انقطاع رسمي عربي وتواصل شعبي

04:15 صباحا
قراءة 4 دقائق

ثمة ظاهرة تسترعي الانتباه في هذه الظروف وتستحق التأمل، وهي أن العلاقات العربية البينية باستثناء تلك التي تربط دول مجلس التعاون الخليجي، تكاد تكون مشلولة ومجمدة، بغير قرار صادر بهذا الشأن عن هذا الطرف العربي أو ذاك، ومن دون أن تكون هناك توترات ملحوظة بين بلد وآخر .

ولئن كان من الصحيح أن العلاقات البينية لم تكن عظيمة مزدهرة، ولم يكن التعاون في ختلف المجالات في أحسن أحواله، وقلما كان هناك تفاهم ملموس على شؤون استراتيجية وقضايا ذات طابع قومي، غير أن التواصل كان قائماً في حدوده الدنيا .

ثمة ظروف عامة ومحلية ضاغطة، باتت تدفع أكثر فأكثر نحو هذا التجمد والسكون وإلى إشعار آخر .

من الواضح أن الشلل الحالي الذي يعتري العلاقات يعود في المقام الأول، إلى الانهماك في متابعة الوضع الداخلي، ومحاولة درء رياح التغيير العاصفة وامتصاص التململ الشعبي . وهنا قد يكون للأمر وجهه الحسن، فبدلاً من الانشغال بسياسة المحاور، وتعزيز الوضع الإقليمي وأحياناً مجرد الحضور الإعلامي، على حساب التنمية الداخلية وتلبية احتياجات المواطنين والوفاء بحقوق المشاركة السياسية، فإن الانكفاء (المؤقت؟) قد يتيح فرصة التعرف إلى وضع البيت الداخلي، وسد الثغرات واستدراك النواقص، وهو ما تجتهد دول عدة في الإقدام عليه منذ مطلع العام الجاري، بدرجة أو بأخرى من النجاح أو المراوحة كما هو الحال في دول مثل المغرب والجزائر والأردن، غير أن دولاً أخرى لا تسلك هذا السلوك الإصلاحي الاحتوائي بداعي رفض الضغوط، ولكأن الاستجابة لمطالب شعبية يعيب المستجيبين إذا استجابوا .

من الواضح أيضاً أن حالة الجمود هذه مرشحة للتواصل، ما دامت ظروف المنطقة على حالها من احتقانات وتوترات داخلية . ومن المثير للانتباه أن أحداً لا يود الاستماع لغيره أو الإفادة من تجربته، أو حتى الاعتراف بأزمته هو . فكل نظام يدعي الخصوصية التامة، والقدرة الاستثنائية على معالجة الأزمة الداخلية، ولكأن كل نظام اختراع سياسي قائم بذاته لا شبيه ولا نظير له في العالم، ولا يجمعه جامع مع بقية الدول في عالمنا . ومآل المبادرة الخليجية في اليمن خير شاهد على ذلك، والتي كانت تضمن انتقالاً سلمياً وآمناً للسلطة بما يحفظ ماء الوجه لجميع الأطراف بما في ذلك موقع الرئاسة، علماً أن معالجة الأزمة في كل من ليبيا وسوريا لم يكن أحسن حالاً بل هو أسوأ، فقد اندفع النظامان نحو حلول أمنية قصوى لا رحمة فيها لمخلوق، فكانت النتيجة انسداداً سياسياً وكوارث بشرية واقتصادية .

في بلد مثل لبنان فإن الأزمة الداخلية المحتدمة لدى الجارة سوريا، لم تجمد العلاقات الخارجية لهذا البلد بل جمدت العلاقات الداخلية في بلد محكوم بحكومة تصريف أعمال، ومع عجز الأكثرية الجديدة عن تمكين الرئيس المرشح نجيب ميقاتي من تشكيل حكومة . ومن المؤسف والمفارق أن تكون هذه هي حصة البلد الأخضر من الربيع العربي علماً أن لبنان كان في ما مضى هو من يلهم موجات التغيير العربية، وعلى نحو لا يجد مثيلاً له إلا في بلاد الرافدين، حيث الشلل الداخلي يتواصل ويتفاقم مع انسداد متجدد في كل من الأفق السياسي والأمني، وحيث العلاقات الخارجية لهذا البلد تصاغ على وقع التوترات الداخلية المتطاولة .

في بلد آخر هو السودان فإن التوترات التي كانت قائمة في إقليم دارفور، انتقلت إلى الحدود غير المرسومة بين دولتي الجنوب والشمال في صراعهما المعلن على منطقة أبيي، والصراع الذي يتخذ طابعاً مسلحاً لا يفسح في المجال لحلول سياسية . ومن المفهوم أن هذه الدولة العربية غير قادرة على بناء وتجديد علاقاتها الخارجية أو حتى اجتذاب اهتمام خارجي باستثناء الاهتمام الذي تبديه مصر، فيما وضعها الداخلي على ما هو عليه، ورئيسها مطلوب للمحكمة الجنائية الدولية .

في هذه الأثناء فإن منظمة قومية إقليمية هي جامعة الدول العربية، تبدو غائبة ومغيبة، ولكأن الوضع الانتقالي الذي تشهده هذه المؤسسة وفراغ الأمانة العامة، انعكاس موضوعي وتتويج للجهد الذي بذل لسلب الجامعة كل دور فعلي وكل وظيفة ملموسة،في تصويب وتصليب الأوضاع العربية، وثمة أمل كبير بأن يكون حلول الأمين العام الجديد نبيل العربي في موقعه، بداية لإطلاق دينامية جديدة تتحول فيها الجامعة إلى مظلة ومرجعية للدول والشعوب معاً .

والحال الآن هو أنه مع الانقطاع الذي يسود العلاقات العربية الرسمية، فإن تواصلاً متنامياً ومتجدداً ينشأ بين الشعوب العربية، وبالذات بين القوى الحية الشابة أو بين ديمقراطيين مستقلين، وبين هيئات ومنظمات اجتماعية وإعلامية عبر وسائل الاتصال الحديثة، وذلك بعد فشل أغلبية المؤسسات الحزبية العربية في تبني أشواق شعوبها، وفاقد الشيء لا يعطيه إذ لا تملك هذه التنظيمات السياسية بعد عجزها الداخلي، القدرات أو الرؤى لمواكبة مخاض الشعوب العربية وصياغة أفق قومي وديمقراطي مشترك لتغيير سلمي . وهو ما يستحق تناولاً خاصاً، فكما أن العديد من الأنظمة قد هرمت ونالت منها أمراض الشيخوخة، كذلك الحال مع مؤسسات حزبية لطالما تغنت بالمعارضة وامتلاكها البديل .

عن الكاتب

كاتب ومعلق سياسي، قاص وروائي أردني-فلسطيني، يقيم في عمّان وقد أمضى شطرا من حياته في بيروت والكويت، مزاولاً مهنة الصحافة. ترجمت مختارات من قصصه إلى البلغارية والإيطالية والإنجليزية والفرنسية

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"