خصوصية الانتخابات اللبنانية

04:31 صباحا
قراءة 4 دقائق

يشدد المسؤولون اللبنانيون وبالذات رئيس الجمهورية العماد ميشال سليمان ووزير الداخلية زياد بارود، على أهمية الانتخابات النيابية التي تجري في بلدهم، بعد نحو ستة أسابيع، من زاوية تظهير الوجه الحضاري للبلد عبر هذه المنافسة الديمقراطية، ولجهة توفير المقتضيات الأمنية لضمان سير العملية الانتخابية دون عوائق.

أما كبار المتنافسين فتتراوح تصريحاتهم بين من يقول إن الانتخابات مصيرية، ومن يصفها إنها كسر عظم وبين من لا يعتبرها آخر الدنيا، وبين من يتحدى منافسيه بالقول: موعدنا السابع من حزيران/يونيو 2009. ورغم الفسحة الزمنية الباقية لهذا الاستحقاق، فقد دأبت الصحافة اللبنانية على مواكبة هذا الحدث بالتفصيل الوافي، وقبل أربعة اشهر على حلول موعده، بما يُحتسب وجهاً من وجوه كفاءة هذه الصحافة في أدائها الاستقصائي، وقد بدا واضحاً أن المعركة ساخنة منذ بدايتها المبكرة، وأن التقدم في موعدها لا يزيدها إلا سخونة.

ورغم أن لبنان هو من بلدان عربية نادرة، يتم فيها بالفعل تداول السلطة في سياق لعبة ديمقراطية مرعية ومستقرة، فإن المحاذير سرعان ما تبرز لدى اقتراب الموعد الزمني لأي محطة انتخابية. حدث ذلك مع اقتراب انتخاب الرئيس الحالي للجمهورية، إذ سرعان ما سادت الانفعالات السياسية حول هوية المرشح، والاشتراطات المعلنة والخفية لانتخابه.ما أدى الى فراغ رئاسي، لم يملأه سوى اتفاق الدوحة بين الفرقاء اللبنانيين العام الماضي، الذي قضى بتشكيل حكومة وحدة وطنية، وانتخاب رئيس جمهورية توافقي، وتحديد موعد للانتخابات النيابية، وقد تم إنجاز حلقتين من هذا الاتفاق، وبقيت الحلقة الثالثة المتعلقة بإجراءالانتخابات.

لا تبدو هناك عوائق بنيوية او لوجستية مستعصية أمام هذه المناسبة، فلا أحد يعترض على إجراء الانتخابات أو موعدها أو القانون الذي تستند اليه..بالنسبة للقانون الذي يعود لمطلع ستينات القرن الماضي، فإن الاعتراضات عليه لا تمنع من الترشح والاقتراع على أساسه.وكان مجلس النواب الحالي أدخل تعديلاً تم بموجبه السماح لمن أتم الثامنة عشرة من عمره للمشاركة في الاقتراع.

العائق الأكبر هو جو الاحتقان السياسي السائد المصحوب بتوترات شديدة،الذي تسود فيه عبارات متبادلة من نوع: لن نسمح لهم بأخذ البلد، ومشروعنا الوطني مقابل مشروعهم السياسي الإقليمي. فمثل هذه العبارات تشي أن الأمر لا يتعلق باختلافات ومنافسات سياسية وحزبية داخلية، كما هو الحال في غالبية الدول الديمقراطية، بل بصراعات طاحنة ذات وجه محلي، لكنها ذات امتداد أو مصدر خارجي. وبما أن الحملات الانتخابية تتسم عادة بالمبالغات لغايات التعبئة وجذب الناخبين وقطع الطريق على المنافسين، فإنها في بلد الأرز تكاد تلامس إخراج الآخرين من المربع الوطني بما يفسر حالة التوتر السائدة، وحيث يجري الشحن إلى أقصى الدرجات، ومعه تظهر التسريبات الحقيقية أو الضخمة عن مبالغ بالملايين (بعملات مختلفة ليس من بينها العملة الوطنية: الليرة..) يجري ضخها كل يوم، وعن حجوزات وصول لعشرات الآلاف من اللبنانيين المغتربين في شتى أنحاء المعمورة الى بيروت مع اقتراب الاستحقاق، وهؤلاء يحق لهم المشاركة في الاقتراع، لترجيح كفة هذه المجموعة أو تلك.

معلوم أن الخريطة السياسية تنقسم في الأساس بين كتلة 8 آذار وكتلة 14 آذار. وتستعر المعركة حول من يفوز بالأكثرية في مجلس النواب، التي يتمتع بها منذ أربع سنوات الفريق الثاني. وبينما يترشح مستقلون في مناطق مختلفة، فإن الفريقين المتنافسين يسارعان الى تصنيف المستقلين على أنهم ليسوا مستقلين تماماً، وأن ترشيحهم يراد به تحسين فرص هذه الكتلة أو تلك، عبر هويات سياسية مستترة لمستقلين.

التشكيك الذي لا يتوقف عند حد، هو سبب كما هو نتيجة لحالة الاحتقان السائدة، التي تنقل رسالة سلبية للأجيال الجديدة من اللبنانيين، حول التنافس السياسي:أصوله وحدوده وأخلاقياته. الى الخارج تنتقل صورة أخرى ليست إيجابية، فالنظام التعددي والديمقراطي في لبنان على علاته، الذي نجح في الصمود رغم هزات عنيفة متعاقبة تعرض لها، لا يشهد منافسة سياسية طبيعية تسمح بتطوير هذا النظام وتعزيز روابط المواطنة والارتقاء بالمؤسسات الدستورية ونشر الثقافة الدستورية بين المواطنين، بل يقف أمام ما يشبه مواجهة أهلية تتوسل الانتخابات أداة وسلاحاً لها.

في البلد الأخضر تنشط عشرات المنظمات والهيئات الأهلية، يقودها وينخرط فيها أكاديميون ومثقفون وناشطون اجتماعيون، من الجنسين من مختلف المناطق والطوائف، وتسهر هذه المؤسسات على نشر الثقافة القانونية، وتغليب الانتماء الوطني على الولاءات الفرعية، وتنتقد الجوانب السلبية للعملية الانتخابية وما يكتنفها، بتفصيل دقيق وجهد استقصائي وروح نقدية، وتقدم اقتراحات ملموسة لتطوير النظام السياسي وقانون الانتخاب، وتحفز في المواطنين روح المواطنة لا المنطقة أو الطائفة او الجنس، وتؤكد على الحق في المشاركة العامة الحرة لجميع المواطنين. غير أن هذه المبادرات التي تعكس حيوية المجتمع وغناه الحضاري، تصطدم بالتقسيم الطائفي للنظام وللوظائف، الذي يمتلك آلية بلورة مصالح الفئات الاجتماعية ويكفل هذه المصالح، ويفرز زعامات تتغذى عملياً على الانعزال عن سائر المكونات الوطنية، وتنفخ في هذا الانعزال بشيفرات لغوية يدركها الجمهور المخاطب.

في بلاد العالم إن إجراء الانتخابات يمثل حلاً لانسداد سياسي، أو بروز مشكلة مستعصية على المستوى الوطني. في لبنان تبدو الانتخابات نفسها وما يكتنفها من أجواء.. مشكلة، والعزاء أنه من دونها فإن المشكلات تتفاقم بما يُزكي في النهاية الخيار الديمقراطي الذي لا بديل عنه.

عن الكاتب

كاتب ومعلق سياسي، قاص وروائي أردني-فلسطيني، يقيم في عمّان وقد أمضى شطرا من حياته في بيروت والكويت، مزاولاً مهنة الصحافة. ترجمت مختارات من قصصه إلى البلغارية والإيطالية والإنجليزية والفرنسية

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"