اعتبر مسؤول إيراني أن الأزمة التي ثارت بخصوص الموقف الإيراني، إزاء دول الخليج ومملكة البحرين بالذات أنها مفتعلة وخلقتها وسائل الإعلام، على ما قال الناطق باسم وزارة الخارجية في طهران، حسن قشقوي الخميس الماضي 19 فبراير/ شباط الجاري.
في واقع الحال إن وسائل الإعلام عكست وجود هذه الأزمة، وذلك من صميم عمل الصحافة، ولم تفتعلها. لم تضع الصحافة كلاماً في فم مستشار المرشد علي لاريجاني، حين اعتبر البحرين تاريخياً المحافظة الرابعة عشرة في الجمهورية الاسلامية. من المفيد أن يتم التراجع عن مثل تلك التصريحات التي تنال من سيادة بل كينونة بلد جار، غير أن الأفضل من ذلك أن لا تصدر في الأصل مواقف تلقي بظلال سلبية على العلاقات الثنائية، وتثير شكوكاً جدية في النوايا. ثم يُصار الى سحبها بعد أن تفعل فعلها.
لذلك لم يكن مفاجئاً أن تصدر تصريحات منددة في العالم العربي، ابتداء من دول الخليج.إذ رأت الأمانة العامة لدول مجلس التعاون على لسان الأمين العام عبدالرحمن العطية، أنه عندما يتم المساس بأمن مملكة البحرين وسيادتها واستقلالها، فذلك مرفوض وخط أحمر لا نقبل بتجاوزه. ورأى العطية في تصريحات منشورة الجمعة في 20 الجاري أن التصريحات تنم عن جهل مفضوح، واستهتار بمدى حسن الجوار ولا تخدم التعاون المشترك وسيكون لها تأثيرها.
كان وما زال يفترض بالمسؤولين في طهران إدراك مدى حساسية المس بالكيانات القائمة او التأثير على نسيجها الاجتماعي.ايران نفسها تعرضت لمثل هذا المساس، خلال الحرب العراقية الإيرانية الطويلة في ثمانينات القرن الماضي، وكان وما زال يجدر بالمسؤولين فيها أن لا يُحبوا لغيرهم ما لا يرتضونه لأنفسهم وبلادهم.
وإيران نفسها وقفت موقفاً جيداً ضد احتلال النظام العراقي السابق لدولة الكويت، وذلك في إشارة منها الى احترام كيانات الدول وعدم التفكير بالمساس به، والأهم أن لا تسوغ دول ترى أنها كبيرة النيل من دول أخرى تراها صغيرة، وهو باعث محاولة النيل من دولة الكويت، واحتسابها محافظة تاسعة عشرة لجمهورية البعث في العراق.
وها هي الأيام تدور لتستهوي أرقام المحافظات مسؤولاً إيرانياً مثل علي لاريجاني، ل يمنح دولة أخرى رقماً من أرقام محافظات بلده. ولاريجاني كبير مفاوضين سابق حول الملف النووي، ويفترض أنه يدرك أفضل من سواه، مدى حساسية التعرض لسيادة الدول. خاصة حين تتكرر بين آونة وأخرى، مثل هذه التعرضات من مصدر واحد وتستهدف بلداً بعينه.
منذ مطلع التسعينات، ومع الاقتحام الأمريكي للمنطقة المحمول على مطامع اقليمية بينية، زادت الحساسيات والهواجس بخصوص الكيانات وسيادتها وحدودها والنسيج الاجتماعي لمجتمعاتها. التطورات اللاحقة ومنها انتخاب أوباما رئيساً للولايات المتحدة، تثير قدراً من الأمل بطي هذه الصفحة ولو تدريجياً، وذلك بتعاون وتضامن دول وشعوب المنطقة، ووقف أطماع أي أحد ضد أي أحد.. التصريحات بشأن مملكة البحرين، تأتي في اتجاه يعاكس هذه الآمال: كلما داويتَ جُرحاً يسيلُ جُرحُ.
من المعلوم أن دول المنطقة في الخليج والمشرق العربي، تبدي تحسسا ولو ب مقادير متباينة إزاء ما تعتبره تمدداً ايرانياً. وسواء كان هذا التحسس مبالغاً فيه أم يعكس واقعاً قائماً، فإن طهران مدعوة في جميع الأحوال لتبديده لا لتعظيمه. ولا ينفع في هذا المجال التذرع بالأطماع الأمريكية والخطر الصهيوني، وضرورة إيلاء الأولوية للتصدي لهما. فهذا التحدي ينبغي أن لا تُضاف اليه ولا تنشأ الى جانبه، محاذير ومخاوف أخرى وإلا تشتت الجهود لمناوأة تحديات الاستكبار، واختلطت الأولويات واضطرب جدول الأعمال. وقد دأبت طهران على التذكير بتلك التحديات والإشادة بالمقاومات الإسلامية، ما يقتضي رص الصفوف وحشد الطاقات، وتفادي خلق مشكلات فرعية جسيمة تضعف الثقة بين مكونات الإقليم، وتهيئ لنفوذ خارجي.
اللافت في غمرة دفاع الناطق بلسان الخارجية في طهران عن الموقف الإيراني بخصوص هذه المسالة، أنه وهو قشقوي قد عمد إلى تمرير فقرة، حذر فيها مما أسماه إعادة فتح ملف الخلافات القديمة على الحدود، ومن يسمع تلك العبارة يخال لأول وهلة أن هناك أطماعاً عربية في الأراضي الإيرانية مثلاً. واقع الحال انه ليست هناك خلافات قديمة مع الجمهورية الاسلامية، بل إن الخلافات العربية هي مع تركة عهد الشاه الامبراطوري، الذي استولى على جزر إماراتية عشية استقلال دولة الإمارات. وبدل ان تصحح الجمهورية الاسلامية هذه الخطيئة اعتبرتها حقاً مكتسباً وغنيمة.وهو ما حمل مصدراً مسؤولاً في وزارة الخارجية بدولة الإمارات على إدانة التصريحات العدائية اللامسؤولة والمتكررة من مسؤولين إيرانيين إزاء مملكة البحرين وما تتضمنه من تزييف لحقائق تاريخية ثابتة. التزييف المشار إليه بخصوص البحرين، يجد مقدمات له في دوام الاستيلاء على الجرز الثلاث، وتغيير معالمها والإحلال السكاني فيها، ورفض التفاوض بشأنها أو إحالتها الى التحكيم الدولي.وهي خلافات أصرت طهران على وراثتها من العهد السابق كما هي، ولم تبادر لوضع حد لها بما ينسجم مع التغيير الشامل الذي أقدمت عليه الثورة، التي يحتفل الايرانيون هذه الأيام بمرور العقد الثالث على قيامها.