عن عمر ناهز ال 83 عاماً، رحل الرئيس التونسي الأسبق زين العابدين بن علي، تاركاً وراءه الكثير من الأسرار التي أرّخت لأول شرارة لاندلاع احتجاجات نهاية شهر ديسمبر/ كانون الأول من عام 2010 عرفت لاحقاً بما يسمى «الربيع العربي»، والتي بدأت عفوية بإحراق الشاب البوعزيزي نفسه في مدينة سيدي بوزيد، احتجاجاً على الظلم الذي لحق به من قبل أجهزة السلطة، لتكون هذه اللحظة نقطة التحول الرئيسية في الأوضاع التي نعيشها في الوطن العربي منذ ذلك التاريخ وحتى اليوم.
«الآن فهمتكم».. كلمتان كانتا ضمن خطاب ألقاه ابن علي إثر الأحداث التي اجتاحت العديد من شوارع تونس العاصمة ومناطق أخرى من البلاد، لكنها عبرت بشكل أو بآخر عن الحالة التي وصلت إليها تونس، التي كانت تبحث عن حرية أكبر، وعمل ديمقراطي أوسع، وفرصة أفضل للعيش، وعن خطوات أكثر جدية للقضاء على الفساد، الذي كان يضرب أجهزة الدولة ومؤسساتها، مع أن تونس كانت تشكل حالة أفضل من عدد كبير من الدول العربية فيما يتعلق بقضايا التعليم والصحة وغيرها من الخدمات.
«الآن فهمتكم».. أراد ابن علي من خلالها أن يستميل قطاع الشباب الغاضب الذي لم يكن يجد وظيفة بعد أن أغلقت أمامه أبواب المستقبل، لكنه تأخر كثيراً، خاصة بعد أن بدأت الاحتجاجات تتسع تدريجياً، وعوضاً عن أن يبقى في قصر قرطاج استقل الطائرة متجهاً إلى المملكة العربية السعودية، التي بقي فيها حتى أيامه الأخيرة.
كانت الاحتجاجات الأولى من نوعها التي تجتاح تونس، وعرفت ب«ثورة الياسمين»، وقد كانت كذلك نظراً لعدم اتساع الخراب الذي ضرب بلداناً غيرها. صحيح أن الاحتجاجات حصدت أرواح الكثير من الأبرياء في أيام معدودة، إلا أنها توقفت عن حد التعامل المسؤول من قبل مؤسسات الدولة التونسية، التي تعد واحدة من أهم المؤسسات في الوطن العربي، حيث تمكنت من احتواء الأزمة والتحكم بإيقاعها، خاصة بعد خروج الرئيس ابن علي واعتزاله العمل السياسي، وهو ما وفر على التونسيين دماءً كثيرة سالت في أكثر من بلد عربي انساقت وراء موجة الاحتجاجات تحت شعارات «إسقاط النظام»، لكنها لم تسقط أنظمة بل أسقطت دولاً وأحالتها إلى خراب، كما حصل ويحصل في ليبيا واليمن وسوريا وغيرها.
حَكَم ابن علي تونس 23 عاماً بعد انقلاب على حكم الرئيس الحبيب بورقيبة عام 1987، واتسمت فترة حكمه بانقسام الشعب بين مؤيد ومعارض، فهناك من يراها حقبة سلبية، خاصة لجهة تقييد الديمقراطية، فيما يرى آخرون أن الرجل كان أحد رواد التغيير والانفتاح في البلاد، وأنه تمكن من نقل تونس من حال إلى حال أفضل، مع بعض الملاحظات على أدائه السياسي، لكن الكثير يشهد له بأنه لم يكن دموياً، رغم أنه بنى نظاماً أمنياً صارماً، لكن خطأه الكبير هو سعيه لإطالة عمره في السلطة، والذي كان يتعارض مع وعوده السياسية عند وصوله إليها.
صادق ناشر