ليتها تقف عند سرقة لوحة تشكيلية أو حتى سرقة متحف بأكمله، فهناك أوطان بكاملها تُسرق في عتمة الليل وفي وضح النهار . . هناك أنهار وبحيرات وبحار يتم السطو عليها بالقوّة وبالقرصنة، وهناك أيضاً مجموعات آثارية تاريخية لا تقدّر بثمن إما يتم تهريبها أو وضع اليد كلياً عليها، كما تفعل سلطات الاحتلال الإسرائيلية التي لم تسرق الآثار والرقم والمخطوطات فحسب، بل نهبت الذاكرة الفلسطينية التي تتمثل بعض رموزها الحية في فن شعبي عريق مثل التطريز، وفي الآونة الأخيرة، لم تكتف إسرائيل بذلك، بل راحت تغيّر أسماء النباتات والأزهار البرية الفلسطينية وتستبدلها بأسماء عبرية، وهو سلوك مجرم يدلّ فقط على أن هذا الكيان بلا مرجعيات على الإطلاق حتى لو تعلق الأمر بالطبيعة وحتى الأعشاب، وهذا أمر طبيعي، فعندما تأتي قطعان المستوطنين اليهود من أوروبا ومن أمريكا إلى أرض لا يعرفونها ولا يعرفون طبيعة أشجارها وهوائها، فمن غير المستغرب أن يقوم هذا الاستيطاني الغريب بتوليف وتلفيق أسماء جديدة لكل شيء أو لكل كائن حيّ وغير حيّ، ولكن من حكمة الطبيعة أيضاً ومن حكمة التاريخ أن طريق الكذب والتلفيق قصير مهما طال، والأرض في النهاية تطلب أهلها، ولن تتكلم إلا بالعربي .
مناسبة هذا الكلام ما يدور في الأخبار منذ يومين عن سرقة لوحة زهرة الخشخاش للفنان الهولندي فان كوخ من أحد المتاحف المصرية بسبب تعطل كاميرات المراقبة الأمنية في المتحف، إضافة إلى أن أجهزة الإنذار لا تعمل وسط حالة إهمال لحقت بالمتحف وجهازه الأمني، الأمر الذي أدى بالنائب العام المصري إلى إصدار أمر بحبس عدد من الموظفين في قطاع الفنون على ذمة التحقيق .
قامت الدنيا ولم تقعد من جرّاء سرقة لوحة تساوي 50 مليون دولار، ومثل هذه الزوبعة وفي مثل هذه السرقات الفنية وفي حادثة سرقة لوحة الموناليزا للفنان الإيطالي ليوناردو دافنشي قبل سنوات، انقلبت الدنيا أيضاً، وأصابت الأخبار هزّة إعلامية .
نحتاج حقاً إلى مثل هذه الهزّات والتحقيقات والأنظمة الأمنية والكاميرات الرقابية ليس عند سرقة اللوحات فقط، بل عند سرقة الأوطان والذاكرة والثقافة والتاريخ .
فهذه أغلى بكثير من ملايين الدولارات، وهي كلّها ليست زهرة خشخاش، بل زهرة القلب .