الحرب الأهلية كخيار لفاقد الشرعية

04:46 صباحا
قراءة 4 دقائق

سبق للرئيس اليمني أن حذر من حرب أهلية في بلاده، بدعوى أن اليمنيين يحوزون أسلحة وفيرة . تطورات الأيام العشرة الماضية تثبت أن التحذير في محله، ولكن من زاوية أن السلطة لن تتوانى عن بذر بذور هذه الحرب، ثم إشعالها من أجل إغراق الانتفاضة السلمية بالدم وطمس التطلع نحو التغيير .

شكلت قبيلة حاشد على الدوام سنداً وظهيراً قوياً للنظام بزعامتها القبلية، ثم بالزعامة الدينية السياسية المعقودة لآل الأحمر على رأس حزب الاصلاح . التحالف التاريخي المديد لم يمنع هذا التشكيل الاجتماعي السياسي من الانحياز للمحتجين بعد منح مهل طويلة للسلطة التي باتت تحقق بعض نجاح في حرف مسار الاحتجاجات وتصييرها صراعاً على السلطة داخل قبيلة حاشد التي ينتمي إليها الرئيس علي عبدالله صالح . والراجح أن الجهود سائرة باتجاه تأجيج نزاع أهلي داخلي حسب التحذير النبوءة للرئيس، وهكذا فإن التشبث بالسلطة مقروناً برفض تحمّل أي تبعات عن مظاهر الفساد والاستبداد، يدفع أصحابه إلى المجازفة بمصير الوطن، وحمل الشعب على دفع ثمن فادح لتطلعاته إلى التغيير التي بدأت ذات طابع إصلاحي ولم تلبث أمام عناد السلطة ومناوراتها، أن تحولت إلى هدف التغيير الشامل .

والآن فإنه تقع على عاتق المعارضة أن تبذل كل ما تملك وكل ما يسعها الجهد، لتطويق هذا الخطر المحدق، وتكريس الطابع السلمي للاحتجاجات، علماً أن تمرد قطاعات وقيادات عسكرية خلال الأسابيع الماضية لم يدفع نحو اللجوء إلى السلاح، رغم مغريات ذلك لمن يحوزون معدات وأسلحة غير خفيفة، وهذا يكشف عن الفرق بين دعاة التغيير المؤتمنين على حقن الدماء، وبين السلطة التي أزهقت المئات من الأرواح بدم بارد . ولعل جملة التطورات المقلقة هذه تدلل على أن السلطات لم تكن بعيدة في ما مضى عن تأجيج نزاعات مماثلة، ومن أهم شواهدها الوحدة الفوقية مع جنوب البلاد بالتطويع والإرغام، والاستيلاء على مقدرات الجنوبيين ليس لمصلحة أهل الشمال، بل لحساب حفنة من أهل السلطة وبعض هؤلاء ينتمون إلى الجنوب . وقد تراجعت على كل حال الدعوات إلى الانفصال والاستقلال على وقع الاحتجاجات العارمة التي أعادت طوعياً توحيد شطري الوطن، كما تراجعت المطالب الخاصة بالحوثيين الذين سرعان ما اندرجوا وانصهروا في البوتقة الوطنية العامة، والأهم من ذلك أن اللجوء إلى العنف المسلح قد توقف في الحالتين، فيما لم تتوانَ السلطة عن إشهار السلاح في وجوه أبناء شعبها .

والآن يراد لاستخدام السلاح أن يتسع ويتعمم، وأن يرتد الجميع إلى هوياتهم الأولى والفرعية المناطقية والقبلية والعائلية والطائفية، بدفع من السلطة وبتأليب منها، وذلك كعقاب جماعي على تطلعات التغيير، وبحيث تصبح العودة إلى الأمن والسكينة هدفاً غالياً قائماً بذاته، أياً كان الوضع السياسي القائم، ولن تتردد السلطة حينها في لعب دور الإطفائي، والاستجابة إلى استغاثات الشعب، وذلك بعد قيامها بإشعال الحرائق على أوسع نطاق .

وكما أن هناك دوراً وطنياً مسؤولاً ينتظر من المعارضة أن تؤديه، كذلك الأمر فإن الزعامة القبلية السياسية مدعوة لأداء الدور ذاته، وذلك بالتعاون والتنسيق بين سائر الأطراف الوطنية، لتشديد الحملة السياسية على الحكم، وتحييد الجيش كمقدمة لاجتذاب المزيد من قطاعاته إلى صفوف الداعين للتغيير، وعدم الانجراف وراء إغراء استخدام السلاح، وخاصة بعد تطورات يوم الجمعة الماضية التي بلغت حد استهداف القصر الجمهوري في صنعاء .

والمأمول ألا تنزلق الأحداث نحو خيار دموي لا عودة عنه، مع الإشارة إلى مسألة على جانب من الأهمية، هي أن الانتفاضة اليمنية نجحت في تجنب قيام أي تدخل أجنبي، وهو إنجاز كبير ومرد ذلك هو النجاح في تكريس الطابع السلمي للانتفاضة (أسوة بانتفاضتي تونس ومصر)، ما جعل لجوء السلطة إلى أعمال القتل الإجرامية خياراً معزولاً وفاقداً لأي غطاء أو تسويغ سياسي من أي نوع . خلافاً لمسار الانتفاضة الليبية، فالاستخدام الكثيف والفوري للسلاح على أوسع نطاق، وانشقاق المؤسسة السياسية الحاكمة في وقت مبكر، وتوسع سلطة القذافي وكتائبه في شن حرب على المدنيين والمرافق المدنية، جعل المواجهة المسلحة أمراً شبه محتوم، ونجح القذافي خلال ذلك في استدراج التدخل الأجنبي بغير قوات أجنبية، وذلك أملاً في تحشيد الليبيين وراء النظام ولرفض التدخل الغربي وإشعال نار حرب أهلية . والمهمة الباقية الآن في بلد عمر المختار هي تأمين انتقال السلطة إلى المجلس الانتقالي، والحؤول دون أية مفاعيل سياسية لاحقة للتدخل الأجنبي الجوي والصاروخي .

في بلد عربي آخر هو سوريا، فإن الأمل معقود في الحفاظ على الطابع السلمي للاحتجاجات، والتنبه لخطر استدراج بعض الفئات المحتجة إلى خيار العنف لتسويغ العنف الرسمي والتغطية عليه، مع ممارسة كل الضغوط السياسية المشروعة، لسحب الرخصة التي منحتها الأجهزة الأمنية لنفسها باستخدام التنكيل والقتل الجماعي من دون حسيب أو رقيب . ومن الواضح لكل ذي عينين أن العنف المنهجي والدموي، يقطع الطريق على كل حوار وحل سياسي، أما مقولة الإمارة الإسلامية والجماعات التكفيرية وتأليب فئات الشعب على بعضها، فلم تنطل حتى على الأطفال، ولذلك تعرض الطفل الشهيد حمزة الخطيب لما تعرض له من بربرية .

عن الكاتب

كاتب ومعلق سياسي، قاص وروائي أردني-فلسطيني، يقيم في عمّان وقد أمضى شطرا من حياته في بيروت والكويت، مزاولاً مهنة الصحافة. ترجمت مختارات من قصصه إلى البلغارية والإيطالية والإنجليزية والفرنسية

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"