الاتفاق الفلسطيني والحاجة إلى الجدية

04:46 صباحا
قراءة 4 دقائق

أسوة بكثيرين فلسطينيين وعرباً ومناصرين، لم يصادف التوقيع على اتفاق المصالحة الفلسطينية لدى كاتب هذه السطور، كبير استبشار . بدا الحدث في القاهرة الأربعاء الماضي رغم استثنائيته، على قدر من البهوت والتكرار . صورة خالد مشعل ومحمود عباس واقفين يتجاذبان الحديث على نحو شبه ودي، لطالما رآها المرء من قبل على صفحات الصحف، ولطالما وقعت بعد التقاطها حوادث لا تسر الخاطر، وكيلت اتهامات متبادلة بين الطرفين، هنئ بها العدو الجاثم والمتربص، وكانت لها مفاعيلها المأساوية على حياة الناس .

ليس الغرض من تسطير هذا المقال بيع التشاؤم، فالسوق السياسية الفلسطينية متخمة بهذه البضاعة . وهناك مسيرات طافت في شوارع قطاع غزة والضفة الغربية مهللة مرحبة بهذه المناسبة، ومن الواجب احترام مشاعر هؤلاء، وعدم العودة بهم إلى مربع الإحباط .

المقصود هنا هو إبداء قدر من التحفظ على الاتفاق، بهدف تحصينه وإضفاء الجدية عليه، وذلك في ضوء أن صانعي الانقسام هم أنفسهم صانعو الاتفاق (أمراؤكم في الجاهلية أمراؤكم في الإسلام)، ما يجعل الحذر واجباً من وقوع أية انتكاسة . سبب آخر للتحفظ هو القناعة بأن اتفاقاً مبدئياً كالذي جرى، لم يكن يحتاج إلى تبديد كل ذلك الوقت من أجل التوصل إليه . ومع الثقة أيضاً أن التقدم في هذا الاتجاه حدث بصورة شبه اضطرارية وذرائعية، وأملاً ربما في الحد من الخسائر الفصائلية وتعظيم المكاسب الفئوية، وليس بالضرورة لسواد عيون الشعب والقضية . سبب آخر وليس أخيراً للتحفظ هو أن المصالحة تمت برعاية خارجية، بل بضغط خارجي مشكور، بما يدلل على أن أصحاب الشأن عاجزون عن التقدم إلى الأمام على طريق الوحدة الوطنية من تلقاء أنفسهم، ولنا أن نتخيل وقع الاتفاق واللقاءات لو أنها تمت على الأرض الفلسطينية في غزة ورام الله .

يضاف إلى ما تقدم تحفظ أساسي يكمن في غياب أية رؤية سياسية مشتركة بين الجانبين حماس وفتح . التعارض الأيديولوجي بين الفريقين لا يبرر غياب هذا الجهد . في مناسبات سابقة جرى التوصل إلى رؤية مشتركة وميثاقية . هذا النقص يترك الباب مفتوحاً للتباعد والخلافات السياسية، ما دامت ليست هناك أرضية مشتركة ولا سقف يستظل به الجميع . الرسالة السلبية هذه وصلت ومفادها أن لا إفادة من تجارب الشعوب الساعية إلى بناء جبهة وطنية عريضة .

بعد هذه التحفظات فإن المعول عليه أن تكسر الخطوات الإجرائية بتشكيل حكومة وإجراء انتخابات نيابية ورئاسية الجمود الخانق، وتفتح الآفاق أمام مشاركة شعبية واسعة لصياغة المستقبل السياسي، بعيداً عن هذه الثنائية التناحرية حماس/فتح التي اختزلت التمثيل الشعبي بصورة شبه قسرية، وشوّهت الأهداف الوطنية، حيث بات نيل المكاسب الفئوية بديلاً عن الإنجازات الوطنية المأمولة . لقد تمت إعادة الاعتبار إلى بقية المنظمات والفصائل عبر اشتراط موافقتها على تشكيل حكومة جديدة غير مسيسة ولا تتعاطى الملفات السياسية . وهي مفارقة على كل حال، أن تحظى حكومة غير سياسية برضا مسبق لمجموعات سياسية . والأصل في هذه الحالة أن تحظى حكومة كهذه، برضا الجمعيات والاتحادات والنقابات والبلديات وأجسام تمثيلية اجتماعية وشخصيات مستقلة، على أنه يبقى أمراً محموداً أن يرتدي الاتفاق طابعاً وطنياً يتعدى طرفي النزاع المأسورين بهوى السلطة، إلى المجموعات السياسية الأخرى بما فيها الشخصيات المستقلة في القطاع والضفة التي لعبت دوراً مشهوداً في وضع حد للانقسام، مع تحية واجبة في هذا السياق إلى الحركة الشبابية التي ضغطت في الشارع لإتمام المصالحة، ولقيت جراء ذلك قدراً ملحوظاً من العسف بحق أبنائها .

وعلى تواضع الاتفاق فإن الطريق لتنفيذه لن يكون سالكاً من تلقائه، فسوف يبذل الاحتلال كل ما تملك يمينه لإفشاله، عبر مختلف أشكال الضغوط ووضع العراقيل ونشر المزاعم حول مخاطر الاتفاق على السلام . علماً أن حماس ارتضت إقامة دولة مستقلة في الضفة والقطاع كهدف للكفاح .

مواجهة ذلك تتطلب تمكين الجمهور من الصمود واحترام خيارات الناس في اشتقاق الوسائل والأدوات الملائمة للكفاح الشعبي والمدني، بعيداً عن المصادرة السقيمة تحت عنوان منع قيام انتفاضة ثالثة، تحسباً لعسف دموي يرتكبه الاحتلال، وبعيداً عن النزعة الإرادية الفوقية بتوجيه الأوامر للناس بإشعال انتفاضة جديدة، وبصرف النظر عن مدى الاستعداد الذاتي والموضوعي لتحقيق هذه النقلة في ظرف محدد، وهو ما يستلزم فك الارتباط بين النسيج الاجتماعي ومراكز السلطة (الحزب الحاكم) في رام الله وغزة .

لقد أدت موجة التغييرات في العالم العربي إلى ظهور حركات شبابية مستقلة في الضفة والقطاع، وفي القناعة بأن هذه الحركات مع الشخصيات المستقلة وعموم الأجسام الاجتماعية هي التي يناط بها تجديد المشروع الوطني وحمل عبئه، وذلك في ضوء التقييدات الموضوعية والحسابات الفئوية الذاتية التي تنوء بها مراكز السلطة في رام الله وغزة، وهي في المحصلة الضامن لمنح اتفاق المصالحة مضموناً سياسياً وطنياً يتعدى نزع فتيل التوتر بين حماس وفتح .

عن الكاتب

كاتب ومعلق سياسي، قاص وروائي أردني-فلسطيني، يقيم في عمّان وقد أمضى شطرا من حياته في بيروت والكويت، مزاولاً مهنة الصحافة. ترجمت مختارات من قصصه إلى البلغارية والإيطالية والإنجليزية والفرنسية

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"