الصلوات الانتخابية للكنيسة الإسبانية

01:41 صباحا
قراءة 4 دقائق
على الرغم من أن الحملة الانتخابية الرسمية لم تنطلق بعد في إسبانيا، فإن المعركة من أجل كسب الانتخابات التشريعية المقرر تنظيمها في التاسع من مارس/آذار المقبل قد تصاعد غبارها في إطار ما أصبح يسمى في هذه البلاد ب - ما قبل الحملة الانتخابية - ويحق للمتنافسين في هذا الإطار أن يعرضوا بضاعتهم الانتخابية بكافة مكوناتها المتعلقة بالبرامج وبالمترشحين، والمتعلقة بالردود والتعقيبات، وذلك شريطة الإمساك عن الدعوة إلى التصويت لفائدة هذا الفريق أو ذاك.ولا تتميز الانتخابات التشريعية الإسبانية بما قبل الحملة الانتخابية فحسب، بل تتميز بما هو أكثر لفتاً للانتباه، وبما يثير الاستغراب وخاصة عند المقارنة مع ما يجري في عدد من الدول الأوروبية المجاورة، ويتعلق الأمر بالتدخل القوي والمباشر للكنيسة الكاثوليكية الإسبانية في هذه الانتخابات، ووقوفها الواضح والصريح إلى جانب القوى اليمينية، سواء كانت هذه الأخيرة في الحكم أو في المعارضة، وانحيازها السافر ضد اليسار سواء كان هذا الأخير يخوض المنافسة الانتخابية من موقع الحاكم أو من موقع المعارض. ويبدو أن الدور التاريخي الكبير الذي لعبته الكنيسة الكاثوليكية الإسبانية في مقاومة الإسلام والمسلمين، وطرد هؤلاء الأخيرين من الأندلس، وكذلك الدور المماثل الذي لعبته هذه الكنيسة في دعم الحركة الفاشية التي قادها الجنرال فرانكو في ثلاثينات القرن المنصرم ضد الحكومة الجمهورية المنتخبة، وفي تعزيز النظام الديكتاتوري الذي أقامه الجنرال المذكور وفرضه على البلاد حتى وفاته سنة ،1975 مكنا تلك الكنيسة من توطيد مكانتها، ومن تكريس تدخلها في الحياة السياسية والاجتماعية للبلاد، وفي فرض توجهاتها في مجالات التربية والتعليم، وتحصيل موارد مالية عمومية هائلة. ولقد استفادت الكنيسة الإسبانية كثيراً من التأخر الكبير الذي عانى منه الانتقال الإسباني نحو الديمقراطية مقارنة بالعديد من دول أوروبا الغربية. وحتى بعد وفاة الديكتاتور فرانكو وجدت النخبة السياسية الإسبانية نفسها مضطرة إلى اعتماد توافق تجنب الحسم في العديد من القضايا الحساسة مثل إعادة النظر في الحرب الأهلية وضحاياها، والموقف من النظام الديكتاتوري المنهار وعواقبه.ولا تزال إسبانيا إلى اليوم متأخرة عن المستوى الذي بلغته العديد من شريكاتها في الاتحاد الأوروبي في مجال فصل الكنيسة عن الدولة، والحد من تدخل الأولى في الشأن السياسي العام، وذلك على الرغم من القوانين الإصلاحية المهمة التي تم إقرارها تدريجياً على صعيد إعادة تنظيم الحياة الاجتماعية. ولكن ما يتعين تسجيله هو الوتيرة المتنامية للإصلاحات الاجتماعية والتربوية التي تم اعتمادها في السنوات القليلة الأخيرة التي استعاد خلالها الحزب الاشتراكي العمالي السلطة الحكومية المركزية. وهكذا، فبالإضافة إلى تعزيز المساواة بين الجنسين، والسماح بالإجهاض المشروط، والاعتراف بزواج المثليين، تضمن القانون المدرسي الجديد المصادق عليه سنة ،2006 إصلاحاً تربوياً مهماً حمل اسم التربية المدنية.ويتضمن درس التربية المدنية الإجباري الموجه إلى تلامذة الإعدادي العمومي مواضيع وقضايا تتعلق بعمل مؤسسات الدولة، وبالمساواة بين المواطنين وبين الجنسين، وبمحاربة الأحكام المسبقة العنصرية والدينية والجنسية، وبتثمين التعدد الثقافي، وبالحث على الاستهلاك المسؤول. ولقد أثارت التربية المدنية غيظ الأوساط الأكثر رجعية في الكنيسة الإسبانية. واستنكر بعض رموز هذه الأوساط ما اعتبروه تدخلاً غير مقبول للدولة في التربية الأخلاقية، وحرضوا الآباء على رفض تلقين هذه المادة لأبنائهم، واعتبروا القبول بذلك تعاوناً مع الشر.وعلى الرغم من أن الكنيسة الإسبانية اعتادت على معارضة اليسار في الانتخابات التشريعية، وعلى الرغم كذلك، من أنها اعترضت بقوة شديدة على كافة القوانين المتعلقة بالأسرة والتربية التي صادق عليها البرلمان في عهد الحكومة الاشتراكية، فإن الكنيسة المذكورة ذهبت هذه المرة، بعيداً في مواجهة اليسار، وبادرت في الحادي والثلاثين من الشهر المنصرم، إلى إصدار مذكرة توجيهية للناخبين تحت عنوان مذكرة اللجنة الدائمة للندوة الأسقفية الإسبانية قبل الانتخابات ودعت المذكرة المشار إليها إلى مواجهة القوانين الظالمة التي تتنافى مع الإيمان ومع مقتضيات الحياة المسيحية وتؤدي إلى تدمير الديمقراطية.ولم تقف الكنيسة الإسبانية عند هذا الحد، بل قامت بتشويش واسع ضد العمل غير المسبوق الذي قادته الحكومة بالمصادقة على قانون الذاكرة التاريخية، وبموجب هذا القانون تم إسقاط المحاكمات الفاشية، وأعيد الاعتبار لضحايا الحركة الفاشية، ومنهم خمسون ألفاً من الجمهوريين الذين تم إعدامهم، وأزيلت رموز العهد الديكتاتوري من المنشآت العمومية. ومقابل هذا القانون، ومن أجل التشويش عليه عملت الكنيسة الإسبانية برعاية بابا الفاتيكان على الاحتفاء بذكرى عدد من الرهبان الذين قتلوا من طرف الجمهوريين خلال الحرب الأهلية.وبذلك أعادت تلك الكنيسة إلى الأذهان الماضي الأسود لتعاونها مع الفاشيين، واستفزت الكثير من الإسبان عندما احتكرت صفة الشهداء لرجال الدين الذين قتلوا على يد الجمهوريين، ورفضت تلك الصفة للعديد من نظرائهم الذين قتلهم الفاشيون.وتجاوزت الكنيسة الإسبانية الكثير من الحدود حينما هاجمت الحكومة الاشتراكية على صعيد آخر ظل بعيداً عن تدخلها. ويتعلق الأمر بالموقف من حركة ايتا الباسكية الانفصالية والارهابية. وقال الناطق باسم الأسقفية الإسبانية إن مجتمعاً يريد أن يكون حرا وعادلا لا يمكنه أن يعترف ضمناً أو صراحة بمنظمة إرهابية (...) ولا يمكنه أن يعتبرها مخاطباً سياسياً.والمثير في الأمر أن استخدام ورقة ايتا ضد الحكومة الاشتراكية الإسبانية لم يعد يقوم على أساس بعد عودة هذه الحركة إلى الأعمال الإرهابية، وبعد أن تصدت لها الحكومة بكثير من الحزم والقوة والفاعلية. أما الأكثر إثارة في الموضوع فهو هذا الاكتشاف المتأخر للورقة الباسكية من قبل الكنيسة. وقد ذكرها الاشتراكيون بأنهم لم يكونوا الأولين في محاولة البحث مع ايتا عن مخرج سلمي يؤدي إلى إنهاء الإرهاب. وقد سبقهم إلى ذلك وزير أول يميني في نهاية سبعينات القرن المنصرم، كما سبقهم إلى ذلك أيضا الوزير الأول اليميني السابق خوسي ماريا أزنار سنة ،1999 بل إن هذا الأخير استعان بأحد الأساقفة كوسيط بينه وبين ايتا فأين كانت الكنيسة يومئذ؟وإذا كان موقف الكنيسة الإسبانية المنحاز إلى اليمين في الانتخابات التشريعية يثير كثيراً من المراقبين وخاصة منهم أولئك الذين اعتادوا على ابتعاد الكنيسة عن المعارك السياسية، فإن الاشتراكيين العماليين الإسبان يعرفون شعاب بلادهم جيدا، ويستخدمون هجوم الأساقفة المتشددين عليهم وسيلة ناجعة لتعبئة قواعدهم الانتخابية، ولاستنهاض هذه القواعد ضد الرجعية الزاحفة.

عن الكاتب

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"