رئاسة القمة بعد مؤتمرها

01:44 صباحا
قراءة 4 دقائق

تنفس كثيرون، من المعنيين باستمرار العمل العربي المشترك وتطوره الصعداء، بعدما أنهت قمة دمشق أعمالها وصدرت مقرراتها وإعلانها. قبلها جرى تشويش شديد على القمة. قيل إنها لن تنعقد إلا بعد انتخاب رئيس لبناني جديد. وتردد أن الأكثرية الساحقة من الزعماء العرب سوف تقاطعها. وتوقع البعض أن تؤجل الى مكان وزمان آخرين، أو أن يستعاض عنها بقمة مصغرة تعقد في عاصمة عربية غير دمشق، فتنكسر بهذا وذاك قاعدة دورية القمة. وذهب البعض بما يشبه التفكير الرغائبي الى القول إنها لن تعقد البتة وإن عدم انعقادها سوف يؤدي الى نهاية القمة ومن بعدها النظام الإقليمي العربي.

انتهاء أعمال القمة العربية بهدوء ومن دون ارتباكات لا يعني أن القمة اجتازت دائرة المتاعب والمصاعب، فالرئيس الأمريكي بوش على الأبواب. وهو وإدارته لن يدعا دمشق تنعم بالإنجاز الذي حققته عندما تمكنت من عقد المؤتمر رغم العقبات والعراقيل التي اعترضت طريقه. رد فعل دافيد ولش، مساعد وزيرة الخارجية الأمريكية للشرق الأوسط، على القمة الذي أعلن فيه .. فشلها في معالجة أهم القضايا العربية هو مؤشر ذو مغزى على المواقف التي ستتخذها واشنطن تجاه رئاسة القمة في المرحلة المقبلة. فإذا كانت هذه الرئاسة تضفي على القيادة السورية مشروعية عربية ودولية وتسمح للرئيس السوري بالتحرك، ولو ضمن حدود ضيقة، باسم المجموعة العربية كما هي العادة بالنسبة الى التكتلات الإقليمية، فإن واشنطن سوف تسعى بكل قوة الى نزع هذه المشروعية عنه وعن قمته. ولسوف تعمل أيضاً لفرض حال من الشلل على القمة حتى يحين موعد انتقالها الى عهدة حاكم قطر خلال ربيع العام المقبل. هذه السياسة تنسجم تمام الانسجام مع سعي إدارة بوش الى استبدال النظام الإقليمي العربي بتكتل إقليمي يقوده كوندومينيوم أمريكي إسرائيلي.

إن موقف واشنطن تجاه القمة يمثل واحداً من العقبات والعراقيل التي سوف تعترض نجاح القيادة السورية في الاضطلاع برئاسة القمة. إلا أن العقبات الرئيسية تتمثل، أساساً، في التوتر الذي يسود العلاقات العربية العربية، وفي التوتر الذي يسم علاقة دمشق بالرياض والقاهرة. ومع استمرار هذه التوترات، فإنه سوف يكون من الصعب تحريك عجلة العمل العربي المشترك ومؤسساته، ومن ثم اجتياز امتحان الرئاسة بنجاح يضاهي النجاح النسبي في امتحان انعقاد مؤتمر القمة. فهل تملك دمشق وصفة معقولة وحلاً مناسباً لعقدة العلاقات العربية العربية؟

قيل إن المشكلة الرئيسية هنا هي تباين الموقف تجاه لبنان. والحقيقة أن الخلاف حول المسألة اللبنانية لا يلخص أسباب التوتر في علاقات دمشق بالرياض والقاهرة. فالتوتر في العلاقة بدأ قبل لبنان وهو أوسع من عقدة الرئاسة اللبنانية. بيد أن التفاهم حول لبنان يمهد الطريق الى حل القضايا الأخرى. والتفاهم حول هذه المسألة يقضي بالاتفاق على ثلاثة أمور رئيسية: الأول أن دمشق لا تستطيع أن تملي على حلفائها في لبنان المواقف والخيارات، خاصة إذا ما شعر هؤلاء بأن الأخذ بهذه الخيارات سوف يضع مصائرهم تحت رحمة الأقدار. الثاني أن القيادة السورية تستطيع أن تؤثر في حلفائها في لبنان بأن تبين لهم أن نجاحها في تفكيك الألغام على طريق دمشق الرياض القاهرة يمكنها من ضمان مساندة أفعل لهم. الثالث، على أن المسؤولية في استمرار الأزمة اللبنانية تقع على عاتق الأكثرية والمعارضة معاً، وليس على عاتق المعارضة وحدها. صحيح أن المعارضة ارتكبت خطأ عندما لم تقبل بالمباشرة في انتخاب الرئيس ثم الانتقال بعدها الى تشكيل حكومة ائتلافية، إلا أن موقف الأكثرية من مسألة التعاون مع المعارضة واستمرارها في التعامل معها وكأنها أداة سورية يحملها، أي الأكثرية، مسؤولية كبرى في بقاء الأزمة اللبنانية واستفحالها.

الاتفاق على هذه المنطلقات في معالجة الأزمة اللبنانية يعبد الطريق على التوصل الى مقاربة مشتركة للمسألة اللبنانية بين الدول الثلاث، ومن ثم يحد من آثارها السلبية في العلاقات بينها وفي العمل العربي المشترك عموما. بيد أن التوصل الى مثل هذا التفاهم على صعيد المسألة اللبنانية قد لا يكون سهلاً. ولسوف ترتكب دمشق خطأ إذا تركت المسألة اللبنانية، على أهيمتها، تستنزف جهد رئاسة القمة العربية. ذلك أنه من المفروض أن تكون لهذه الرئاسة مهامها وتبعاتها المستقلة عن مهام القيادة السورية ومسؤولياتها. وسعياً وراء الاضطلاع بمهام الرئاسة العربية فإنه من المفيد أن تركز دمشق على قضايا العلاقات الوظيفية العربية.

في هذا السياق الأخير، فإنه من المهم أن تتحرك رئاسة القمة بنشاط ومثابرة من أجل ضمان عقد القمة الاقتصادية العربية كما تقرر في قمة الرياض. ولقد كان من المقرر عقد هذه القمة في نهاية العام الحالي، ولكن الموعد أجل الى العام المقبل. ورغم أن الموعد الجديد المقرر هو في مطلع عام 2009 إلا أنه لم يحدد بدقة حتى الآن. وجرى تأجيل هذا الحدث المهم والحيوي دون أي مبرر مقبول ومن دون شرح أو تفسير. ولعل السبب في ذلك هو الخلل في تركيب اللجنة التحضيرية للقمة الاقتصادية اذ تم تجاوز المجلس الاقتصادي والاجتماعي التابع للجامعة، هذا فضلاً عن هيئات إقليمية أخرى تعنى بالعلاقات الاقتصادية العربية وتملك الأهلية المناسبة لتحضير القمة. أو قد يكون سبب التأجيل أكثر جدية وخطورة بحيث يعكس رغبة في ترحيل القمة الى أجل غير مسمى تمهيداً لطي صفحتها بالمرة، كما حصل في السابق.

في الحالتين فإن الضرورات العربية الملحة تقضي باهتمام رئاسة القمة بهذه المهمة وسعيها الى تحديد موعد ثابت لانعقاد القمة الاقتصادية، وضمان التقيد بهذا الموعد والتأكد من سير عملية التحضير له دون عثرات وارتباكات. ويمكن التأكد من سير هذه العملية عبر توسيع العمل التحضيري بحيث يشمل المسؤولين المباشرين عن القضايا الاقتصادية في مؤسسات العمل العربي المشترك من الذين يملكون خبرة واسعة في هذا المضمار وفي مجال تحضير المؤتمرات الإقليمية، وكذلك عن طريق بلورة برنامج زمني واضح ومحدد لسير العملية التحضيرية.

إن الاهتمام بالقمة الاقتصادية سوف يشكل معبرًا الى تنمية التعاون الفعلي بين الدول العربية ومن ثم الى التهوين من فاعلية بعض الصعوبات السياسية التي تتخلل العلاقات العربية العربية. علاوة على ذلك، فإن الإسراع في إيجاد حل للمسألة اللبنانية سوف يساعد على إزالة المطبات والأفخاخ التي تعترض طريق التعاون الإقليمي العربي.

عن الكاتب

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"