قراءة الشاعر السوري الراحل محمد الماغوط في العيد تتناقض مع مناخاته الشعرية، ومزاجه الحزين . هو شاعرحزين بامتياز خصوصاً عندما تحضر دمشق في قصائده . ولكنه ليس كئيباً . ثمة فرق كبير بين الحزن والكآبة . الحزن يجلو القلب ويوّهجه، أما الكآبة فتطمس الروح، بل، تطمس حتى الجسد . والماغوط، حتى في مناخ العيد، شاعر متوهج . شاعر دمشقي حتى العظم .
عند باب توما في دمشق يتوقف الماغوط ونسمعه يتنهد ويقول: أشتهي أن أقبّلَ طفلاً صغيراً في باب توما، ومن شفتيه الورديتين، تنبعث رائحة الحليب الذي رضعه، فأنا مازلت وحيداً وقاسياً . . أنا غريب يا أمي .
محمد الماغوط ليس وحده صنيعة دمشق، الياسمين الدمشقي يفوح من قصائد نزار قباني الذي حوّل الشعر إلى نوع من العطر النسائي اللذيذ .
يجري نهر بردى في شعر محمد الماغوط، ويجري النهر أيضاً في شعر نزار قباني . كان الماغوط يكتب الشعر وهو يأكل الخبز الحافي، ويجلس على حافة بردى ويبكي . نزار قباني كان يكتب الشعر وهو يرتدي بدلة زرقاء وربطة عنق وأمامه زجاجة عطر .
دمشق مدينة شعراء .
كان ضحك ممدوح عدوان يخترق الهواء والجدران ويصل قاسيون، وهو جالس في مطعم اتحاد الكتّاب العرب في المزّة . حوّل ممدوح عدوان الشعر إلى عاصفة من الرفض والسخرية . السخرية القاسية من أساتذة الموت، وأقطاب المأساة . . تماماً، مثل علي الجندي الساخر الكبير أيضاً . الضاحك الكبير أيضاً . شاعر كلّه دمشق وكلّه بردى، وكان بالشعر يمنع الغرباء والقتلة من دخول المدينة أو الاستحمام في النهر .
دمشق عاصمة للشعراء .
فيها قبر ابن عربي، وعبد الوهاب البياتي، وديك الجن الحمصي، في دمشق مقامات خضراء بالسرو والصفصاف لملوك القصائد التي تشبه القلائد، لذا، كان يرتجف الحزبيّ، والساديّ، والانتهازي عندما يمرّون بالقرب من هذه القبور والمقامات .
أقرأ وجه دمشق في شعراء دمشق السوريين منهم وغير السوريين في صباح العيد . . عيد بردى الطفل الأشقر الذي يدرج على يدين ورجلين بلا لحم ولا عظام ولا كلام .
هل تتكلم الأنهار؟
يا ليتها تتكلم، وإن تكلّمت، فيا تُرى ماذا ستقول؟