رجل في الخمسين من العمر، يجلس بالقرب من نافذة منزله، وحيداً، كما يقول عبدالوهاب البياتي مثل حصان يصهل في الصحراء . بالقرب منه شجرة صفصاف تتساقط عليه من أغصانها دموع خضراء .
انتبه فجأة إلى زجاجة عطر كانت امرأة قد دفعت بها إليه، أو هكذا، أعطته الزجاجة وهي تبتسم عندما فتحت حقيبة يدها، وقدمت العطر الذي هو عطرها وليس عطرها إليه وهو صامت تماماً، فما كان منه إلا أن مد يده نحو يدها وتناول الزجاجة كما لو أنه أعمى تدله بصيرته، لا أنفه، إلى الرائحة .
انتهت الحالة سريعاً، أو انتهى التبادل الذي جرى في الماضي، وليكن قبل ثلاثين عاماً عندما كان الخمسيني في عز شبابه، وكانت هي في مرآة شبابها تتجول في المرآة، وتقول لنفسها وهي، مرة أخرى تبتسم: . . أنا أجمل من العطر .
جفف دموع الشجرة عن قميصه، وانتبه مرة أخرى إلى كتاب كان قرأ نصفه وتركه على طاولة صغيرة مفتوحاً عند الصفحة التي قرصت قلبه من شدة هذا الفن البشري الذي لا يمكن أن يشبه الموسيقا أو الشعر أو الرسم، فالتعذيب إبداع أسود، قال لنفسه: كان الكتاب يتحدث عن تاريخ التعذيب في العالم .
قام من مكانه، وحمل زجاجة العطر ووضعها فوق الكتاب، ليس هناك ما هو أجمل من منظر زجاجة عطر أو وردة أو خاتم أو قلم . . فوق كتاب، حتى لو كان كتاباً عن فن التعذيب .
صناعة العطر . . فن، وصناعة التنكيل . . فن أيضاً، مع ملاحظة الفارق الموضوعي بين رجل يستخلص الرائحة العطرية من وردة، ورجل آخر يتفنن في صناعة السياط والهراوات . . والغاز المسيل للضلوع .
انتهى الرجل من تداعياته، وقلب الصفحة عن وجه المرأة القديمة التي كانت تتجول في المرآة في ذروة شبابها وفي ذروة شبابه، وقال لنفسه جملة تقريرية واحدة . . لا يمكن ترويض العنف والدم والكراهية إلا بالتنفس .
العالم مختنق، وعليه أن يتنفس، وإلا سيبتلعه الطوفان .
العطر . . عليك بالعطر ضد رائحة الرصاص . تنفس بقوة، وخذ الجمال كله إلى أدغال قلبك .
عليك بالكتب والذكريات والطفولة . . عليك بالحب .
. . وهذا ما فعله الرجل الخمسيني الذي شعر للمرة الأولى في حياته بأنه اختزال بشري في قارورة عطر وصفحات كتاب، وأنه ليس وحيداً بالمرة، وأن دموع الشجرة الخضراء التي كانت تتساقط عليه . . ما هي إلا شتاء امرأة .