شباب الذيد في السبعينات والثمانينات، وقتها كان أكثر ما يزعجهم أن يسمي أحدا منطقتهم قرية، لا يرضون أبدا بذلك، ولا يحبون أن يقال عنها أنها واحة، دائما يعزّونها ويكبرونها ويسمونها مدينة.ووقتها لم يكن فيها من أساسيات أو كماليات أو طعم المدينة، لكن أهلها الشباب يحبونها مدينة ولو في الوصف والتمني، وغابت أيام وجاءت سنوات، وذهبت القرية البسيطة الهادئة وجاء ثقل المدينة هذه المرة حقيقة وليس مجرد اسم وأمنية.

وتغرّب عنها أولئك الشباب، بعضهم غادرها في غابة الحياة، يبحث عن عالم ومدينة وفضاء وأمان وأوهام، وبعضهم غاب عنها وعن الدنيا، ومنهم من شدّته الجذور وشوّب فيها، وبعضهم تزوج، وكون ذريته وأصبح أباً ومنهم من عاش وحمل أحفاده، وبعضهم ظل عندها أعزب وحيداً.

شباب الذيد (القدامى) الذين اعتزلهم الشباب يحنون اليوم إلى ذلك الزمن، زمن الواحة والقرية والحياة البسيطة، ويعترفون أن حلم المدينة هو أضغاث أحلام ليتها لم تأت ولم تتحقق الأمنية، ليتها كانت كما كانوا، وليت العمر مر بعيدا عنهم وعنها.

ولكن من يملك الزمن؟ من يقبض الأيام؟ وأين هي البقعة التي لم تتلون وتكبر وتتغير؟ قد تبدو الذيد اليوم في روحها التي لم تتعثر بأفعال المدنية، في أهلها وذاكرتها.

كبرت الذيد: نعم، تناثرت، توسعت، تغيرت، لكن أهلها من الصنم إلى السيوح الشمالية من أزبيده إلى سكنى وشاح يتقاربون إذا ما دعى الداعي إلى عرس، او حل خيال حافر قبور يروي طينه وينتظر الصلاة، كيف يجتمعون في لحظة؟ كيف يصيبهم الحزن جميعا؟ وكيف يسعدون ويفرحون لبعضهم؟

قلوب ما عدت تجد شبيها لها في الزمن الجديد، لهذا عندما غاب في شهر بضع من أهلها، حل فيها الظلام، وطافت عليهم جميعا غيمة ثقيلة من الحزن ووجع الفراق.

ذاكرة تتساقط

حميد الجاري الكتبي، لم يكن بيته هناك على شرفة تل الزعفران، كانت الذيد كلها بيوتا مفتوحة له، تنتظره كل ضحى، وتشره عليه إذا غاب عنها في المساء، يحاول أن يرضيهم جميعا ويحاول أن يكون معهم جميعا، يحب الالفة ويحب الناس ويحب الفرح والابتسامة، لهذا صوته وشوفه وذاكرته لها صدى في ذاكرة مختلف مجالس الذيد، وهو أيضا بعض ذاكرة من كانوا تلاميذ مدرسة قبل ما يزيد على ثلاثين عاما، عندما كان هناك ما يسمى بمكتب المنطقة الوسطى التعليمي، يلتقونه في مكتب المدير، او متنقلا عند نظّار المدارس، يشاهدونه جالسا وتزول الرهبة عندهم، يسألهم لو كان لا يعرفهم: ويد منوه أنت.. أشحال اهلك.

مطر بن مسعود الطنيجي هو الآخر ترجل وغاب عن واحته، بينهما أيام معدودة وخطوات فصلت بين قبريهما، غاب وغابت معه ذكريات وصور.أعطته الدولة بيتا واسعا وسط المدينة، سكنه سنوات، ضج من قيود المدينة، وعاد كما تشتهي نفسه، على عهدها الأول وسط الرمال، قرب المنازل التي لا يسكنها سوى السمر والغاف والبوش، عاد إلى بداوته مع رفقة شواب، ساكنا هناك بعيدا مطمئنا لحياة البر وذاكرة الزمن الذي عاشه عند تلك الجذور، كأنه لم يشته ان يفارق ذلك الزمن، وقرر أن يكون مخلصا له على أمل أن يعود أو يموت وهو فيه، وقد كان .

محمد سعيد بن مترف لحق بربعه سريعا أيضا، هنا كانت صدمة الموت اشد عند من عرفه.عرفوه مقبلا على الحياة لا يشتكي سوءاً، حذراً دائماً من سموم العيش ومنغصاته، يتقي المرض، ويبحث عن الهدوء ورفقة من يصنعون الفرح والبهجة.

أتعبته الحياة كثيرا أعطاها أو أنها أخذت منه ما يكفي من مجد سنوات عمره، وعندما تغيّرت وأقبلت، ترجل وودعها وهو يصلي، وآخر لحظة له فيها كان مبتسما.

غدا يأتي الشتاء، وتعود حياة المراكيض، سيبدأ السباق وسيحتدم حديث المتنافسين كل ليلة وستحلو جلسات لعزب، ولكنهم في غياب بو خليفة سيشعرون بالفراغ، سيشعرون باليتم، سيتذكرونه، وسيحزنون عليه كل ليلة.

سلطان بن عبد الله بن هويدن، كبير ينتمي إلى زمن الكبار، غادر عالمه ومنزله صباحا، ترك عطر المحبة والصيت وذكريات عمر طويل وعروق أهل وانساب في الذيد والإمارات كلها، حظ الأجيال الصغيرة أحفاد الأحفاد أنهم عاشوا وفطنوا وجالسوا جدهم الكبير سلطان بن عبد الله، غدا عندما يكبرون ويكمل الزمن دورة جديدة سيذكرون ويفخرون ويروون لذريتهم أنهم عاشوا في زمنه.

رحمهم الله جميعا..

[email protected]