ليس من شك أن الشبكة العنكبوتية قد حررت الإعلام ومعه وسائل التعبير الفردية والجماعية . ومع الانتشار الواسع للانترنت في المدن، ونشوء أجيال منذ منتصف عقد التسعينات تتقن استخدام هذه الوسيلة، بأكثر من اتقانها خبرات حياتية أولية أخرى كتربيط رباط حذاء أو صنع كوب شاي أو فتح علبة معلبات، فقد باتت هناك شرائح جديدة تستخدم وسيلة الاتصال هذه على نطاق واسع، لما لا يُحصى من أغراض عملية وعلى نحو جرى معه الاستغناء تقريباً عن خدمات الراديو والتلفزيون والهاتف والآلة الحاسبة والساعات والخرائط والبريد التقليدي والقواميس وأدوات الرسم والهندسة والكتابة وسواها من أدوات ووسائل وخدمات .
ولعل التحدي أمام الصحافة والمطبوعات الورقية عموماً، يكمن في ما بات يستقر ويتبلور من خيارات وخبرات وميول لدى الأجيال الجديدة، التي تكاد تنقطع علاقتها مع الورق سوى ذلك الذي يستخدم مع طابعة الكمبيوتر . فالملتقيات توفر مادة وفرصاً للتشبيك الاجتماعي، فيما تتيح مدونات نشر إعلانات ومقالات ويسهل تحويلها او اعتبارها بمعايير هذه الأجيال مجلة أو صحيفة أو ما هو في حكمهما، فيتسنى لمن يشاء أن يصدر صحيفة تتوفر على قارىء واحد على الأقل هو كاتبها!
المواقع الإخبارية الالكترونية نشطت في السنوات القليلة الماضية في محاولة لانتزاع دور الصحيفة، وحتى الفضائيات التي تبث الأخبار على مدار الساعة، فإذا ما تبين أن الخبر المبثوث مغلوط ومفبرك يسارع الموقع الى حذفه وكأن شيئاً لم يكن، خلافاً للصحف التي لا تملك تصحيحاً لخبر إلا في اليوم التالي لنشره، مع التمتع بخدمة إضافية وهي نشر تعليقات لمن يرغب . أما مصداقية هذه المواقع ومهنية القائمين عليها، فحديث آخر مقارنة بالصحف الورقية التي دخلت بدورها على خط بث الأخبار أولاً بأول على مواقعها .
منذ نحو خمس سنوات ينشط نحو خمسين موقعاً إخبارياً في الأردن، دونما حاجة لأصحابه للحصول على ترخيص، وقد تعرض القليل القليل منها لحجب امتد لأيام فقط . وبينما تلقى هذه المواقع إقبالاً على متابعتها، فإن الشكوى منها تتركز على بعض المقالات التي لم يتردد بعض كاتبيها في التمييز بين المواطنين على العرق، أو التلويح بنزاع أهلي فيما زخرت بتعليقات فالتة من كل عقال مدونة بأسماء مجهولة وحتى من دون توقيع، أو بعبارات عامية مفعمة بالسباب .
وبينما ظلت أحاديث تدور حول نية حكومية بضبط هذه المواقع ضمن قانون ينظم عملها، مع تخوفات معلنة لدى جمهرة إعلاميين ومعنيين بالشأن العام، بأن يستخدم الضبط للتضييق على حرية التعبير وتداول المعلومات، وهو ما دأبت أوساط حكومية على نفيه .
بين شد وجذب وترقب، وقعت مفاجأة لم يتوقعها احد، فقد عمدت محكمة التمييز في الأردن الأسبوع الماضي لإصدار حكم بحق أحد هذه المواقع ، معتبرة أن الموقع الالكتروني ينطبق عليه ما ينطبق على المطبوعة الصحفية،وذلك استناداً الى بند في قانون المطبوعات والنشر، يتناول النشر بأي وسيلة كانت . . .
الحكومة اعتبرت ما ورد في حيثيات الحكم الصادر عن أعلى هيئة قضائية، بمثابة إفتاء قانوني يحسم وضع المواقع الالكترونية، ويجعلها مشمولة بقانون المطبوعات والنشر، ويجري حالياً تكييف قانوني لهذا القرار كما أوضح وزير الاعلام والاتصال د . نبيل الشريف، يضع حداً لبقاء مواقع الانترنت المحلية دون قانون ينظمها .
وبينما أبدى محررون احترامهم لقرار القضاء، فقد تخوفوا من تبعاته القانونية التي باتت مؤكدة في ما يعتبرونه تخفيضاً لسقف الحريات، رغم إقرار بعضهم بأن المواقع الالكترونية شأنها شأن أي نشاط حياتي آخر، لا بد أن تخضع لضوابط .
وواقع الحال أن الإشكالية بما يتعلق بالحريات الإعلامية في العالم الثالث بعامة، تكمن ليس في التنظيم المطلوب ابتداء، ولكن في البيئة السياسية والاجتماعية والثقافية التي تكتنف العملية الإعلامية برمتها . ففي حين تقرن السلطات الحرية بالمسؤولية، فإن مضمون المسؤولية قد لا يتعدى محددات الخطاب الرسمي . وبينما يطالب المجتمع بحرية دون قيود، فإن المجتمع نفسه قد يشكل قيداً على حرية الإعلامي، حين يحاول الخروج من فضاء اجتماعي ضيق لا يعترف إلا بالمواضعات والمفاهيم التقليدية، للتراتبات الاجتماعية أو الحريات الفردية والجماعية .
في الغرب لا تثور إشكاليات حول الحريات، والقوانين المنظمة لا تضع حدوداً لما هو مسموح ومحظور، إذ يتولى القضاء النظر في الشكاوى حول جرائم النشر وتتركز العقوبات في الغرامات المالية أو خدمة المجتمع .
في العالم الثالث ومنه ديارنا العربية فإن مادة إعلامية، يمكن أن تمس علاقة شعبين وبلدين، وقد تثير شقاقاً أهلياً يؤدي لتطورات مفزعة، ويمكن للصحافي أن يتعرض لعقاب قاس من المجتمع (من شريحة اجتماعية) قبل أن ينالها من السلطات . والى جانب الترويع قد يتعرض لإغراءات مالية وسواها، وليس بالضرورة أن يصمد الصحافي أمامها . وعليه فإن الإشكالية مركبة، فمع أهمية التمسك بتوسيع نطاق حرية التعبير وتداول المعلومات، باعتبار ذلك شرطاً شارطاً لازدهار العملية الإعلامية، فإن هذه المطالبة لا تكفي وحدها دون تحقيق تغيير اجتماعي وثقافي وقانوني موازٍ .
الفضاء الالكتروني المفتوح، غير القابل للضبط في النهاية وذلك مع إمحاء الحدود بين ما هو محلي النشأة وما مصدره خارجي، يمثل تحدياً خاصاً للمشرعين، ويضفي عناصر جديدة غير مسبوقة على المشهد الإعلامي، مع ما يحمله هذا المشهد من مضاعفات إيجابية وسلبية على الحراك السياسي والاجتماعي .