كائن مكشوف

رفيف
02:53 صباحا
قراءة دقيقتين

نفس قوية متماسكة يمكنها حمل جسد ضعيف، وجسد قوي يمكنه أن يحمل نفساً ضعيفة . . تقابُل عضوي سيكولوجي من السهل التوصل إليه في روايات كاتب مثل دوستوفسكي الذي كان كما يبدو من قراءته يكتب وهو يرتجف لا لأنه خائف أو بردان، بل لأن التوغل في النفس البشرية ومراقبتها سواءً في الكتابة أو في الحياة هو أمر مرهق، ولكنه إرهاق جميل لأنه يقع في حقل ثقافي بالدرجة الأولى، والثقافة مهما كانت متعبة، تظل فعلاً صحياً تتجدد فيه دورة الدم .

النفوس المريضة والمعقّدة أو المركبة، كانت وما زالت موضوع الكتابة سواءً في الرواية أو في الشعر، وكانت أيضاً هذه النفوس غير السوية حقلاً للتفكير السيكولوجي على يد مفكر مثل فرويد الذي اشتغل في حقل الأدب على منطقة بعيدة تماماً عن قراءات وتوصيفات النقد الأدبي أو النقد الثقافي الذي ينشغل بالنص وفضاءاته وتأويلاته .

النفس البشرية الأمّارة بالقبح والشر والخوف والجريمة والظلم والاستبداد، على رغم كل هذه القائمة الطويلة السوداء، تقابلها دائماً في كل زمان ومكان نفس أمّارة بالجمال تبحث عن العدالة وتتقدم بشجاعة إلى أرض كرامة الإنسان حتى لو كلّفها ذلك الموت أو الاستشهاد .

روح النفس البشرية، جوهرها، وعمقها، بواطنها وظواهرها، مخبآتها وكشوفاتها، أبيضها وأسودها . . كل ذلك يظهر في العينين، في كلمة عابرة أو في زلة لغة أو زّلة لسان، في حركة الجسد ولغته، في الصمت وفي الغضب، حتى في النوم، كما في الصحو، بل أكثر من ذلك تظهر طبيعة النفس في الثياب وألوانها . . في رائحة العطر، أو قل حتى في الرائحة، كأن للغضب رائحة، وكأن للمرح رائحة . . التسامح، الودّ، المحبة، الكراهية، الحقد الحنق، الغل . . كل ذلك له لغة، وله رائحة .

الإنسان كائن مكشوف، مُجرد من قشرته تماماً، حتى لو غطى جسده ببدلة ومعطف أو حتى بكفن .

العينان تكشفان، اللغة تكشف . الجسد كشّاف الجسد، والكلام يكشف، حتى الصمت يعرّي الكائن البشري ولو تغطى بجلد غزال .

إلى هذا الحد يقف ابن آدم وحواء أمام ألوف المرايا، ولا يعرف أنه مخلوق مرمي في العري والعراء، ومع كل ذلك، يجهل حقيقته؟

ما العمل؟

أين التغطية والستارة للنفس والجسد والروح وحتى اللغة؟

عليك أيها الإنسان الضعيف والقوي في آن واحد . . بالحب، عليك بكأس ماء بارد اسمه الحب، هذا الخبز المأخوذ من سنبلة القلب . . إذا كان لك قلب .

[email protected]

عن الكاتب

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"