حتى لا تتم العودة إلى المربع الأول

04:37 صباحا
قراءة 4 دقائق

ليبرمان هو ليبرمان، ذلك هو الاستخلاص المنطقي لتصريحات وزير خارجية نتنياهو، الذي رفض فيه تقيد تل أبيب بأية اتفاقيات سابقة، ومن بينها اتفاقية أنابوليس التي تقضي بين امور أخرى بإقامة دولة فلسطينية.

المهاجر الروسي أفيغدور ليبرمان وهو في الأصل رجل أعمال تطاله اتهامات بالفساد، من السياسيين الجدد نسبياً، كما هو من المهاجرين الجدد نسبياً أيضاً، حيث هاجر إلى فلسطين بعد نحو ثلاثة عقود على إقامة الدولة العبرية، اختار السلعة الأكثر رواجاً في المجتمع الصهيوني وهي التطرف والمزايدة على اليمين، وهذا الخيار يمنحه صاحبه فرصة التعبير عن الولاء للاتجاهات الصهيونية الأكثر جذرية: العنصرية الصافية تضاف إليها النزعة التوسعية مع الجنوح لتوجهات حربية. وذلك كتعويض عن التحاقه المتأخر بدولة الاحتلال والاستيطان.

هذه المواهب أهّلت الرجل لكي يتبوأ رئاسة الدبلوماسية، فحين تكون نشأة هذه الدولة شاذة، ويتم نموها بوتيرة شاذة أيضاً فإنه لا يعود غريباً أن يتولى هذا الشخص مثل هذا الموقع.

تصريحاته التي شملت رفض الانسحاب من الجولان كنتيجة لأية مفاوضات مع دمشق، لم يتم التنصل منها من طرف رئيسه، بما يمنحها صفة رسمية. وقد زاد نتنياهو على شعر ليبرمان بيتاً حين بشر الفلسطينيين الرازحين تحت الاحتلال ب سلام اقتصادي يفضي إلى حكم ذاتي. بذلك يرتسم موقف الحكومة الجديدة، التي تقطع مع أية تسوية تستند إلى المرجعيات الدولية. وحسناً فعل هؤلاء، فذلك أفضل من نثر أوهام، والخوض في مناورات لفظية أو الدفع نحو مفاوضات عبثية، تستنزف الوقت والجهد وتشكل غطاء للتوسع على الأرض مع التنكيل الجماعي.

تسيبي ليفني الوزيرة السابقة وزعيمة المعارضة الحالية، شنت هجوماً على المواقف الليكودية هذه، اعتبرت فيها أن هذه التصريحات تنزع الشرعية عن إسرائيل في الساحة الدولية، وتكشف أنه لم يعد هناك شريك إسرائيلي في المفاوضات. كان يمكن أن يعني هذا الرأي شيئاً ذا بال، لولا أن القائلة هي القائلة. ففيما كانت ليفني تطبق رؤية ليكودية بإخراج دبلوماسي للاستهلاك الخارجي، فإن الحاكمين الجدد يقولون ما يفعلون ويفعلون ما يقولون. وليفني تتجه بموقفها هذا إلى الاستهلاك الداخلي هذه المرة ولغايات التنافس الحزبي والانتخابي.

عليه، فإنه من الخطل التعويل على مثل هذه المواقف لكتلة المعارضة الأكبر، فهناك تنويعات في مربع اليمين. وما زالت صورة ليفني المنشرحة الأسارير أمام أخبار قتل الأطفال في غزة ماثلة للأذهان.

في ردود الأفعال، بادرت واشنطن على لسان ناطقين باسم البيت الأبيض للتصريح بأن السياسة الأمريكية حيال حل الدولتين ليست محل مراجعة. من المفارقة أن موقف واشنطن بات متقدماً على الموقف أو اللاموقف الأوروبي وكذلك على اللجنة الرباعية إذا كان هناك من وجود فعلي حتى تاريخه لهذه اللجنة.

مع ما يستحقه الموقف الأمريكي المبدئي من ترحيب مبدئي، فإنه يحسن التذكير بأن إدارة بوش في ولايتيه، كانت تعتمد أيضاً ما بات يسمى حل الدولتين. لكن تلك الإدارة ساندت الاحتلال في نقض هذا الحل على الأرض. ولقد تم في النتيجة تفريغ العملية السياسية من كل معنى ومن أي أثر لها تحت هذا الشعار البرّاق، الذي استخدم كمادة مخدرة للطرف الفلسطيني ولأطراف عربية. هذه المناورة السقيمة والمكشوفة هي ما تستحق أن تكون موضع مراجعة من طرف الإدارة الديمقراطية.

الخشية أن يتم تبديد سنوات إضافية، فيتم خوض كفاح مرير لحمل حكومة نتنياهو على القبول بمبدأ إقامة دولة فلسطينية، واعتبار ذلك لدى تحققه إنجازاً باهراً، مع الإفساح في المجال أمام هذه الحكومة، لكي تنقض على الأرض مرتكزات هذه الدولة العتيدة. وبذلك تجري العودة مجدداً إلى المربع الأول. ولنا أن تستذكر بهذا الخصوص أن حكومة السفاح شارون كانت تقبل لفظياً إقامة دولة فلسطينية.

يحسن بالفلسطينيين والعرب الإقلاع عن متابعة التصريحات والمواقف الإسرائيلية، والتركيز أولاً وثانياً وعاشراً على السلوك، وجملة الإجراءات التي ينفذها الاحتلال. التهويد القسري لبيت المقدس الذي بات يشمل محيطها (أكناف بيت المقدس على حد تعبير الرئيس الراحل ياسر عرفات) والتوسع الاستيطاني ومواصلة بناء الجدار في عمق الضفة الغربية المحتلة وسرقة المياه الجوفية، هي ما تستحق أن تكون معقد الاهتمام، وهي سياسة قديمة، ومن المنتظر أن يتم المضي فيها بل مضاعفتها على أيدي الحكومة الجديدة.

ليس مطلوباً من هؤلاء التعبير عن مواقف مغايرة لما عبروا عنه حتى تاريخه، بل اتباع سياسة جديدة. لن يتم ذلك بغير ضغوط فلسطينية وعربية تتجه نحو واشنطن من جهة، وباتجاه تل أبيب من جهة ثانية. المبادرة لا بد أن تصدر عن الجانب الفلسطيني، بالانتقال من رفض التفاوض مع نتنياهو، إلى الاستعداد لمقاومة أو انتفاضة مدنية في الضفة الغربية، وقطع الاتصالات مع الاحتلال باستثناء تلك المتعلقة بأمور حياتية، بما يوفر أساساً لبرنامج سياسي ائتلافي، وتضع حداً للنزعات السلطوية لدى حركتي فتح وحماس على السواء. هذه النزعات التي تديم الانقسام وتستدرج التدخلات، وتعكس صورة بائسة لقوى سياسية وفصائلية، تتنازع على السلطة فيما يتم سحب الأرض من تحت أقدام الجميع.

عن الكاتب

كاتب ومعلق سياسي، قاص وروائي أردني-فلسطيني، يقيم في عمّان وقد أمضى شطرا من حياته في بيروت والكويت، مزاولاً مهنة الصحافة. ترجمت مختارات من قصصه إلى البلغارية والإيطالية والإنجليزية والفرنسية

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"