من يجمع جناحي المشرق والمغرب؟

05:23 صباحا
قراءة 3 دقائق

في إطار جولته الجديدة وهي الثالثة في المنطقة، فقد استهل المبعوث الأمريكي جورج ميتشل هذه الجولة، بثلاث محطات توقف فيها في كل من الرباط والجزائر وتونس. اختيار المحطات المغاربية الثلاث في جولة شرق أوسطية، لم يستوقف العديد من المتابعين، مع أن اختيار هذه المحطات يعتبر تطوراً مهماً، بالنظر إلى أن دول المغرب العربي، كفت عن الانغماس بصورة مباشرة في مجريات الصراع والتسوية العربية الإسرائيلية، فيما أدارت الأطراف العربية المعنية بالصراع والتسوية، الظهر لهذه الدول التي وجدت ما يشغلها من شؤون داخلية وإقليمية كمسألة الصحراء الغربية بين المغرب والجزائر، والتوترات المغربية الإسبانية، والهجرة غير الشرعية لدول الاتحاد الاوروبي، وبروز الظاهرة الأصولية في دول أخرى بعد الجزائر.

لم يكشف المبعوث الأمريكي سبب استهلاله جولته بهذه المحطات، ولعله لم يجد ما يدعو لتسويغ هذا الاختيار، فالمغرب والجزائر دولتان كبيرتان في المنطقة، وسبق لهما أن انغمستا في الشأن الشرق الأوسطي وعلى مدى عقود من القرن الماضي، فلطالما احتضنت الجزائر دورات انعقاد المجلس الوطني الفلسطيني (برلمان المنفى) فيما احتضنت تونس مقر الجامعة العربية لنحو عقد من السنوات، كما استضافت قيادة منظمة التحرير الفلسطينية ومؤسساتها، أما المغرب فقد كان له دور في التحضير لمفاوضات كامب ديفيد المصرية أواخر سبعينات القرن الماضي، واستضافت مؤتمراً للشرق الأوسط وشمال إفريقيا في العام ،1995 وما زال المغرب يترأس لجنة القدس المنبثقة عن منظمة المؤتمر الإسلامي.

وفيما شدد المبعوث ميتشل على مبادئ التسوية الشاملة وحل الدولتين في العواصم الثلاث التي زارها بين الحادي عشر الى الثالث عشر من إبريل/ نيسان الجاري، فإنه لم ترشح تصريحات من مسؤولي الدول الثلاث التي زارها.

يذكر أن عدداً من قادة الدول الثلاث، غاب عن القمم المصغرة والشاملة التي شهدتها المنطقة في مارس/ آذار الماضي، بما يؤشر للتباعد المشرقي المغاربي عن وضع حلول جماعية للقضايا الساخنة. وهو مستجد اتسم به العقد الأول من الألفية الثالثة. وذلك نظراً للتشابكات العربية والإقليمية، وكان من نتائجه أن تركيا وإيران باتت كل منهما ذات دور في المجريات الناشئة المتعلقة بالمنطقة، ليس فقط بما يتعلق بمسألة الصراع والتسوية، بل كذلك بما يتعلق بالوضع في العراق ولبنان، مع أرجحية أكبر للنفوذ الإيراني، فيما يسجل غياب ملحوظ للمجموعة المغاربية عن هذه التطورات.

هذا المستجد يعكس صورة أخرى من مظاهر انتكاسة العمل الجماعي العربي في العقد الأخير، فقد حلت مقتضيات الجغرافيا المباشرة: الحدود المشتركة والتجاور بين دول عربية بعينها، ثم بين هذه الدول ودول غير عربية، محل الاعتبارات السياسية والتاريخية والاستراتيجية، التي تجمع دول المغرب والمشرق العربي في إطار الجامعة. كما حلت مقتضيات الأمن داخل الدولة الواحدة ثم الأمن الثنائي مع دولة مجاورة: عربية أو غير عربية، محل ما كان يعرف بالأمن القومي الجماعي والمصالح القومية العليا.

من المفارقة حقاً أن واشنطن في عهد أوباما تضع دول المغرب العربي الرئيسية، في قلب الخارطة السياسية للشرق الأوسط، وترى لها دوراً بارزاً في تقرير أمور منطقتنا، بخلاف رؤية من يرى أن المشرق مشرق والمغرب مغرب ولا حاجة لالتقائهما حين يتعلق الأمر بتقرير شؤون المنطقة أو حتى بحث قضاياها الحيوية. ودون حاجة للتصريح بذلك، إذ أن واقع الحال ينبىء به.

ومن الواضح الآن أن تفاعلات مشاريع التسوية وبالذات في النصف الأول من تسعينات القرن الماضي، التي كانت الدول المغاربية طرفاً رئيسياً فيها، هي ما يتم استحضاره أو استلهامه من طرف الإدارة الديمقراطية في واشنطن، وعلى خطى الإدارة السابقة التي قادها الديمقراطي بيل كلينتون.

يدرك المرء أنه برغم التباعد المشرقي المغاربي، فإن هناك مساحة كبيرة من التقاء الرأي العام هنا وهناك وتفاعله الملموس حول هواجس مشتركة. وحتى الظاهرة المتطرفة التي تشكو منها دول ومجتمعات مغاربية، فإنها أي هذه الظاهرة تجد لها بعض الجذور ليس في التربة المشرقية فقط، بل كذلك في الاختلالات الناجمة عن استشراء المشروع الصهيوني والقصور العام في التعاطي الناجع معه، ما يعزز الحاجة لتنشيط الحركة على الجسور التي تربط جناحي العالم العربي، على ضوء المصالح المتبادلة.

عن الكاتب

كاتب ومعلق سياسي، قاص وروائي أردني-فلسطيني، يقيم في عمّان وقد أمضى شطرا من حياته في بيروت والكويت، مزاولاً مهنة الصحافة. ترجمت مختارات من قصصه إلى البلغارية والإيطالية والإنجليزية والفرنسية

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"