اليمن.. شكل الدولة ومستقبل الجنوب

03:26 صباحا
قراءة 3 دقائق
د. حسن قايد الصبيحي
تعيش الأطراف اليمنية، سواء كانت الشرعية أو القوى المساندة لها من جانب، أو تلك القوى المتورطة في دعم الحوثي وصالح، من جانب آخر، حالة من الاضطراب السياسي، والحيرة، وانعدام اليقين إزاء مجمل التطورات التي فرضها الانقلاب الحوثي، ولاسيما ما يخص القضية الجنوبية.
فقد تم تحرير الجنوب بالكامل، وتحقق الأمن فيه بنسبة تزيد على 90%‏، وتقدمت كبرى مدنه عدن، لتلعب دور العاصمة المؤقتة للدولة.
وقد لاحظنا طوال الأزمة التي جاوزت الآن شهرها الثالث عشر، أنه مع مضي الوقت واستقرار الأوضاع الأمنية في المناطق المحررة، وهي في الأغلب الأعم جنوبية في المساحة والسكان، أي في الجغرافيا والديموغرافيا، يزداد الحديث عن أهمية إيجاد كيان سياسي من نوع جديد لإدارة شؤون الأرض المحررة، وعدم تركها رهينة للظروف التي تمضي في منحنيات مختلفة تتطلب التريث في خطط المواجهة، وتوقيت الدخول إلى صنعاء، وتعز، والحديدة وهو المثلث الأكثر أهمية في اليمن، سكاناً وثروة وأهمية استراتيجية. الأمر الذي يضع الجنوب في وضعية انتظار الأوضاع غير المستقرة في الشمال.
وإذا امعنا النظر في جذور المعضلة نجد أن الجانب المتردد في إيجاد كيان سياسي يبدو كمن يؤجل توقيت ميلاده في انتظار قدوم أخيه الذي لا يزال في المجهول. نحن نعلم أن انعتاق اليمن وتخليصه من قبضة الحوثي وصالح أمر حتمي حتمية تواليات الليل والنهار، ولكننا لا نملك اليقين حول تحديد توقيت يوم النصر النهائي على الانقلابيين، مهما اقتربت بشائره، وهي تقترب لا محالة.
وعلى إيقاع اليقين بالنصر، لابد من التسليم ونحن نتحدث عن القضية الجنوبية، بأنه لابد من استلهام عدد من الحقائق التي لا تقبل النقاش.
أولاً: إن الجنوب لن يعود كما كان في عهد الوحدة الاندماجية وخضوع الجنوب للشمال، واستباحة الحقوق، ونهب الممتلكات بعدما اعتبر صالح الجنوب أرضاً مشاعاً، واعتبار الجنوبيين رعايا لا مواطنين، أو على وجه التحديد مواطنين من الدرجة الثانية، إن لم يكن أكثر، ذلك أن الحرب وما قدمته من ضحايا امتزجت فيها الدماء اليمنية والخليجية لم تكن لتقوم فقط دفاعاً عن الشرعية، أو التصدي للنفوذ الإيراني في النطاق الإقليمي العربي في الجزيرة، ولكنها أيضاً جاءت لضمان حقوق الإنسان اليمني في الشمال والجنوب، وإعادة الكرامة لأشقاء يشكلون امتداداً طبيعياً للنسيج التاريخي لسكان الجزيرة العربية، وهي الكرامة التي استباحها صالح وعبث بمقوماتها طوال حكمة الذي أمتد أكثر من ثلاثين عاماً.
ثانياً: إن الدولة الجديدة، وإن تحددت بعض ملامحها الآن وفق بنود الدستور الجديد، فإن القطع بكيفية العلاقة بين الجنوب والشمال لم يتم حسمه بعد، ولم تتخذ قرارات سياسية أودستورية بشأنه. فالحرب، وبما خلقته من علاقات جديدة، لابد أن تترك أثرها في الأرض وعقول الاستراتيجيين. ولا نظن أن اتخاذ مثل هذا القرار في يد أحد، على الأقل في مثل هذه الظروف.
بعض القرارات الخاطئة التي يتم اتخاذها على عجل أثناء الحروب والتوترات قد تتسبب باجتراح الكثير من الأزمات يكون المحاربون في غنى عنها، وأي ارتجالية من قبل السياسيين في اتخاذ القرارات قد تقود إلى نقمة يدفع المحاربون ثمناً غالياً لها، ويسددون فواتير باهظة ثمناً لنزوة هذا السياسي، أو ذاك. ولا أظن أن هذا الأمر يغيب عن القيادات العليا في إدارة المواجهة، ولا بغافلين عن مثل هذه الرؤيا. نستدل على ذلك من ملاحظة حالة الصمت، وعدم الخوض في ما يخص شكل الدولة الجديدة، وما يتعلق بالمسألة الجنوبية، وهو صمت يفهم من مدلوله موقف صارخ في وجه مثيري الشغب، يقول إن الوقت لا يحتمل تشتيت الجهد العسكري الذي يعلو فوق كل الاعتبارات.
ثالثاً: يبدو جلياً أن الآلة الدعائية التي يمتلكها الحوثيون وصالح مسخر لها التمويل السخي والكفاءات الإعلامية المتخصصة، وهي ترصد بيقظة ومتابعة وبشيء من الذكاء كل القرارات الصادرة عن مراكز القرار من جانب الشرعية، وأي موقف أو قرار مرتجل، لاسيما في ما يخص مستقبل الجنوب في هذا الاتجاه أو ذاك، لابد أن يترك تداعيات لا طائل لها، ومثل هذه القرارات، كما أشرنا، بحاجة إلى هدوء وأمن واستقرار لا يتوفر في الوقت الراهن.
إذا حل السلم وصمتت أصوات المدافع فإن المرجعيات هي الشعوب، والاستفتاء العام يحل كثيراً من المشكلات، ويحدد المسارات، ويخرص التقولات، ويعطي القرار لأصحابه من دون تدخل من مؤيد أو معارض. المهم أن يتوجه الجميع لتحقيق النصر.

drsubaihi @gmail.com

عن الكاتب

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"