ميل الأطراف العربية للارتياح إلى تصريحات ومواقف الإدارة الديمقراطية في واشنطن، مع الحذر من ألا تقترن الايجابيات اللفظية بأية آليات للعمل بما يتعلق بتسوية الصراع العربي الإسرائيلي. هذا الارتياح إزاء أوباما وفريقه، سرعان ما ينقلب إلى كدر مع ملاحظة التطرف الجامح في تل أبيب مع صعود نتنياهو وطاقمه، وما يتخلل ذلك من خشية بأن يلعب الجناح الأشد يمينية للوبي الصهيوني في الولايات المتحدة، دوراً في كبح الإدارة والبيت الأبيض عن فعل شيء ذي بال، يضع حداً للنزعة التوسعية والعدوانية لدى حكومة تل أبيب، ويعيد الاعتبار لعملية سلمية جدية.
الخشية أن يقف الجانب العربي في حالة سكونية يراقب فيها من بُعد تفاعلات العلاقة بين الديمقراطيين في واشنطن والليكود الإسرائيلي بامتداداته داخل الولايات المتحدة، باستثناء أسلوب المناشدات وإطلاق الأمنيات. في واقع الأمر أن هذا النمط غير التدخلي من الدبلوماسية التقليدية، يحد من فرص ظهور تباينات وخلافات بين واشنطن وتل أبيب، حين يكون كل شيء هادئاً في الشرق الأوسط، والجمود المقيم هو سيد الموقف.
في غمرة ذلك، فإن المبادرة العربية للسلام التي باتت جزءاً من قرارات مجلس الأمن، تمثل فرصة لإدارة حملة سياسية مهمة، يتم من خلالها تنظيم العلاقة مع إدارة أوباما، ووضع محددات للموقف العربي. ذلك أن هذه المبادرة التي مضت سبع سنوات على إطلاقها في قمة بيروت، لم تلق ازدراء من تل أبيب فحسب، إذ إنها ووجهت بتجاهل أمريكي خلال ولايتي بوش وتم الاستعاضة عنها بجملة من الحروب والاجتياحات للأراضي المحتلة، بتسويغ أمريكي دائم ومسبق.
في ظل الوضع الناشئ، فإن نقطة البداية لكسر الجمود تتمثل في حمل إدارة أوباما على دعم صريح وجدي للمبادرة، ودعوة الأطراف للتعامل معها والعمل بمقتضاها، وإدارة مفاوضات مرعية دولياً على أرضيتها. فإذا حزم العرب أمرهم منذ البداية على الالتزام بهذا المنظور، واستثمروا جيداً التوجهات الايجابية المبدئية للرئيس الأمريكي وإدارته، فإن ذلك سيمهد لما يتحدث به محللون عن صدام محتوم بين أوباما ونتنياهو، مع أن المرء لا يميل للأخذ مسبقاً بهذه الحتمية وذلك بالنظر إلى تاريخ العلاقات الأمريكية الإسرائيلية. غير أن الافتراق بين الجانبين واضح، وهو لا يقل عما كان عليه بين جورج بوش الأب واسحق شامير في العام ،1991 عشية انعقاد مؤتمر مدريد، حين تم حمل شامير على المشاركة في المؤتمر الدولي بغير رغبة منه.
ومع عدم ترجيح سيناريو على آخر، في مستقبل العلاقة بين واشنطن وتل أبيب بخصوص الشرق الأوسط، فإن النقطة المفصلية بالنسبة للعرب يتعين أن تتركز على رفض أن تقوم خصوصية العلاقة الأمريكية الإسرائيلية على حساب العرب وحقوقهم، وألا تكون تصفية القضية الفلسطينية ثمناً لها. بل ألا تكون الشرعية الدولية وأحكام القانون الدولي ضحية لها. بهذا يميل المرء إلى وجوب استثمار التغيير الأمريكي، حتى لو قال البعض مُحقين، إن هذا التغيير لم تتضح ملامحه بعد وإنه ما زال لفظياً وفي إطار إبداء النوايا الطيبة. فمن واجب الأطراف العربية، أن تسهم من جانبها في بلورة التوجهات الأمريكية الجديدة، بكل ما يلزم من مبادرات ودينامية مطلوبة.
مغزى كل ما تقدم أن الانسداد الذي تراهن عليه وتدفع نحوه تل أبيب، غير قابل للاختراق سوى بمواقف جدية تبدأ بالتماس صيغة فضلى للتعامل مع واشنطن، والظروف تبدو مهيأة لذلك مع إدارة أمريكية جديدة اختارت لغة سياسية تفترق عما سبق، وتبث آمالاً عريضة، وترجمة هذه الآمال على أرض الواقع تتطلب مبادرات نشطة، والتذكير بأن هذا الوضع غير قابل للاستمرار، وقد أثبتت الحروب على لبنان وغزة أن تل أبيب عرضة للخسارة ولتقوض نظرية الردع المطلق، وأن الأضرار لا تلحق بالجانب العربي فقط، وأن العملية السلمية المبهمة والخادعة لن تكون بديلاً عن سلام فعلي على الأرض يضع حداً للاحتلال والتوسع.
تسعى واشنطن رغم غموض الآليات حتى الآن، إلى استراتيجية خروج من العراق، واستراتيجية حوار مع طالبان ومع طهران، وإلى استراتيجية سلام في الشرق الأوسط. تمكين واشنطن من الالتزام بهذه التعهدات بما يخص منطقتنا، يقتضي المساهمة معها في بلورة السيناريوهات والبرامج، لتنفيذ هذه التعهدات ضمن جدول زمني مرئي، وعدم ترك الأمر لليكوديين في أمريكا، أو ل حسن فطنة الرئيس الجديد وفريقه.