ومن يُعنى بمتابعة الجانب الإعلامي في هذه المناسبة، سوف يقع على حصاد وفير من القراءات والاستخلاصات، التي تعكس حضور وسائل الإعلام الجديدة: فالفضائيات والإذاعات ومواقع الأخبار الإلكترونية، تتصدر السباق في بث ما هو جديد أولاً بأول. بث الأخبار عبر الهاتف المحمول هو تطور جديد في الإعلام المباشر. النقل لا يعتمد النص فقط بل يحمل الصوت والصورة معاً. لم يعد الجمهور بحاجة للانتظار إلى اليوم التالي، كما كان الحال في ما مضى، أو الإصغاء لمحطات أجنبية للتعرف إلى ما يجري في منطقتنا. وشيئاً فشيئاً تنشغل أوساط من الجمهور في مقارنة متابعات هذا الحدث بين هذه الوسيلة الإعلامية أو تلك، وليس ذلك في حد ذاته أمراً خاطئاً، لولا أن هذا الانشغال يتم على حساب التدقيق في المضمون والأثر السياسيين لهذا الحدث. على أن الزخم الإعلامي يتدفق في هذه المناسبة، لنحو أسبوع واحد، بانتظار مناسبة خصبة أخرى كهذه.
المقصود بكل ما تقدم، أن حدثاً سياسياً بالغ الأهمية كحدث القمة العربية، بات الجانب الإعلامي فيه يطغى على ما عداه. الدول باتت تتنبه جيداً لهذا الأمر، فتتسابق على امتلاك وسائل إعلامية متنوعة ووفيرة، وتمون على منابر أخرى. ويعرف المتابعون وغير المتابعين، أن لكل من المعسكرين القائمين في العالم العربي، منابره وأدواته الإعلامية داخل الحدود وخارجها، بل إن مسؤولين عرباً كُثُراً باتوا يتوافرون على مواهب وخبرات لوفرة حضورهم في وسائل الإعلام. وفي النتيجة يتحقق لمكونات هذا المعسكر أو ذاك، حضور مؤثر، وخاصة مع التعطش التاريخي للجمهور إلى تعددية إعلامية.
غير أن شطراً كبيراً من الرأي العام تؤازره نخب مسيسة ومثقفة، يدرك أن الإعلام مهما بلغت حيويته وسطوته ودرجة الإدمان عليه، فإنه لا يُغني عن التبصر في المضمون السياسي لحدث كبير مثل انعقاد القمة، وبما يتعدى الأداء الإعلامي لها ابتداء من الخطابات وانتهاء بالبيان الختامي. يسترعي الانتباه في هذا المقام أن الانعقاد الدوري السنوي أريد به منذ إقراره واعتماده قبل سنوات، أن تتمتع مؤسسة القمة بالتأثير في مجريات الأحداث ومواكبتها أولاً بأول، وسد أوجه النقص وتدارك المخاطر قبل وقوعها، وتوطيد العمل الجماعي والإعلاء من شأن العرب على المسرح الدولي، ككتلة قومية/ إقليمية ذات شأن ووزن.
يصعب الاستخلاص أن هذه الأهداف قد تحققت.والمشكلة بالطبع لا تعود الى القمم ذاتها أي لصيغة اللقاء وتوقيته وزمانه ومكانه وسائر آليات انعقاده، إذ إنها ترجع إلى السياسات الفعلية المتبعة والمعتمدة، لهذه الدولة أو تلك ومدى انطباقها مع ميثاق الجامعة وقرارات القمم، ومع موجبات العمل الجماعي والمصالح العليا للدول الأعضاء مجتمعة. وكذلك لمدى الفاعلية في الأداء.
بالإشارة السابقة الى معسكرين في العالم العربي، رغم ما تبدو أحياناً من حدود غائمة بينهما، ورغم الإقبال على المصالحات التي تؤدي للحد من الفوارق بينهما، فقد نشأ هذان التكتلان عقب اعتماد الانعقاد الدوري للقمم. تبعاً لهذا الانشطار القائم، يصعب الحديث عن عمل جماعي يتطلب أول ما يتطلبه أن ينشأ معسكر واحد لا اثنان.
وفي قناعة المرء كما لسان حال شطر كبير من الرأي العام، فإن الفيصل هو في تحقيق الفاعلية لا الحذق الإعلامي، والحفاظ على تماسك المجتمعات لا الأنظمة فحسب، وفي ظل هذا الواقع بلغت القضية الفلسطينية حداً من التردي بالانقسام بين شطري الوطن المحتل. وبدلاً من مفاوضات جدية مع العدو لانتزاع الحقوق، باتت تدور مفاوضات ماراثونية بين ممثلي الصف الوطني، من دون إغفال مدى تأثيرات الانقسام العربي في نشوء هذا الوضع وتفاقمه.
يتصل بذلك الخلاف السفسطائي حول مبادرة السلام العربية، فالمسألة لا تتعلق بسحب هذه المبادرة أو الإبقاء عليها قيد التناول، بل في التماس الفاعلية لبلوغ الأهداف، والفيصل هو في دفع الطرف الآخر للكف عن نهجه التوسعي والعدواني والقبول بتسوية عادلة، وليس مساومته حول طرح المبادرة أو سحبها، واعتبار أحد الخيارين الأخيرين هو عين الصواب السياسي. فالصواب هو في مكان آخر: باستخدام كل الأسلحة والأدوات المشروعة في الاستجابة لتحدي الصراع. بدلاً من التوهم أن هذا الصراع بمختلف مفرداته، قد انتهى لمجرد أن خيار التفاوض قائم.
ولعل المجتمعين في الدوحة هذه الأيام يدركون أن الرأي العام العربي لا يتوقف طويلاً عند البيان الختامي، وما يحمله من صياغات يختلف حولها من يختلف من المؤتمرين، فما ينعقد عليه الاهتمام هو إعادة الاعتبار للقمم، كمناسبة لوضع سياسات جدية والتزام هذه السياسات في التعامل مع التحديات، بدلاً مما هو مشهود من تربص متبادل بين مكونات النظام العربي، والتسابق على النفوذ ولو على أنقاض الحلم القومي، والتأثير السلبي في دول ومجتمعات شقيقة والاستقواء بأطراف خارجية، وسوى ذلك من ممارسات تتحدث عن نفسها بنفسها.