الحرب الموضعية والحرب الشاملة

04:43 صباحا
قراءة 4 دقائق

منذ بداية مسيرة كامب ديفيد قبل أكثر من ثلاثة عقود، استقرت استراتيجية إسرائيلية قوامها السعي لمعاهدات سلام ثنائية مع دول عربية . غير أن الشق الآخر الذي لا يقل أهمية في هذه الاستراتيجية،يكمن في تفادي الحروب الشاملة مع هذه الدول، والاستعاضة عنها بحروب على ما تعتبره منظمات ارهابية .

لقد تعرض لبنان إلى حربين في العام 1982 والعام 2006 . في المرة الأولى كان عنوان الحرب من جهتهم هو استهداف منظمة التحرير التي كانت تتخذ قواعد لها في هذا البلد . وفي المرة الثانية جرى شن الحرب تحت عنوان استهداف حزب الله، وذلك بعد ست سنوات على الانسحاب من جنوب لبنان تحت ضغط مقاومة هذا الحزب .

ترمي هذه الاستراتيجية إلى بث رسائل إلى العالم وإلى الدول العربية، بأن هذه الدول غير مستهدفة بأي تحضيرات عسكرية من الكيان ضدها، بل على العكس فإن الهدف هو الوصول إلى اتفاقيات سلام معها . تستند هذه الرسالة إلى مقولة صهيونية بأن لا عداء بين العرب وإسرائيل، وأن الفلسطينيين هم من يصطنعون هذا العداء، ومع ذلك فإن تل أبيب مستعدة للتفاوض مع هؤلاء . وما على الدول سوى أن تتوقف عن إيواء إرهابيين ودعمهم، والدخول في مفاوضات حتى تجد سائر المشكلات حلولاً لها . في هذه الأثناء فإن دولة مثل لبنان تعرضت لأذى جسيم من الاستهداف الإسرائيلي . وقد جرى تصوير هذا الأذى الذي بلغ درجة احتلال العاصمة بيروت لأيام بأنه مجرد نتيجة عرضية لاستهداف مخربين .

في العام 2001 جرى استهداف شامل لمقرات السلطة الفلسطينية في الضفة الغربية المحتلة، التي ظلت في عرف الاحتلال أقرب إلى منظمة، وكان الهدف آنذاك هو منع تحول السلطة في المدى المتوسط إلى دولة والتنصل التام من استحقاقات اتفاقية اوسلو . وبعد سبع سنوات جرى استهداف حماس في قطاع غزة وتدمير القطاع في الأثناء .

وطيلة تلك الفترة نشطت الدبلوماسية في التقرب من الدول العربية، وأدى مؤتمر مدريد لمفاوضات مباشرة مع سوريا حتى أواخر القرن الماضي .

يجري التذكير بهذه الوقائع ومدلولاتها، في خضم التهديدات التي تعرضت لها دمشق وجرى الرد عليها من العاصمة السورية . خبرة العقود الثلاثة الماضية تدل على أن حرباً شاملة مستبعدة الوقوع، من دون أن تكون سوريا بمنأى تام عن التهديدات . فتل ابيب لا تتورع عن استهداف مواقع تفترضها لحماس أو قنوات إمداد لحزب الله على الأراضي السورية . يفيد ذلك في تأليب الغرب ضد منظمات، ثم ضد دمشق التي تؤويها، مع إشاعة انطباع مزعوم بأن البلد نفسه غير مستهدف بل مدعو للتفاوض لحل المشكلات القديمة معه .تصريح الوزير ليبرمان بدا خارج السياق الثابت، والرد عليه من طرف الوزير وليد المعلم بأن المدن الإسرائيلية لن تكون بمأمن، دفع نتنياهو ثم باراك للعودة إلى التذكير بالسيناريو الدائم: لا استهداف لسوريا ولا لأي دولة عربية، الهدف هو إجراء مفاوضات . والمفهوم أنها مفاوضات تستمر على مدى زمني مفتوح ويتواصل معها احتلال الجولان، ولم يكن من المصادفة أن يجري التوقيع الحكومي على توسيع الاستيطان في الهضبة السورية المحتلة، بالتزامن مع التهدئة التي جنح اليها نتنياهو .

وبحسب هذا السيناريو فإن لبنان هو الذي يظل في دائرة التهديد، وتحت العنوان نفسه استهداف حزب الله . وتهديد الحكومة ومن ورائها الدولة في هذا البلد يتم تحت العنوان نفسه . وهي حرب قابلة لأن تمر دولياً، خلافاً لحرب مع سوريا قد تجر إليها ايران وتفجر الوضع في العراق وتلهب معها مقاومة حزب الله وحماس .

الأفضل من ذلك بالنسبة لهم هو حرب موضعية في العنوان، لكنها عملياً تستهدف العمق اللبناني وأطرافاً جغرافية ومواقع حساسة من سوريا . وهي بالتالي تكاد تكون حرباً شاملة، لكن البراباغندا الصهيونية قد تنجح مرة أخرى في تصويرها على أنها حرب محدودة ذات أهداف ضيقة، مع دعوة لبنان وسوريا في الأثناء على وقع القصف والتدمير، لاستئناف التفاوض مع تل أبيب .

هذه المحاذير الداهمة تملي تحصين الوضع الدفاعي في البلدين وردم الفجوة بين المقاومة والدولة، وبث رسائل سياسية مجدداً بأن الاستعصاء في التوصل إلى تسوية جدية، هو الذي يوفر مناخاً وأسباباً لاستمرار نشاطات المقاومة، وأن تل أبيب ترفض في واقع الأمر مفاوضات ذات معنى، فالتفاوض يتطلب إقرار مرجعية له، وتحديده بسقف زمني، ووضع إشراف دولي عليه . مثل هذه المحددات التي تضمن نجاح التفاوض تسميها تل ابيب شروطاً مسبقة مرفوضة، غير أنها في واقع الحال ترمي لتحويل التفاوض إلى مجرد مباحثات وتبادل وجهات نظر . ولكل طرف حق التمسك بوجهة نظره، مع الاستعداد لمعاودة الكَرة مئات المرات! أي جعل المفاوضات أبدية والاحتلال أبدياً .

والمهم في النتيجة هو إحباط مخطط حرب موضعية، بالإفادة من دروس الحربين الأخيرتين على غزة ولبنان، بأن لا تظل تل أبيب مطلقة اليدين في شن الحروب الدورية، والتنصل من موجبات تسوية عادلة، والبرهنة على أن الأضرار الجسيمة التي تهدد هذه الدولة أو تلك، سوف تجد رداً مناسباً لها داخل العمق الإسرائيلي .

عن الكاتب

كاتب ومعلق سياسي، قاص وروائي أردني-فلسطيني، يقيم في عمّان وقد أمضى شطرا من حياته في بيروت والكويت، مزاولاً مهنة الصحافة. ترجمت مختارات من قصصه إلى البلغارية والإيطالية والإنجليزية والفرنسية

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"