حركة مسيحية لنصرة العدالة

05:15 صباحا
قراءة 4 دقائق

لاقت الوثيقة التي نشرتها صحيفة السفير اللبنانية في مطلع الجاري، بعض الصدى الإعلامي حتى تاريخه . الوثيقة أعدتها شخصيات مسيحية وعلمانية، كما أوردت الصحيفة البيروتية، غير أن صياغتها وخطابها بل عنوانها: كلمة إيمان ورجاء، يعكس بالدرجة الأولى رؤية مسيحية، ومن هنا أهميتها، رغم أن المرء يؤمن أن الصراع مع الصهيونية ليس دينياً بل سياسياً وثقافياً في المقام الأول، غير أنه من الأهمية بمكان أن تتضافر عناصر الأمة بما في ذلك مكوناتها الدينية، في السجال الدائر ضد العنصرية الصهيونية، وما يتصل بها من تدليس ومغالطات .

تتصدى الوثيقة لمزاعم الحلف غير المقدس بين الصهيونية وكنائس غربية أمريكية في الأساس، بهدف تسويغ الاستيلاء على أرض الغير واقتراف الفظائع لتمكين هذا الاستيلاء وذلك لإضفاء شرعية لاهوتية وكتابية على الظلم، ولأننا مسيحيون فنحن نعاني من التفسيرات المغلوطة لبعض اللاهوتيين كما ورد في الوثيقة .

معلوم أن بعض الكنائس الأمريكية الإنجيلية بالذات، تعتمد العهد القديم كمرجعية لها وبما يتقدم في المرجعية على العهد الجديد، وهو ما شكل منطلقاً وغطاء لتصهين تلك المؤسسات التي ألغت الحدود بين المسيحية واليهودية، وتجندت لدعم روحي وعقيدي وإعلامي للتوسع الصهيوني، حتى لو ازدرى المقدسات المسيحية في القدس وبيت لحم والناصرة، ولو أدى التغول الصهيوني لحملة تهجير منظمة للمسيحيين الفلسطينيين، من ديارهم وموطن آبائهم وأجدادهم .

الوثيقة تحاول الرد باقتضاب على ذلك في حدود كونها وثيقة، وتشدد على أن المسيحيين كمواطنين على أرضهم ينوءون من التنكيل والاستيطان والاعتقالات الجماعية بحق شعبهم .

وفي القناعة أن هذه المبادرة مفيدة من عدة أوجه، فالكنائس المخاطبة في الغرب وفي الولايات المتحدة تصوغ مواقفها، بمعزل عن موقف أتباع العقيدة ذاتها في الأراضي الفلسطينية المقدسة، في الأرض التي انبثقت منها رسالة عيسى عليه السلام، بينما تدعي الدفاع عن المؤمنين بالعقيدة في كل مكان .

من وجه ثان فإن الوثيقة تنطوي ضمناً على تفنيد بكون القضية الفلسطينية تخص المسلمين وحدهم . فليست هناك مقدسات مسيحية تتقدم في الأهمية والمكانة على كنائس المهد والقيامة والبشارة في فلسطين، وكان المسيحيون وما زالوا جزءاً أصيلاً ومكوناً ثابتاً في النسيج الاجتماعي والثقافي والوطني لأبناء فلسطين، وهو ما تتجاهله بصورة متعمدة وبسوء نية دوائر لاهوتية متصهينة في الولايات المتحدة .

من وجه ثالث فإن الوثيقة تعيد التذكير بدور المسيحيين الفلسطينيين والعرب، ماضياً وحاضراَ ومستقبلاً، في الدفاع عن الوجود الوطني والقومي . ومن هنا تتجه الحاجة إلى جعل هذه الوثيقة منطلقاً لتحشيد الهيئات المسيحية في فلسطين والعالم العربي وراءها، بحيث تعكس وجود ونفوذ الرأي العام المسيحي، فلا يكفي بداهةً ترجمة الوثيقة وبثها عبر الشبكة العنكبوتية، وسط المتاهة الشاسعة للانترنت التي تضم ملايين المواقع الالكترونية . فالأصل أن يتم احتضان هذه الوثيقة من طرف الهيئات والمؤسسات المعنية، وأن يشمل ذلك صرح البطريركية في القدس، التي تتصل بأكثر من مليار مسيحي كاثوليكي في القارات الخمس، وبما لايحصى من كنائس وهيئات ومنابر .

ويصح بعدئذ تعريب الوثيقة ودعوة كنائس الشرق التي تنتمي اليها سائر الطوائف، لتبنيها واعتمادها وإطلاقها في العالم، وتلك ليست مهمة شاقة في ضوء يُسر وسائل الاتصالات الحديثة وما توفره من خدمات شديدة السرعة وعابرة للحدود .

إن المرء ليتساءل في هذا المقام: ما سر هذا القعود والاحباط الذي يغمر عالمنا العربي، في وقت لا يتم فيه تسخير وتحشيد ما نمتلك من إمكانات وفرص، وكيف يغيب عن البال ما تمثله الكنائس العربية من وزن روحي ومصداقية معنوية، وما يجدر بنا تبعاً لذلك من نهوض وتحركات واجبة، هي في نهاية المطاف ومع أهميتها من باب أضعف الإيمان، إذ نتحدث عن دور مؤسسات الإيمان في خوض معركة الدفاع عن الحقوق والحقيقة، في وجه آلة الغطرسة والتضليل التي لا تنال من الأوطان والبشر فحسب، بل تتغول حتى على معتقدات الآخرين ومقدساتهم، وتدفع بهم دفعاً ومنذ عقود نحو درب آلام جديد؟ .

يقيناً إن وثيقة الإيمان والرجاء لا يتوجه بها أصحابها إلى أبناء جلدتهم، الذين لا يعوزهم شرح وإيضاح حول عدالة قضيتهم، ولكنهم وضعوها كأداة ومنطلقاً لحملة تخاطب ضمائر وعقول مسيحيي العالم وكنائسهم، وهو ما يقتضي وجوباً النهوض بجهد منظم دؤوب ومتصل، بما ينجسم مع ما ورد في الوثيقة المهمة بأنها تعكس توبة عن الصمت وعن اللامبالاة وعن عدم المشاركة . وقبل الشروع في أي عمل على الأرض أو بموازاته، فلابد من بث الرسالة على أوسع نطاق ممكن، وأن لا تتحول إلى مجرد مادة إعلامية عابرة قد تتبدد في زحمة التدفقات الإعلامية التي لا تتوقف، وذلك بأن تنتقل إلى جدول أعمال الكنائس وكبار رجال الدين، وإلى الفضاء اللاهوتي برمته، وتلك رسالة تعلو في أهميتها على أي نشاط موضعي محدود في الزمان والمكان .

عن الكاتب

كاتب ومعلق سياسي، قاص وروائي أردني-فلسطيني، يقيم في عمّان وقد أمضى شطرا من حياته في بيروت والكويت، مزاولاً مهنة الصحافة. ترجمت مختارات من قصصه إلى البلغارية والإيطالية والإنجليزية والفرنسية

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"