحذير إدارة أوباما من تكرار هذه الأخطاء المهلكة، أو الاستعاضة عنها بجمود وتسويف يتيح للمحتلين شراء المزيد من الوقت والمضي في خططهم التوسعية.

وفي سياق التوافق حول رؤى بديلة لا بد من الالتقاء مسبقاً قبل عقد القمة، على مد يد الصداقة نحو الجار الإيراني وإبداء الرغبة في تطوير العلاقة معه في سائر المجالات، على أن لا يتم استخدام منطقتنا كساحة نفوذ له، وأن لا يجري التعامل مع هذه المنطقة وكأنها تشكو من فراغ سياسي يبحث عن من يملؤه. التفوهات حول مملكة البحرين هي نموذج يضاف الى شواهد سابقة، عن النظر الى منطقتنا كمسرح جاهز لاستقبال التدخلات ومد النفوذ. ولا يكفي في هذا المجال إدانة تدخلات أجنبية (غربية) في شؤون المنطقة، إذ يتعين البرهنة خلال ذلك على عدم السعي لإحلال نفوذ خارجي محل النفوذ الغربي، الذي تتم الشكوى منه.

يتساءل المرء في هذا المقام: لماذا لا تنشأ هيئة أو لجنة عربية، يناط بها إدارة حوار ممتد مع الجار الإيراني ويتناول هذا الحوار نقاط الخلاف المستعصي، بدل الاكتفاء بعلاقات ثنائية تشهد المد والجزر؟ لقد تم تشكيل مثل هذه اللجنة سابقاً على مستوى خليجي، ولم تحقق الأهداف المتوخاة خليجياً وعربياً. بالإمكان الاستفادة من تلك التجربة، لإثبات حسن النوايا مجدداً تجاه الجار المسلم، ووضع الطرفين العربي والإيراني عند مسؤولياته.

وفي سياق التحضير للقمة، فمن المفيد السعي لإدامة وتقنين زخم التحسن في العلاقات مع الجار الآخر وهو تركيا، علماً بأن شطراً من الرأي العام والقوى النافذة في ذلك البلد الجار ليس متحمساً لتحسين علاقات أنقرة مع العرب، ما يملي أخذ هذا الواقع في الاعتبار، واتخاذ ما يلزم من سياسات يتيقن معها الرأي العام التركي بمختلف تلاوينه أن المصلحة الاستراتيجية لبلاد أتاتورك، تكمن في الاقتراب من العالم العربي، والابتعاد عن الدولة العبرية.

وهكذا مع التهليل للمصالحات العربية والتفاؤل بها،فإن التحدي يكمن بعدئذ في إعادة الروح والدينامية للحياة السياسية العربية، وحتى لا يظل بعض المسؤولين العرب شأنهم شأن الشعوب، يكتفون بالتذمر والشكوى مما آلت اليه الاحوال.

عن الكاتب

كاتب ومعلق سياسي، قاص وروائي أردني-فلسطيني، يقيم في عمّان وقد أمضى شطرا من حياته في بيروت والكويت، مزاولاً مهنة الصحافة. ترجمت مختارات من قصصه إلى البلغارية والإيطالية والإنجليزية والفرنسية

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"