ممثل لثورة شعبية على رأس الجامعة العربية

04:24 صباحا
قراءة 4 دقائق

شكل اختيار نبيل العربي أميناً عاماً للجامعة العربية مفاجأة ممتازة . لم يعترض عليه أحد من الوفود العربية . سحبت قطر برشاقة مرشحها عبدالرحمن حمد العطية، وكانت مصر بدورها سحبت المرشح السابق مصطفى الفقي . وتقدم العربي كمرشح لا منافس له . لم تعترض الجزائر هذه المرة على مرشح مصري، وسارت سوريا مع الإجماع . حدث ذلك يوم الخامس عشر من مايو/أيار، ويا له من توقيت دال . كان الاحتفال بذكرى النكبة يتم على نبض الربيع العربي زحف على الحدود مع فلسطين المحتلة وبوادر انتفاضة في الداخل . النظام العربي الرسمي لا شأن له بهذه المناسبة ولا شأن له بأي شيء غير التحسب من مؤامرة تحيكها الشعوب طلباً للحرية والكرامة .

نبيل العربي (76 عاماً) يأتي من خارج السرب، فهو أحد خيارات الثورة الشعبية في مصر، التي نالت التفافاً حولها في العالم العربي وألهمت شعوباً شقيقة أن تتحرك . وهو دبلوماسي عمل طويلاً ممثلاً لبلده في الأمم المتحدة في جنيف ونيويورك . يؤمن الرجل إيماناً عميقاً بأحكام القانون الدولي، غير الخاضعة للتسييس خاصةً من طرف الدولة العظمى والدول الكبرى، وقد برز اسمه كأبرز المطالبين بإعادة النظر في اتفاقية تصدير الغاز المصري إلى تل أبيب . بعد انتصار الثورة المصرية كتب مقالاً في صحيفة الشروق المستقلة أكد فيه أن مصر لها وزن كبير ولها دور تاريخي مهم، ولها إسهامات في جميع المجالات الدولية وليس في العالم العربي ومحيطها الإفريقي فقط . ولا يليق أن تتسم سياساتها الخارجية والمواقف التي تتخذها بالارتجالية، أو بمخالفات جسيمة لقواعد أساسية في القانون الدولي .

وشدد العربي على أن الموقف الذي تتبناه مصر تجاه الحصار المفروض على قطاع غزة، يتعارض مع قواعد القانون الدولي الإنساني، التي تحرم حصار المدنيين حتى في أوقات الحروب . لم يطُل به المقام على رأس وزارة الخارجية وهو أحد بُناتها وأبرز أركانها، فقد تضافرت ظروف موضوعية رشحته للموقع الأول في الجامعة العربية . فقد كانت هناك بعض الاعتراضات على المرشح المصري السابق الفقي، ونجاح العطية المرشح القطري لم يكن مضموناً . وليس هناك من طرف عربي يرغب بالاعتراض على مرشح الحكم الجديد في مصر .

تل أبيب بهتت أمام هذا التطور وهي التي يصف زعماؤها الرجل بأنه معادٍ لإسرائيل، نظراً لتشدده في أثناء المفاوضات على كامب ديفيد، وكان حينها أواخر سبعينات القرن الماضي يترأس الدائرة القانونية في الخارجية المصرية . ولم يعرف عنه بعدها أنه من المعولين على المسيرة السلمية . لقد تم اختيار الرجل أميناً عاماً للجامعة يوم 15 مايو/أيار، فيما كانت الدول العربية تشهد اندلاع احتجاجات ضدها في الأراضي المحتلة، وعلى حدود فلسطين المحتلة .

وغير بعيد عن مقر الجامعة في القاهرة وتزامناً مع هذا التطور كان آلاف من الشبان المصريين يعتصمون أمام السفارة الإسرائيلية مطالبين بقطع العلاقات مع تل أبيب وطرد سفيرها . والمثير أن أعداداً كبيرة منهم تعرضت لإصابات على يد رجال الشرطة . يبدو ما جرى غريباً بعض الشيء من ناحية شدة القمع الذي تعرض له المحتجون . لكن من الواضح أن مصر ليست في وارد نقض اتفاقيات دولية ومنها (للأسف!) الاتفاقية مع تل أبيب، وخاصة في المرحلة الانتقالية التي تعيشها البلاد . وبالربط مع اختيار العربي أميناً عاماً للجامعة، فقد سبق له في المقال الذي نشرته الشروق أن دعا لاحترام مصر للاتفاقيات الدولية التي وقعتها، وهو إعلان تعتمده سائر الدول في مثل هذه الظروف، حين يقع تغيير في نظام الحكم لديها .

على أن هذا الالتزام القانوني لا تترتب عليه التزامات سياسية واسعة وكبيرة بالضرورة، وهو الأمر المنتظر من الحكام الجدد في مصر، إذ يشهد لهم أنهم لم يجروا اتصالات ولا استقبلوا اتصالات من تل أبيب . هذه الروحية وهذه الرؤية تتوافران للمسؤول الأول في الجامعة العربية . فالاتفاقيات مع تل أبيب لا تمنع اتخاذ سياسات نقدية حازمة تجاهها، وتخفيض مستوى العلاقات إلى أدنى حد ممكن معها، واحترام المقاطعة الشعبية للتطبيع والتساوق معها . كما أنها لاتحول دون ربط العلاقات مع واشنطن، بمدى احترامها للقانون الدولي وللشرعية الدولية بما يتعلق بدولة الاحتلال الصهيوني .

هذه هي السياسة المنتظرة والمتوقعة من الجامعة العربية في عهد نبيل العربي . الطموح الواقعي أن تتبدى هذه المؤسسة جامعة للشعوب لا للدول فقط . وأن يرتفع فيها الصوت وتعتمد السياسات ضد الاحتلال والهيمنة الخارجية والتدخلات الأجنبية الرامية إلى إخضاع الدول والشعوب، وأن يعلو الصوت إلى جانب ذلك ضد كل نظام يقتل شعبه، ويتخذ من الشعب عدواً له . والراجح في جميع الأحوال أن الخلخلة التي يعيشها العالم العربي حالياً، وإلى نهاية العام الجاري على الأقل، لن تكون بلا أصداء في أروقة الجامعة العربية، بعد أن باتت مناوأة الاستتباع للخارج، ومناوأة العسف الدموي في الداخل العربي، قضية واحدة غير قابلة للانفصام تحت أي شعارات، وبعد أن بات يقف على رأس الجامعة من رشحته الثورة في أكبر دولة عربية هي دولة المقر .

عن الكاتب

كاتب ومعلق سياسي، قاص وروائي أردني-فلسطيني، يقيم في عمّان وقد أمضى شطرا من حياته في بيروت والكويت، مزاولاً مهنة الصحافة. ترجمت مختارات من قصصه إلى البلغارية والإيطالية والإنجليزية والفرنسية

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"