الإحسان إلى الجار مبدأ إسلامي أصيل

هذا الدين العظيم
13:48 مساء
قراءة 7 دقائق

الحقوق التي كفلتها شريعة الإسلام للجار تؤكد حرص هذا الدين العظيم على توثيق العلاقة ودعم أواصر المودة والرحمة والتعاون بين كل أفراد المجتمع .

تقول الباحثة الإسلامية خديجة النبراوي: الجوار في الإسلام يمتد ليشمل أبعاداً واسعة، وحرص الشريعة الإسلامية على حسن الجوار ومراعاة حقوق الجار يهدف إلى ترسيخ مبادئ الحقوق والواجبات العامة للفرد، فكل فرد في ميزان شريعتنا الغراء له حقوق وعليه واجبات .

من هنا تؤكد النبراوي على أن اهتمام الشريعة بحقوق الجار تعني تدريب الفرد على التعامل مع المجتمع الخارجي بفاعلية وإيجابية، فالجار هو أول دائرة بعد الأسرة والأهل والأقارب، وتأكيد حق الجار هو تأكيد على حماية الإنسان من الاغتراب داخل وطنه، فالجار هو أول من يعطي مشاعر الأمن والتكافل الاجتماعي في الأمة، إذا التزم المسلمون بتعاليم دينهم كما أمروا بذلك، حيث لا يتمتع الجار المسلم فقط بهذه الحقوق، بل هي لكل الجيران مع تفاوت أديانهم ودرجات قربهم .

وتتعدد وتتنوع حقوق الجار في منظومة شريعتنا الإسلامية كما تقول الباحثة الإسلامية لتشمل:

حق الجار في حسن الجوار .

حق الجار في التكافل الاجتماعي .

حق الجار في الأمن على نفسه وماله وعرضه .

حق الجار في الانتفاع بعلم جاره .

تحمل الأذى

ويلتقط الشيخ محمود عاشور وكيل الأزهر الأسبق خيط الحديث من الباحثة الإسلامية ويقول: لقد رسخ الإسلام مفهوم حسن الجوار وضرورة مراعاة كل الاعتبارات التي تضمن راحة الجار وسلامته وأمنه، بل وصل الأمر بتعاليم وتوجيهات الإسلام نحو الجار، إلى ضرورة تحمل أذاه وإساءته، وعدم الرد عليه إلا بالحسنى والصبر، وحرم الإضرار .

ويؤكد أن في قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: مازال جبريل يوصيني بالجار حتى ظننت أنه سيورثه منهجاً اجتماعياً راقياً، باعتبار ما في هذا اللفظ من إظهار لنوعية التودد والقرب التي يريدها الإسلام بين الجيران، والحقوق والواجبات والالتزامات التي لا ينقصها إلا حق الإرث والوراثة، التي لا تكون عادة إلا بين من تجمعهم صلة رحم وقرابة حقيقية .

ومن مجمل هذه الحقائق الشرعية المبنية على الآيات القرآنية والأحاديث النبوية، استخلص علماء الأمة قواعد وأسساً ترتبط ارتباطاً جذرياً مع الإيمان بالله تعالى، وهي ميزان قوة الإيمان وضعفه أو كماله ونقصه، فكلما كان الإنسان ملتزماً بهذه القواعد مطبقاً لها بسلوكه تطبيقاً صحيحاً، كان أقرب إلى الإيمان، ولا شك في أن هذا أمر مهم جداً، لورود النص النبوي الواضح، حيث يقول رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: والله لا يؤمن، والله لا يؤمن، قيل من يا رسول الله؟ قال: من لا يأمن جاره بوائقه .

ويشرح الشيخ محمود عاشور كيف اهتم الإسلام بحقوق الجيران وكيف وضحها، ويقول: الإسلام يحرص على راحة الإنسان وطمأنينته وسعادته، ومن هذا المنطلق نجد أن الشريعة الإسلامية في سبيل توفير وتنظيم الراحة للناس جميعاً رتبت حقوقاً للجار على جاره حتى يعرف كل واحد ما له وما عليه، فإذا التزم كل واحد بذلك ساد الأمن بين الناس وعمت الطمأنينة بينهم . . ومن هنا جاءت الآيات القرآنية الكريمة والأحاديث النبوية الشريفة تفصل هذا الأمر وتوضحه وتضعه في المكان الذي يليق به من حيث الأهمية، حيث يقول تعالى واعبدوا الله ولا تشركوا به شيئاً وبالوالدين إحسانا وبذي القربى واليتامى والمساكين والجار ذي القربى والجار الجنب والصاحب بالجنب وابن السبيل، فقد قرن الله تعالى بين عبادته وبين الإحسان إلى الجار، فمن كان محسناً لجاره فهو في عبادة ربه، ومن كان مسيئاً لجيرانه فقد خرج عن مفهوم العبادة الصحيحة لله تعالى .

ويضيف: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: مازال جبريل يوصيني بالجار حتى ظننت أنه سيورثه . . فجعل صلى الله عليه وسلم الجار في مرتبة قريبة من مرتبة الدم والنسب، والأصل في المسلم أن يحسن معاملة أهله ورحمه، وكذلك جاره، ويقول الرسول صلى الله عليه وسلم: من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يؤذ جاره . . ويقول موضحاً أهمية الإحسان إلى الجار ودفع الأذى عنه: خير الأصحاب عند الله تعالى خيرهم لصاحبه، وخير الجيران عند الله تعالى خيرهم لجاره .

العفو والتسامح

ويؤكد الشيخ عاشور أن العفو والتسامح يجب أن يكونا الأساس، في العلاقة بين الجيران، مصداقاً لقوله تعالى: وجزاء سيئة سيئة مثلها فمن عفا وأصلح فأجره على الله إنه لا يحب الظالمين .

ويشير إلى أن المبادرة بالعفو والسماح سمة من سمات المسلم المتمسك بتعاليم دينه وشريعة نبيه صلى الله عليه وآله وسلم الذي قال وخيركم من يبدأ بالسلام، وهذا ليس نقصاً في حق من أراد أن يبادر بالعفو والتسامح، أو إهانة لشخصه، كما يتصور البعض .

ويضيف: يجب أن يكون الجار حسن الظن بجاره، وأن يبعد عن التفسير الخاطئ لكل ما يصدر منه، من أقوال أو أفعال، مشيراً إلى أن تهيئة النفس وتدريبها على فهم أساليب وتصرفات الآخرين عامل مهم ومساعد للسيطرة والتحكم، في ردة الفعل تجاه ما يصدر من الآخرين .

وينصح بإغلاق باب الشائعات أمام هواة نقل الكلام، وعدم التسرع في نقل ما يسمع حتى لا تتوتر العلاقة بين الجيران، وذلك مصداقاً لقوله تعالى يا أيها الذين آمنوا إن جاءكم فاسق بنبأ فتبينوا أن تصيبوا قوماً بجهالة فتصبحوا على ما فعلتم نادمين .

ويحث على تعاون الجيران على البر والتقوى، كما ورد في قوله تعالى وتعاونوا على البر والتقوى ولا تعاونوا على الإثم والعدوان واتقوا الله إن الله شديد العقاب، والتعاون على البر والتقوى يكون بوجوه متعددة، فواجب العالم أن يساعد الناس بعلمه، والغني بماله، والشجاع بقوته، وأن يكون الجيران كاليد الواحدة والجسد الواحد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى .

مودة غير المسلم

وهنا يكشف لنا د .نصر فريد واصل أستاذ الشريعة الإسلامية ومفتي مصر الأسبق عن جانب مهم من جوانب عظمة الشريعة الإسلامية وتميزها وهو تسامحها وحرصها على توثيق الصلات الاجتماعية والإنسانية بين المسلمين وغير المسلمين الذين يشتركون في وطن واحد حيث حثت المسلم على مشاركة جاره المسيحي في المناسبات الاجتماعية وتهنئته بأعياده .

ويضيف الدكتور واصل: الإسلام لم يمنعنا من مجالسة أهل الكتاب ومجادلتهم بالتي هي أحسن لقوله تعالى: ولا تجادلوا أهل الكتاب إلا بالتي هي أحسن وأن نأكل من طعامهم وشرابهم . . بل أكثر من ذلك أباح لنا الزواج منهم لقوله تعالى: وطعام الذين أوتوا الكتاب حل لكم وطعامكم حل لهم والمحصنات من المؤمنات والمحصنات من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم والزواج كما هو مقرر شرعاً ما هو إلا مودة ورحمة لقوله تعالى: ومن آياته أن خلق لكم من أنفسكم أزواجاً لتسكنوا إليها وجعل بينكم مودةً ورحمةً .

ولقد أوصانا الإسلام بالجار خيراً سواء أكان مسلماً أم غير مسلم فلقد ورد عن مجاهد أن عبدالله بن عمرو رضي الله عنهما ذبحت له شاة فلما جاء قال أهديتم لجارنا اليهودي؟ سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ما زال جبريل يوصيني بالجار حتى ظننت أنه سيورثه .

ولقد أكدت السنة النبوية الإحسان إلى الجار وعدم التطاول عليه وإيذائه لقوله صلى الله عليه وسلم: من آذى ذمياً فأنا خصمه ومن كنت خصمه خصمته يوم القيامة . وفي حديث آخر: من آذى ذمياً فقد آذاني ومن آذاني فقد آذى الله .

فالإسلام لم يفرق بين أتباعه وأصحاب الديانات الأخرى فمن ذلك أن جنازة مرت فقام النبي صلى الله عليه وسلم واقفاً فقيل: إنها جنازة يهودي فقال صلى الله عليه وسلم: أليس نفساً؟ .

وقبل النبي صلى الله عليه وسلم الهدية من غير المسلمين وزار مرضاهم وعاملهم واستعان بهم في سلمه وحربه حيث لم يحس منهم كيداً، كل ذلك في ضوء تسامح المسلمين مع مخالفيهم في الاعتقاد ولم يكن هذا التسامح نابعاً من اجتهادات فورية أو مآرب شخصية أو أمزجة نفسية، وإنما هي تعاليم ملزمة من الله سبحانه وتعالى ينال منفذها الثواب ويلحق مخالفها العقاب . . فمكارم الأخلاق أصل من أصول الدين، والتزام الحق ركن من أركانه .

ركيزة ثابتة

والمسلم في أخذه بهذه المبادئ ليس له الخيرة، في أن يطبقها متى شاء ويتركها متى شاء بل هي ركيزة ثابتة وميزان منصوب يعامل به الكل وقد جاء في الأثر أن الجيران ثلاثة:

جار له حق واحد وهو الجار غير المسلم فله حق الجوار .

وجار له حقان وهو الجار المسلم فله حق الجوار وحق الإسلام .

وجار له ثلاثة حقوق وهو الجار القريب المسلم فله حق الجوار والقرابة وحق الإسلام .

وعلى ذلك فيجب أن يسود الود والوئام بين المسلمين وغير المسلمين وإن كانوا مختلفين معنا في الدين لقوله تعالى: لا إكراه في الدين قد تبين الرشد من الغي . . وقوله تعالى: ولو شاء ربك لآمن من في الأرض كلهم جميعاً أفأنت تكره الناس حتى يكونوا مؤمنين: . . وقوله تعالى: لكم دينكم ولي دين .

ولقد أوجب الإسلام على أتباعه إذا عاش بينهم أهل الديانات الأخرى أن يكون لهم ما للمسلمين وعليهم ما على المسلمين من حقوق وواجبات .

وخير دليل على ذلك ما روي أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه رأى شيخاً ضريراً يسأل على باب فلما علم أنه يهودي قال له: ما ألجأك إلى ما أرى؟ قال: أسأل الجزية والحاجة والسن؟ فأخذ عمر بيديه وذهب إلى منزله، فأعطاه ما يكفيه ساعتها، وأرسل إلى خازن بيت المال يقول له: انظر هذا وضرباءه، فوالله ما أنصفناه إن أكلنا شبيبته ثم نخذله عند الهرم إنما الصدقات للفقراء والمساكين والفقراء هم المسلمون وهذا من المساكين من أهل الكتاب . . ووضع عنه الجزية وعن ضربائه .

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"