محمد خليفة
تركت «عاصفة الحزم» آثاراً حميدة في نفوس شعوب الجزيرة العربية، وأبرزت أهمية أن تكون هذه الشعوب يداً واحدة، كما كانت عليه على مرّ التاريخ، حيث كانت التسمية الجامعة لها هي شعوب الجزيرة العربية، وأما مصطلح الخليج العربي فقد ظهر في النصف الثاني من القرن الماضي.
ورغم أن النفوس أصبحت مملوءة بالمشاعر المتناقضة، إلا أن تلك الأحداث وشبيهاتها من قبل – مثل تحرير الكويت- تعطي إشارة واضحة إلى امتلاك تلك المنطقة لقرارها، وهذا يعدّ أول خطوة من شأنها دفع المنطقة وشعوبها نحو التقدم والتطور، وإذا كانت الحرب دوماً وسيلة للخراب والدمار، وكم عانت البشرية - خاصة أوروبا- الحروب على مدى القرون القليلة الماضية، لكنها اكتشفت أن القتال لا معنى له ولا يجدي، والأفضل هو التلاقي والتوحد والعمل المشترك لخدمة الإنسان، بعيداً عن الشعارات والآمال التي تؤدي إلى الهلاك.
ومصير العرب في الجزيرة العربية- شئنا أم أبينا - هو التوحد والتلاقي والعمل المشترك، فالحروب لا تجرّ سوى الويلات، ليس على شعوب الخليج وحدها؛ بل على المنطقة كلها، خصوصاً أنه لا يمكن لأحد أن يلغي وجود الآخر، فالجميع موجودون منذ آلاف السنين، وينحدرون من قبائل تلتقي عند جد واحد، وبالتالي، فالعداء التاريخي بين شعوب الجزيرة غير موجود، ولا توجد حالة من العداء بين العرب في جزيرتهم، فهم إخوة وجيران، وإن فرقتهم السياسة والمصالح، لكن في هذا العصر الذي تسير فيه مختلف الشعوب نحو التكتلات، فإن الأجدر بشعوب الجزيرة العwربية أن تتلاقى، وتعمل لما فيه مصلحتها ومستقبلها، خصوصاً أن الأخطار تحيط بها من كل جانب، والتحديات الحالية وبخاصة في مواجهة المنظمات المتطرفة - الحوثيين والقاعدة وداعش- تفرض على دول مجلس التعاون الخليجي مزيداً من التنسيق والتوافق في ما يخص المواقف المشتركة من تلك المنظمات التي باتت تمثل خطراً حقيقاً يهدد أمن واستقرار دول مجلس التعاون.
وإذا نظرنا إلى الأسس التي دعت إلى تأسيس مجلس التعاون عام 1981، لم يكن الهدف منه أن تتقوقع الدول الست المكونة له على نفسها؛ بل كان الهدف الأول هو التنسيق بين هذه الدول لاحتواء نتائج الحرب التي كانت دائرة بين العراق وإيران.
ولم تكن ثمة قدرة على جذب اليمن إلى المجلس، لأنه كان منقسماً إلى يمنين: يمن شمالي يسيطر عليه توجه قومي عروبي، وآخر جنوبي كان عضواً مراقباً في حلف وارسو، أما الشمالي فكان مازال يلملم جراحه من جراء الحرب الأهلية التي عصفت به في الستينات.
لكن عندما تحققت الوحدة اليمنية عام 1990، برزت دولة يمنية واحدة، وتغيرت الخريطة الجيوسياسية في الجزيرة، ولم تعد هناك استقطابات دولية- بعد انتهاء الحرب الباردة- يبعث وجودها على الخوف.
ولم يكن اليمن غائباً عن تفكير قادة دول مجلس التعاون الخليجي، بل تم طرح فكرة ضمه إلى مجلس التعاون، وكان هناك من يرى ضرورة تأهيله اقتصادياً حتى يستطيع الانخراط في العمل الاقتصادي المشترك، كما يفعل الاتحاد الأوروبي مع الدول الجديدة التي تريد الانضمام إليه، ولذلك فالحاجة باتت ملحة لضم اليمن إلى دول مجلس التعاون الخليجي، وفي أواخر شهر مارس/ آذار الماضي، أعلنت الحكومة اليمنية، أنها ستتقدم بطلب عضوية في مجلس التعاون لدول الخليج العربية. 
إن ضم اليمن – بعد استقراره اقتصادياً وسياسياً- بات أمراً ملحاً لا مفر منه، حفظاً لأمن واستقرار دول مجلس التعاون الخليجي، وتتويجاً للهدف الأسمى لنشأة المجلس بأن يكون نواة لوحدة خليجية شاملة، ولكن الأكثر إلحاحاً في الفترة الراهنة، والأشد خطورة ليس على اليمن وحده؛ بل على دول الخليج بأسرها، وجود تنظيم مسلح يشكل دولة داخل الدولة، ويرهن القرار اليمني كله بقوة السلاح، كما هو واقع اليوم.
خباصة إذا كان هذا التنظيم – الحوثي أو القاعدة – ذا أجندة خارجية ينطلق في قراراته ليس من منطلق مصلحة الشعب اليمني، ولكن من منطلق أهدافه الخاصة التي ترتبط ارتباطاً وثيقاً بدول خارج مظلة مجلس التعاون الخليجي، بل إنها تعمل على تقويضه وتشرذمه.
وهذا ما لن تسمح به دول مجلس التعاون الخليجي، ولن يسمح به الشركاء اليمنيون الغيورون على مستقبل اليمن، ومستقبل دول الخليج أجمع.
لذا ينبغي أن تكون هناك خطة واضحة للنهوض الاقتصادي باليمن، بعد استقراراه سياسياً، تتبناها دول مجلس التعاون الخليجي، تهدف أولاً: إلى علاج آثار الفوضى والدمار التي خلفتها ميليشيات الحوثي، وعلاج الجرحى وعودة النازحين، وعودة المختطفين، وبناء ما تهدم من بنى تحتية.
وثانياً: خطة اقتصادية طويلة الأجل للنهوض باليمن والشعب اليمني اقتصادياً؛ من خلال حزم معونات عاجلة لمعالجة الوضع الراهن، وإقامة مشاريع اقتصادية عملاقة تخدم الشعب اليمني مستقبلاً، وفتح الباب أمام المستثمرين ورجال الأعمال الخليجيين – بدعم وتشجيع من حكوماتهم- لاستثمار أموالهم داخل اليمن، مع توفير فرص العمل للعاطلين، وتدريب الشباب اليمني على القيام بالمشروعات الصغيرة، بحيث تشمل الخطة التمويل والتدريب والتسويق وكل ما من شأنه أن ينتشل الشعب اليمني الشقيق من براثن الفقر الذي بات يهدد أغلبية الشعب اليمني، خصوصاً مع تفاقم الأزمات الاقتصادية التي خلفها القتال والنزاعات، والتي تمثل قنبلة توشك أن تنفجر إن لم نتداركها جميعاً.
إن دول مجلس التعاون تستطيع أن تقدم الكثير من خبراتها الاقتصادية في سبيل أن ينهض اليمن، ويعود دولة عربية قوية تسير جنباً إلى جنب مع دول المجلس لما فيه الخير للجميع.