التنازع على السلطة في السودان

05:12 صباحا
قراءة 4 دقائق

هناك ما يميز الحياة السياسية الداخلية في بلد عربي لا يقع في بؤرة الأحداث الإقليمية هو السودان، ففي الأسابيع الأخيرة ارتفع اسمه بمناسبة مباراة كرة القدم على تصفيات المونديال بين مصر والجزائر التي جرت على ملعب المريخ في أم درمان . ونالت هذا البلد شظايا من الصراع الرياضي الدائر أمكن نزعها خلال أمد قصير . ونأت القوى السودانية على اختلافها، وحسناً فعلت، عن التفاعلات السياسية لذلك الحدث الرياضي . غير أن هذا الحدث الذي ما زالت بعض تداعياته جارية، غطى على تفاعلات داخلية تجري في السودان حول انتخابات تشريعية من المقرر أن تجرى في غضون نيسان/ ابريل من العام المقبل، علاوة على تحذيرات من الحركة الشعبية صاحبة سلطة الحكم الذاتي في الجنوب من نزوع الجنوبيين الى الانفصال بعد انتهاء المرحلة الانتقالية في العام ،2011 بسبب عدم التزام السلطات بالاتفاقيات الموقعة وبالذات ترسيم الحدود . أما في إقليم دارفور فكل شيء على حاله .

شنت المعارضة حملة واسعة على عملية تسجيل الناخبين، التي انتهت مع نهاية نوفمبر/تشرين الثاني، واعتبرت المعارضة أن اختيار ذلك الشهر لاختتام عملية التسجيل لا يدل على نوايا طيبة كونه شهر الحج والعيد والحصاد، كما ذكر الصادق المهدي في تصريحات صحافية . والأهم من ذلك أن قوى المعارضة الأساسية: حزب الأمة والمؤتمر الشعبي والحزب الشيوعي وحزب الاتحاد الوطني( الميرغني) والحركة الشعبية قد تناست خلافاتها السابقة وتوحدت في إطار مشترك . ومن اللافت أن الحركة الشعبية المشاركة في الحكم تقع في قلب ائتلاف المعارضة . ولا تستبعد هذه الحركة الدفع نحو خيار الانفصال عن الدولة المركزية، وتستخدم قوى المعارضة الأخرى هذا التلويح وسيلة ضغط على حكومة الخرطوم، من دون أن تدافع بصورة كافية وملحوظة عن مبدأ وحدة البلاد الذي يفترض أن يسمو على الخلافات الحزبية .

وواقع الحال أن المعارضة تتبنى خياراً ديمقراطياً حول التداول السلمي على السلطة، نظرياً على الأقل، وتضع ملاحظات وجيهة على مجرى العملية الانتخابية قبل البدء بها، لكن مواقفها وسلوكها حيال القضايا الكبيرة يبدو غائماً، وقد بدا كذلك في السنوات الأخيرة منذ تفجر قضية دارفور، وبدء ظهور الخلافات بين جناحي الحكم: المؤتمر الوطني بزعامة رئيس الدولة،والحركة الشعبية ممثلة بنائب الرئيس سيلفا كير .

مشكلة دارفور نشأت وتطورت وتفاقمت، من دون أن تسهم قوى المعارضة في وضع حد أو حل لها، لا من موقعها كتيارات معارضة يفترض أنها قريبة من فصائل التمرد الدارفورية، ولا من الموقع الوطني كقوى سودانية معنية بوحدة البلاد وحلول السلام وإشاعة الأمن والديمقراطية في ربوعها . لقد تطوعت وانبرت قوى إقليمية إفريقية ودولية عديدة للتعاطي المباشر المشروع وغير المشروع، مع هذه القضية المتفجرة، وظلت قوى المعارضة هي الغائب الأكبر، وتركت النظام يقلع شوكه بيده، مع تجاهل أن الشوك يدمي الجميع، وأن الجنوح الى استنزاف النظام عبر هذا الجرح المفتوح، يرتد بالسلب على الجميع . وإلا لماذا لا يضم إطار المعارضة الحزبية الفصائل الدارفورية مثلاً؟ .وما سر بقاء تلك الفصائل كياناً سياسياً ثالثاً، يضاف الى قوى الحكم والمعارضة؟ .

الأمر نفسه ينطبق على الوضع في الجنوب . فقوى المعارضة رغم افتراض وجود تباينات بينها، لا تجهر برأيها إن كانت مع انفصال ديمقراطي سلمي مثلاً ، أم مع وحدة البلاد في إطار دستوري راسخ، ذلك أن ما يحدو تحركاتها ومواقفها هو فقط استخدام هذه الورقة للضغط السياسي على النظام والسعي لإضعافه .

ليس في ما تقدم تنزيه للحكومة المركزية عن ارتكاب أخطاء، فمن يخطئ في التعامل مع صحفية ترتدي بنطلوناً محتشماً، فإنه عُرضة لاقتراف أخطاء أكبر في مسائل أكبر . غير أن بيت القصيد في الملاحظات السابقة يفيد أن صوت المعارضة يبدو واضحاً وحاراً في مسائل التنازع على الحكم والتداول على السلطة وما يتصل بها من حديث عن مرتكزات الديمقراطية، وليس في ذلك ما يضير هذه القوى، بل إنه يُحسب لها، لكن ما يُحسب عليها، هو أن خطابها السياسي والإعلامي الذي يصل إلى خارج الحدود، قلما يتناول قضايا مصيرية تتعلق بالسيادة والتمرد والحدود ووحدة البلاد والإسهام في حلها . كأن معالجة هذه القضايا متروكة للدولة وحدها، وربما بذريعة أنها قوى خارج الحكم وأن الجهات المسؤولة هي المسؤولة حكماً ووجوباً عن متطلبات السيادة، فإذا أفلحت كان به من دون أن تستحق الشكر على النهوض بواجباتها، وإن أخفقت يسهل استخدام هذا الإخفاق كورقة سياسية للضغط على النظام والطعن بشرعيته .

تلوّح المعارضة بمقاطعة الانتخابات المقبلة، وهو حق لها،شريطة أن توفر البديل في حال عدم الوفاء بهذا الاستحقاق الديمقراطي، ويتعين ألا ينحصر هذا البديل في تنظيم عملية التشارك في الحكم والسلطة، على الأهمية الكبرى لهذا الأمر على مستقبل البلاد والعباد، بل أن يشمل ذلك وضع حلول لقضية دارفور والجنوب واستغلال الثروة النفطية وسوى ذلك من قضايا وطنية .

عن الكاتب

كاتب ومعلق سياسي، قاص وروائي أردني-فلسطيني، يقيم في عمّان وقد أمضى شطرا من حياته في بيروت والكويت، مزاولاً مهنة الصحافة. ترجمت مختارات من قصصه إلى البلغارية والإيطالية والإنجليزية والفرنسية

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"