ثمن غياب الحوار الوطني

04:12 صباحا
قراءة 4 دقائق

دفع السوريون ثمناً غالياً نتيجة غياب الحوار بين سائر القوى السياسية والاجتماعية. فقد نجم عن ذلك اندلاع الاحتجاجات الشعبية التي عمت مختلف المدن. ومقابلة قوى الأمن لها بقمع يعز على الوصف . تأثرت بذلك سلباً. وإلى حد بعيد صورة سوريا في الخارج. وتكفي هنا الإشارة إلى الاتصالات التركية مع دمشق. حيث أعلنت أنقرة غير مرة دعوتها لمباشرة الإصلاحات وتسريعها لدى جارتها .

الحوار الوطني مطلب قديم كما هو حاجة دائمة. لكن التقدم نحوه لم يحدث أبداً. وللأسف فإن كلمة الحوار نفسها قلّما يجري تداولها في الأدبيات الرسمية .

في الأيام الأولى للأحداث 22 مارس/ آذار الماضي. خرجت المستشارة الرئاسية بثينة شعبان بتطمينات بأن الحوار الوطني سوف يجري . وقد تردد على نطاق واسع أن رئيسة تحرير صحيفة تشرين سميرة مسالمة. سوف تمثل السلطة في الحوار . كيف؟ بإتاحة المجال أمام نشر آراء في الصحيفة التي تعتبر ناطقة باسم الدولة. لشخصيات مستقلة مثل طيب تيزيني. ولؤي حسن. وفايز سارة. وسواهم . كان الأمر إذن يتعلق بميل إلى انفراج في حرية التعبير. بأكثر مما يتعلق بحوار وطني . مع ذلك فقد بدت الخطوة على تواضعها من قبيل: أول الغيث قطرة . بيد أنه لم تمض سوى أيام حتى كانت مسالمة تقال من منصبها. ويُزج بفايز سارة في السجن للمرة الثانية. ويتم استجواب المفكر المُسن طيب تيزيني .

الخطوة اللاحقة الجيدة التي تمثلت بإلغاء قانون الطوارئ. كان ينقصها أمر واحد هو العمل بهذا الإلغاء . لم يحدث ذلك أبداً. فقد تواصل قمع الاحتجاجات مع منع وسائل الإعلام من العمل. واعتقال شخصيات مستقلة من المجتمع المدني يفترض أن هؤلاء سوف يكونون طرفاً في حوار وطني مازال ممتنع الحدوث. فهناك من لا يريده ومن لا يرى حاجة إليه. ومن ينكر وجود اتجاهات سياسية أو حتى وجود مستقلين بما يتعدى أحزاب الجبهة الوطنية التقدمية المتحالفة مع حزب البعث . وقد بدت هذه الجبهة خارج السمع والبصر في هذه الأزمة المتطاولة .

في غياب الحوار قدم نائبا درعا خليل الرفاعي وناصر الحريري استقالتيهما من مجلس الشعب. وكذلك فعل مفتي المدينة . تبع ذلك استقالة أكثر من مئتي بعثي من أبناء المدينة. مع 30 عضواً من أعضاء الحزب في بانياس . لم يحدث مثل ذلك منذ أربعة عقود في هذا البلد . من المؤسف جداً بعد ستة أسابيع على الاضطرابات ألا يتقدم الحل السياسي. وأن يطغى عليه الحل الأمني مع سقوط المزيد من القتلى والجرحى. علاوة على ما تكبده الاقتصاد الوطني من خسائر فادحة . الدعوات للحوار تتجدد في بيانات متلاحقة تصدرها شخصيات سورية مستقلة. ولا تلقى أي أذن صاغية. حتى إن أحداً من المسؤولين لا يطلق وعداً بذلك .

هذا يدلل على عمق الأزمة الداخلية التي تعيشها سوريا. فسفك الدم يولد المزيد من الاحتقان. الذي يؤدي إلى المزيد من الاحتجاجات. ثم إلى رفع سقف المطالب. ثم إلى وقوع ضحايا جدد لكي تتجدد الحلقة الجهنمية ذاتها . ويجري خلال ذلك لوم الإعلام والإنترنت والتآمر الخارجي . كل ذلك لتفادي التقدم إلى وضع معالجات سياسية ناجعة للأزمة. وكأن المشاركة الشعبية في بلورة السياسات وتحمل الأعباء تتنافى مع النزوع التقدمي .

لقد كان أمراً لافتاً أن التبريرات التي تساق إلى إغلاق باب الحوار. وعدم الإصغاء إلى رسالة الاحتجاجات الشعبية . تتركز على القول إن ما يجري يراد به حرف الحكم عن خياراته السياسية الخارجية في دعم المقاومة. والمساس بمنعة نظام الممانعة . غير أن الاحتجاجات لم تتناول أبداً السياسة الخارجية للحكم لا من قريب ولا من بعيد. فقد انحصرت المطالبات بتحسين جوانب السياسية الداخلية. وبالذات ما يتعلق بالحريات العامة وإرساء دولة القانون . وقد باتت هذه المطالب وما يماثلها أمراً بديهياً ويحظى بالإجماع. في سائر الدول والمجتمعات في الشرق والغرب وفي الشمال . أليس مبدأ الحرية هو أحد ثلاثة مبادئ في شعار البعث: وحدة حرية اشتراكية؟ كيف أصبحت حرية الناس في الاجتماع وفي التعبير وحقهم في العدالة وحماية القانون لهم. شراً ينبغي أن يستأصل حتى لا ينتشر عدواه؟ ومادامت الدولة ماضية على طريق الإصلاح الشامل. كما يردد مسؤولون منذ أسابيع. فكيف تكون المطالب الإصلاحية للناس خطراً يتعين تقويضه. أليس من الإصلاح تمكين المتظاهرين من التعبير عن آرائهم بسلام واحترام. بالتزامن والتوازي مع تطبيق الإصلاحات تباعاً. وعلى نحو يلمسه الناس في حياتهم وفي التعامل الرسمي معهم؟ أليس ذلك أجدى ألف مرة من الاشتباك مع القنوات الفضائية وتحميلها مسؤولية ما يجري. وهو ما دأبت عليه بلدان أخرى من دون أن يؤدي ذلك إلى بلوغ أي نتيجة من قبيل أن تسكت الناس عن حقوقها الأساسية في الحرية والكرامة والأمن الشخصي والجماعي؟

بوسع المرء إثارة المزيد من التساؤلات. في ضوء ما يجري. غير أن الفرصة يجب أن تظل متاحة لاحتواء الوضع سياسياً. والخروج بحلول جدية تطمئن الناس على حاضرها ومستقبلها وتمتعها بالحقوق الأساسية. كما هو حال بقية الشعوب في عالمنا .

عن الكاتب

كاتب ومعلق سياسي، قاص وروائي أردني-فلسطيني، يقيم في عمّان وقد أمضى شطرا من حياته في بيروت والكويت، مزاولاً مهنة الصحافة. ترجمت مختارات من قصصه إلى البلغارية والإيطالية والإنجليزية والفرنسية

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"