في السابع عشر من يناير/كانون الثاني المنصرم بثت وكالة الصحافة الرسمية المغربية (وكالة المغرب العربي للأنباء) نص بيان يحمل عنوان مبادرة من أجل حركة لكل الديمقراطيين في المغرب. وقالت الوكالة المذكورة إن شخصيات عديدة وقعت البيان، ولكنها اكتفت بذكر عشرة أسماء لوزراء حاليين وسابقين، ولنشطاء يساريين وحقوقيين، إضافة إلى بعض التكنوقراطيين. وعلى الرغم من أن البيان سالف الذكر اكتفى بإعلان النيات الطيبة المتعلقة بالتمسك ب أسس الأمة، واعتماد الديمقراطية نهجا وعملا، ودعا كل الديمقراطيين بكل انتماءاتهم إلى التجاوب معه، فإنه أثار اهتماماً واسعاً عكسته وسائل الإعلام المغربية، الحزبية والمستقلة. ووجد هذا الاهتمام صدى له في بعض وسائل الإعلام الدولية. ولم يتجه الاهتمام المحلي والخارجي إلى مضمون بيان المبادرة ولا إلى الشخصيات التي وقعته. بقدر ما اتجه إلى أحد الأسماء التي دست بين الموقعين، ويتعلق الأمر بالوزير المنتدب السابق في الداخلية فؤاد عالي الهمة زميل الملك محمد السادس في الدراسة، واحد أصدقائه المقربين. وإذا كان أصحاب بيان المبادرة قد أكدوا في تصريحات عدة أنهم لا يريدون تأسيس حزب سياسي جديد، فإن الدينامية التي يتحركون بها، وتسميتهم لعدد من المنسقين على صعيد جهات البلاد، وانخراطهم في الإعداد اللوجيستي، وإعلانهم عن الإصدار القريب لوثيقة توجيهية، والالتحاق المتواصل للعديد من السياسيين والتكنوقراطيين ورجال الأعمال بهم، قد أثار حفيظة عدد من الأحزاب السياسية سواء منها المشاركة في الحكومة أو المتمترسة في المعارضة، وأثارت كذلك، العديد من متابعي الشأن السياسي المغربي، وتعددت الانطباعات والأحكام، وتناقضت وتصادمت أحيانا. وسواء تعلق الأمر ببعض ما ورد في بيان المبادرة أو في تصريحات أصحابه، فإن هنالك الكثير من الوقائع المعبرة عما يعيشه العمل السياسي في المغرب من أزمة عميقة خلال هذه المرحلة من تطور البلاد. ومن هذه الوقائع ما يتعلق بتقلص شعبية الأحزاب السياسية المنبثقة من الحركة الوطنية بعد مشاركتها في تحمل المسؤولية الحكومية منذ سنة ،1988 ومنها ما يتعلق باتساع مجال النفور من العمل السياسي والمشاركة السياسية لدى الجمهور الواسع ولدى النخبة المثقفة أيضاً. ومقابل هذا أو ذاك يتنامى نفوذ الحركة الأصولية وخاصة جناحها المتطرف. وإذا كانت مثل هذه الوقائع وغيرها تتطلب إنعاش العمل السياسي، وتجديد أساليبه، وتعزيز التعبئة الشعبية، وتحفيز النخبة المثقفة على الانخراط في مسيرة الإصلاح والتحديث. فإن السؤال الذي يطرح نفسه بقوة يتعلق بأهلية وقدرة أصحاب بيان المبادرة على تصدر مسيرة ذلك الإنعاش، ويتعلق قبل ذلك بصدقيتهم. وبعيداً عن المواقف الحزبية الجاهزة التي نظرت بعين الريبة والشك والرفض إلى البيان سالف الذكر وإلى أصحابه، فإن الأمر يتطلب بعض التذكير، وبعض التوضيح، ويتطلب إلى جانب هذا وذاك، تجنب الأحكام القطعية السلبية منها والايجابية، والاحتكام إلى ما ستسفر عنه التجربة على ارض الواقع. والحقيقة أن تصدر الوزير المنتدب السابق في الداخلية لمبادرة من أجل حركة لكل الديمقراطيين يقتضي التذكير بالدور الذي لعبته المؤسسة الملكية، في عهد الراحل الحسن الثاني، في التدخل في الشأن الحزبي من اجل مواجهة النفوذ الذي كانت تتمتع به الحركة الوطنية والأحزاب المنبثقة منها. ولقد عبأت المؤسسة المذكورة، في بداية ستينات القرن الماضي، شخصيات وتنظيمات سياسية بقيادة وزير الداخلية، يومئذ، وذلك في إطار جبهة الدفاع عن المؤسسات الدستورية ووضعت وسائل الدولة في خدمة تلك الجبهة، وجندت رجال السلطة لتأمين فوزها بأول انتخابات تشريعية في البلاد سنة ،1963 ولكن ذلك وغيره، لم ينفع في اقتلاع جذور الأحزاب الوطنية. وإذا كان قد أدى إلى شيء فانه أدى إلى حرمان البلاد من خدمات قادة محنكين، وأدى إلى ضرب استقرارها السياسي والاجتماعي، وأدى إلى عزلها على المستوى الدولي وخاصة في ما كان يدعى العالم الثالث. وعندما احتاج المغرب إلى تعبئة شعبه داخلياً وإسماع صوته خارجياً في معركة الصحراء، خلال سبعينات القرن الماضي، لم يجد الملك الحسن الثاني بدا من الانفتاح على القوى الوطنية، وتوسيع هامش الحركة في وجهها. ولكنه هذه المرة حاول الجمع بين أمرين: الانفتاح المراقب والمقيد على الأحزاب الوطنية، والاندفاع في تكوين الأحزاب الموالية بزعامة هذا الوزير الأول أو ذاك، وبدعم مباشر من وزير الداخلية الأسبق إدريس البصري. ولكن هذه التجربة فشلت هي الأخرى، واضطر الملك الحسن الثاني، في أوائل العقد الماضي إلى الاعتراف بأن المغرب سيعرف سكتة قلبية وناشد الأحزاب الوطنية لتحمل المسؤولية الحكومية، واستجابت هذه الأخيرة سنة ،1998 وساهمت بنصيب وافر في تحسين الصورة الخارجية للبلاد، وفي انجاز العديد من الورش الإصلاحية الكبرى، وساهمت، فوق هذا وذاك، في تحقيق انتقال سلس للسلطة العليا إلى الملك محمد السادس بعد وفاة والده في صيف 1999. ويحرص المدافعون عن مبادرة فؤاد عالي الهمة على رفض مقارنة ما يقوم به اليوم مع ما تم القيام به في عهد الراحل الحسن الثاني، مؤكدين على ما يعلنه العهد الجديد من التزام بالديمقراطية والحداثة، وعلى ما يميز الحاشية المحيطة بالملك محمد السادس، وفي مقدمتها عالي الهمة، عن حاشية والده التي كان يتصدرها إدريس البصري. ويضيف المدافعون عن المبادرة ما يعتقدونه حجة قوية على مصداقية الحركة لكل الديمقراطيين ويتعلق الأمر ببعض اليساريين الذين عانوا من الاعتقال السياسي، وبعض الحقوقيين الذين ابلوا في الدفاع عن حقوق الإنسان، والتحقوا اليوم بحركة عالي الهمة. وعلى الرغم مما في دفاع هؤلاء من بعض الحقيقة فإن ذلك لا ينفي عن المبادرة طابعها الفوقي، ومنطلقها السلطوي. ولا يمكن أن يخفي عدم انبثاقها من المجتمع وحركته المستقلة، أو أن ينكر اعتمادها على الوسائل العمومية. وفي السياق نفسه، يصعب الاستناد إلى التحاق بعض اليساريين السابقين بالمبادرة إلى إصدار حكم ايجابي مسبق لمصلحتها. وخاصة عندما نعلم أن هؤلاء اليساريين لم يفلحوا من خلال تنظيماتهم السياسية السابقة في تحقيق انتشار شعبي حقيقي. وعلاوة على ذلك فإن التجارب السابقة لتدخل الدولة في صنع المشهد الحزبي عرفت هي الأخرى التحاق قادة بارزين من المعارضة الوطنية، ولم يكن هذا الالتحاق شفيعا للأحزاب التي نعتت بالأحزاب الإدارية في التمتع بالمصداقية. وإذا كان كل ما سبق غير كاف لاعتبار مبادرة عالي المهمة ردة تهدد العمل الحزبي المغربي، فإن اعتبارها مشروعاً لإعادة الاعتبار إلى العمل السياسي يصطدم بالعديد من التحفظات ويحتاج من أصحاب المبادرة إلى ما يؤكد أهليتهم وصدقيتهم من الأفعال وليس من الأقوال.