الأوروبيون يتطوعون للدفاع عن الوحدة المغاربية

01:44 صباحا
قراءة 4 دقائق
احتضنت العاصمة المغربية الرباط في الحادي والعشرين من يناير/ كانون الثاني الجاري، اجتماع وزراء خارجية مجموعة 5+5 في دورته السادسة. وتضم المجموعة المذكورة كلاً من إيطاليا وفرنسا وإسبانيا والبرتغال ومالطا عن الجانب الأوروبي إضافة إلى موريتانيا والمغرب والجزائر وتونس وليبيا.وإذا كان الأوروبيون قد حددوا القضايا الكبرى التي تستدعي الحوار والتنسيق والتعاون مع جيرانهم الجنوبيين، وحصروا هذه القضايا في مواضيع تتعلق بالاحتباس الحراري، وبالمنافسة التي تشكلها الاقتصادات الجديدة الناهضة مثل الاقتصادات الآسيوية، وبالهجرة السرية، وبالإرهاب والتطرف، فإنهم أولوا الاهتمام الأكبر للقضيتين الأخيرتين، وتحدثوا بصوت موحد هو صوت الاتحاد الأوروبي. في حين واصل جيرانهم المغاربيون الحديث بأصوات منفردة لأن اتحاد المغرب العربي الذي أسسوه منذ تسعة عشر عاما أصابه الشلل في السنوات الأولى من عمره، وفشلت حتى الآن كافة المحاولات التي استهدفت تفعيله.ولم يقف أمر الأوروبيين في اجتماع الرباط سالف الذكر، عند توحيد حديثهم ومواقفهم من قضايا الاهتمام المشترك مع نظرائهم المغاربيين، بل نابوا عن هؤلاء الأخيرين، وعن الشعوب المغاربية خاصة، حينما كرسوا الحضور الرمزي لاتحاد المغرب العربي من خلال حضور أمينه العام في اجتماع الرباط مقابل حضور ممثلة المفوضية الأوروبية، وذلك باعتبارهما ملاحظين. وحينما أكدوا بصوت مرتفع اعتبار اتحاد المغرب العربي قضية مستعجلة وضرورة ملحة.وفي الوقت الذي التزم فيه المغاربيون الصمت عن الخسائر الفادحة الاقتصادية والسياسية، التي يتكبدونها بسبب تغييب العمل التوحيدي للاتحاد المغاربي، لم يتردد وزير الخارجية الإسباني، باسم زملائه، في الجهر بما يسببه لهم تأخر قطار الاتحاد المغاربي المذكور من تكلفة ثقيلة وكبيرة.وعلى الرغم من أهمية الدورة السادسة لاجتماع وزراء خارجية مجموعة 5+5 في الحوار والتشاور بين ضفتي غرب المتوسط الشمالية والجنوبية، فإن القرارات والاتفاقات لن تأخذ طابعاً جماعياً بسبب وضعية الشلل التي يستقر فيها اتحاد المغرب العربي، ونظراً إلى ذلك ستتجه كل دولة مغاربية على حدة الى الاتفاقات المنفردة مع الاتحاد الأوروبي، أو مع إحدى دوله.وبعد أن انتشر الحديث داخل اجتماع الرباط وخارجه عن اتحاد المغرب العربي بفضل الأوروبيين، تجرأ وزير خارجية ليبيا، وأشار من جهة أولى إلى الدور المعرقل الذي يلعبه الخلاف حول الصحراء الغربية، وأشار من جهة ثانية إلى أهمية اعتماد منهجية العمل بما هو متفق عليه، وترك القضايا الخلافية جانباً إلى أن تتوافر إمكانات معالجتها وحلها.وفي إشارته الثانية، يعيد وزير الخارجية الليبي إلى الواجهة موضوعاً أثار جدلاً واسعاً، ولم يفلح في إعادة تفعيل الاتحاد المغاربي. ويتعلق الموضوع بوضع الخلاف بين المغرب والجزائر حول مشكلة الصحراء المغربية على الرف، وبإطلاق دينامية التعاون بينهما وبين بقية دول اتحاد المغرب العربي في القضايا والمجالات الأخرى، التي ليست موضوع خلاف.ولقد رفضت الرباط هذا النهج رفضاً باتاً، واعتبرت أن المس بما تعتبر وحدتها الترابية أمر مناقض لنص وروح اتفاقية مراكش المؤسسة لاتحاد المغرب العربي. ولا تنص الاتفاقية المذكورة على الالتزام باحترام الوحدة الترابية للدول الأعضاء فقط، بل تنص كذلك على تحريم تقديم أي دعم للقوى المناهضة لأية دولة عضو في الاتحاد.وكان وزير خارجية المغرب في نهاية سنة 1994 قد وجه رسالة إلى الرئيس الدوري للاتحاد المغاربي يومئذ، الرئيس التونسي زين العابدين بن علي، يدعوه إلى تجميد عمل الاتحاد إلى حين اتضاح مواقف أعضائه. وجاءت الرسالة المغربية اثر رسالة جزائرية إلى الأمين العام للأمم المتحدة تتعلق بنزاع الصحراء الغربية اعتبرتها الرباط تدخلاً جزائرياً سافراً في النزاع الصحراوي، وخرقاً لاتفاقية مراكش.وتعرض الموقف المغربي لانتقادات قوية كان من أهمها أن الاتحاد المغاربي قام ونزاع الصحراء الغربية جار، وجبهة البوليساريو تتخذ من ولاية تندوف الجزائرية قاعدة خلفية لها في صراعها العسكري مع المغرب. فلماذا تساهلت الرباط حينئذ، مع المس بوحدتها الترابية؟ ولماذا تحمست للعمل الوحدوي مع جارتها الجزائر وبقية شريكاتها في الاتحاد رغم وجود الخلاف حول الصحراء الغربية؟ولكن المتابعين الموضوعيين للخلاف المغربي الجزائري وعلاقته باتحاد المغرب العربي يذكرون جيداً أن قيام هذا الاتحاد في بداية سنة ،1989 بعد التطبيع بين الجزائر والرباط في منتصف العام السابق، تم في سياق بحث جدي وجاد عن تسوية سلمية لنزاع الصحراء ساهمت فيها الجزائر يومئذ، بنصيب وافر. ويكفي ان نذكر في هذا المجال أن الاتفاق المبدئي بين المغرب وجبهة البوليساريو حول المخطط الأممي تم مباشرة بعد التطبيع المغربي - الجزائري، وأن الراحل الملك الحسن الثاني استقبل رسمياً وفداً من جبهة البوليساريو في بداية 1989 باقتراح من الرئيس الجزائري الأسبق الشاذلي بن جديد، وأن الأيام المجيدة والقصيرة في حياة اتحاد المغرب العربي ترافقت مع وقف إطلاق النار في الصحراء الغربية في سبتمبر/ أيلول من سنة ،1991 ومع حلول البعثة الأممية بالإقليم المذكور.أما الرسالة المغربية التي أرخت لشلل مؤسسات الاتحاد المغاربي، فقد تزامنت مع تغيير القيادة الجزائرية، ومع عودة الصراع بين الرباط والجزائر إلى احتداده السابق، وإذا كان الوضع الحالي للعلاقات المغربية الجزائرية لا يسمح للرباط، بغض البصر عن الموقف الجزائري الذي تجدد وتعزز بعد إقالة الرئيس بن جديد في بداية سنة ،1992 فإن ذلك لا يمنع قادة البلدين من العودة الى طريق الصواب، وبحث عناصر خلافهما انطلاقاً من نظرة تعتمد الواقعية وتغلب المصالح المستقبلية وتستهدف الحلول الوسطى الممكنة.وسبق للبلدين ان توصلا الى مثل هذه الحلول في الستينات القرن الماضي بعد أن وصلا إلى الصدام العسكري في خريف ،1963 بسبب المشكلة الحدودية.الروح الايجابية فرضت نفسها، وتعززت هذه الروح بالدعوة العامة الى تحويل مناطق النزاع بين المغاربيين إلى مناطق للتعاون والاستثمار المشترك لثرواتها.وإذا ما توفرت الإرادة، وساد العقل، وتغلبت المصالح المستقبلية الهائلة على الهدر الكبير الجاري، فإن الجزائر والرباط ستصلان إلى التوافق المطلوب لتسوية نزاع الصحراء الغربية، وخاصة بعد أن تقدم المغرب بمقترح اعتماد الحكم الذاتي للإقليم الصحراوي من قبل سكانه، وبعد ان حظي هذا المقترح بدعم دولي واسع.

عن الكاتب

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"