الوقائع المنسية: حرب كل يوم

05:08 صباحا
قراءة 3 دقائق

إذا كانت الحرب الشاملة مستبعدة في هذه الآونة، دون أن تكون مستحيلة، فإن الحرب الموضعية المفتوحة ضد منظمات وحركات تحرر لا ضد دول، تظل هي الخيار الإسرائيلي المعتمد .

حتى عندما تغيب هذه، فإن ثمة حرباً أولية، قوامها المطاردات والاعتقالات والاغتيالات تظل حاضرة . اغتيال القائد في حماس محمود المبحوح في دبي، هو جزء من سلسلة إجراءات عسكرية لا تتوقف . هذه الحملات ذات الطابع العسكري، توفر لتل أبيب مكاسب خاصة، فهي لا تثير ردود فعل تذكر، حتى عندما تجري في الخارج . الاحتجاجات على اغتيال المبحوح انحصرت في احتجاج بُلدان على استخدام الفاعلين جوازات سفر مزورة . لا تتوقف تل أبيب عن ممارسة هذا النشاط الإجرامي، ولعلها قد نجحت في حمل العالم على تقبل هدا الأمر الواقع، فضلاً عن تحييده سياسياً، وفي حالات أخرى يجري تزيين هذه الممارسات على أنها جزء من الحملة على الإرهاب . تظهر أخبار عن اعتقال أعداد من أبناء الضفة الغربية كل بضعة أيام، ولا أحد يطالب تل أبيب بوضع تفسير لهذه الممارسات، أو الدعوة لإطلاق الموقوفين . وهناك من لاحظ أن حملة الاعتقالات الدورية والمنتظمة نشطت وتضاعفت بعد اختطاف الجندي شاليت، وذلك بهدف الإبقاء على عدد الأسرى على ما هو عليه، في حال تم الإفراج عن مئات من هؤلاء في أي صفقة تبادل .

يعجز الجانب الفلسطيني عن وضع هذه الممارسات المكشوفة في دائرة الضوء، والعمل على وقفها . وبعكس ذلك فقد توقفت المطالب بوقف هذه الممارسات . وهو لا شك إنجاز للطرف الآخر، الذي أصبح مطلق اليدين، في ممارسة كل أشكال التنكيل بما فيها الاغتيالات بدم بارد .

يكرر إيهود باراك أن لا حاجة لحرب جديدة، ويقصد بها حرباً شاملة، أما الحروب الموضعية والإجراءات العسكرية، فتمثل بالنسبة لهم نشاطاً أمنياً روتينياً حتى لو أدت إلى اعتقال وقتل وجرح العشرات بصورة دورية . وفي النتيجة توقف الجانب الفلسطيني والعربي عن التعامل مع هذه التطورات، وتلقى العالم رسالة ضمنية تفيد أن هذه الأنشطة تندرج ضمن الشؤون الداخلية للكيان الصهيوني .

وفرت هذه النشاطات الإجرامية، بيئة سياسية ونفسية انتصارية للعدو، وهو ما يفسر التقدم المطرد لليمين ونفوذه الكاسح على الجمهور، وكذلك التنصل من أية تسوية ذات معنى . والأهم من ذلك هو أن الخيار العسكري بمختلف أشكاله لا يسقط أبداً، وأن المبادرة تبقى بأيديهم في جميع الحالات، مع إنهاك المجتمع الفلسطيني ووضعه تحت ضغوط العقوبات الفردية والجماعية، المقصودة والعشوائية، علاوة على الحرب النفسية التي تفيد بأن الرازحين تحت الاحتلال يوفرون بيئة حاضنة للإرهاب .

بهذه الروحية الهجومية، ينجح العدو في إشاعة أجواء قوامها أن لا حلول ولا مخارج سياسية، إلا تلك التي يرتضيها هو، وسوى ذلك فإن الحلول تبقى معلقة، وسيف العسف لا يسقط عن الرقاب، وبهذا تنجح إسرائيل في إشاعة أجواء الهزيمة وتعميق هذه الأجواء، عبر حروب صغيرة شبه يومية تنال من المدنيين العزل ومن المرافق المدنية كما تستهدف الناشطين . ولا بأس خلال ذلك من تصوير الوضع على أن كل شيء هادئ فيه، وأن لا خطر من انفجاره .

في هذه الأجواء من الألفة المريضة والاعتياد السلبي، ينجح العدو في شن واحدة من أقذر حروبه، ويواظب على ازدراء بيانات المنظمات الدولية، معولاً على ما يكفي من سلبية وتواطؤ ضمني لدى الدول في الشرق والغرب، أما الهزيمة الفلسطينية والعربية فهي تبدأ من هنا حقاً من العجز عن إبداء الغضب، وعن تنظيم برنامج سياسي لمواجهة الفجور الاحتلالي المسلح، وفي النتيجة العجز عن تسخين الأجواء والتأشير إلى خطورته، وحمل العالم على التدخل، والتعامل مع تل أبيب كدولة محتلة ومارقة .

عن الكاتب

كاتب ومعلق سياسي، قاص وروائي أردني-فلسطيني، يقيم في عمّان وقد أمضى شطرا من حياته في بيروت والكويت، مزاولاً مهنة الصحافة. ترجمت مختارات من قصصه إلى البلغارية والإيطالية والإنجليزية والفرنسية

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"