الإسلام حوّل المرأة إلى طاقة منتجة مبدعة

. . لكل زمان ومكان
05:17 صباحا
قراءة 6 دقائق
لم يتعامل الإسلام مع المرأة على أنها كائن بشري محدود الإمكانات، أو ناقص الأهلية، أو عاجز عن القيام بواجبات التنمية والتقدم الحضاري كما تعاملت أديان وفلسفات وأنظمة أخرى، بل نظر الإسلام للمرأة نظرة موضوعية وقدر إمكاناتها، واحترم طاقاتها، وكلفها بواجبات أسرية واجتماعية وإنسانية ووظيفية وتنموية وحضارية، فالمرأة في نظر هذا الدين العظيم مخلوق كامل الأهلية، يستطيع أن يعمل وينتج ويعمر ويسهم في بناء مجتمعه، كما يفعل الرجل تماماً، وهذا ما جعل المرأة المسلمة تقوم بأدوار مشهودة في عصر ازدهار الحضارة الإسلامية .
الإسلام الذي كفل للمرأة كل حقوقها، ووفر لها حياة حرة كريمة في ظل رعاية أسرية واجتماعية شاملة لا تجدها المرأة في أية شريعة أو نظام آخر، ينتظر من المرأة الكثير والكثير من العمل والإنتاج والعطاء الحضاري المتميز، والذين يمنعون النساء من القيام بهذا الواجب الديني والوطني والحضاري، هم في نظر الإسلام مخطئون وآثمون، كما يؤكد المفكر الإسلامي الدكتور أحمد كمال أبو المجد .
ويضيف د . أبو المجد: من المؤسف أن يتعامل بعض المسلمين في بلادنا العربية والإسلامية مع المرأة على أنها عورة، فلا يجوز لها أن تخرج للعمل إلا عند الضرورة القصوى، ولا يجوز لها أن تتنفس إلا بإذن زوجها، ويعتبرون وجهها عورة، وصوتها عورة، واسمها عورة، وهذه ثقافة مغشوشة ونظرة ضيقة لا علاقة لها بالإسلام من قريب أو بعيد . . ويقول: الإسلام لا يحيط المرأة بأسوار شاهقة من المحرمات والمحظورات، بل أطلق لها العنان لتتعلم وتتخصص في كل العلوم، وتكتسب كل الخبرات، وتصول وتجول في كل مجالات الحياة، بشرط أن تلتزم بسياج العفة والحماية والتكريم الذي وفره لها الإسلام .

تفرقة لا بد منها

وهنا يفرق د . أبو المجد بين الضوابط التي تحكم تصرفات المرأة وسلوكها العام والخاص في كل مكان تذهب إليه، والتي ألزم الإسلام المرأة بها لتحافظ على كيانها كله، وتحمي نفسها من الابتذال، وبالتالي نحمي المجتمع كله من الاستغلال السيئ للمرأة، وبين التضييق على المرأة ووضعها في خندق لا يجوز لها أن تتجاوزه، أو تمييز الرجل عليها بأوجه تمييز لا تقرها الشريعة الإسلامية العادلة، وبالتالي يقوم الرجل - سواء أكان أباً أو زوجاً أو أخاً - باستغلالها وإهدار كرامتها، والعدوان على وجودها الإنساني، وحرمان المجتمع من جهودها .
ويؤكد د . أبو المجد أن الإسلام الذي نقله لنا رسولنا الكريم صلى الله عليه وسلم صافياً نقياً خالياً من الشوائب والخرافات لا يعتبر المرأة عورة، لا شخصها ولا صوتها ولا وجهها، ويطالبها بواجبات متعددة كما يطالب الرجل، ويقول: هذه الحقيقة يجب أن يدركها أدعياء التدين من الشيوخ أو الشباب الذين أهدروا حقوق نسائهم، وفرضوا عليهن ما لم يفرضه الحق سبحانه وتعالى وحرموا المجتمعات الإسلامية من جهود المرأة وعطائها الحضاري .

مصادمة حادة للفطرة

ويرى المفكر الإسلامي أن تصوير المرأة كلها على أنها عورة ببدنها وشخصها من شأنه أن يغيب إنسانية المرأة وراء أنوثتها، وأن يثبت في عقل الرجل ووجدانه ومشاعره أن المرأة مجرد موضوع "للشوق الجنسي" فلا يرى فيها إلا هذا، ولا يستطيع أن يغيب عنه أمر هذا الشوق، مما يفتح أبواباً لا آخر لها للفساد الاجتماعي، وما نظن أن الله سبحانه وتعالى وهو الرحيم الرؤوف بعباده يريد هذا اللون الغريب من الحرج، ولا هذه المصادمة الحادة للفطرة .
وينتهي د . أبو المجد إلى أن المبالغة في حجب النساء عن قضايا المجتمع وهمومه ومشكلاته تحت ستار الالتزام الديني، هو في حقيقة الأمر خروج على منهج الإسلام الذي احترم المرأة، وقدر إمكاناتها، وعلق آمالاً عريضة عليها، وهذا من شأنه أن يعرقل جهود التنمية في بلادنا العربية والإسلامية والتي تحتاج إلى جهود الرجال والنساء معاً، فالمباعدة والعزلة الكاملة بين الرجال والنساء وتقسيم المجتمع إلى قسمين متباعدين تماماً، هي في حقيقة الأمر حالة غير إنسانية، وغير إسلامية، وغير سوية، وتظل معها علاقة الرجال بالنساء بؤرة قلق وتوتر وتوجس وانشغال دائم . . وكيف لمجتمع يسوده مثل هذا التوتر أن ينطلق إلى العمل النافع أو يحقق لأبنائه وبناته التقدم المنشود؟

صورة مغلوطة

وإذا كانت هناك مفارقة كبيرة وهائلة بين موقف الإسلام من المرأة بصفة عامة ومن دورها في تنمية المجتمع بصفة خاصة، وبين موقف كثير من المسلمين القدامى والمعاصرين الذين ظلموا المرأة ووضعوها في نطاق ضيق وحرموا المجتمع من جهودها على حد وصف د . أبو المجد فمن الضروري التمييز الواضح بين الإسلام كعقيدة ونظام ونسق حضاري، وبين المسلمين كشعوب يرتفع شأنها حيناً وينخفض حيناً آخر، وتقترب أوضاعها الاجتماعية من تعاليم الإسلام زمناً، وتبتعد عنه أزماناً، فكما نؤمن بأن وضع المرأة في العديد من المجتمعات الإسلامية المعاصرة ليس نتاجاً صحيحاً لنصوص الإسلام ومبادئه، بقدر ما هو نتاج لأعراف إقليمية بعضها سابق على الإسلام وبعضها لاحق له ولكنه غير مرتبط به . فقد آن الأوان لتصحيح هذه الصورة المغلوطة، وفرز ما هو إسلامي المصدر، وتمييزه عما عداه حتى لا يتمسك بعض المسلمين بأعراف وتقاليد فاسدة وضارة، وهم يحسبون أنهم يتمسكون بدينهم ويلتزمون بعقيدتهم وشريعتهم .

أخت الرجل

الفقيهة والداعية الأزهرية، د .سعاد صالح، أستاذة الشريعة الإسلامية بجامعة الأزهر تتفق مع د . أبو المجد في أن الإسلام كفل للمرأة حقوقاً لم تحظ بها في تشريع أو نظام آخر، وهذه الحقوق والصلاحيات التي منحتها شريعة الإسلام من شأنها أن تمكنها من القيام بواجباتها وأداء رسالتها الدينية والاجتماعية والاقتصادية والحضارية على الوجه الأكمل، وإذا كان بعض المسلمين قد حرموها من بعض هذه الحقوق أو معظمها، فهذا ليس دليل إدانة للإسلام بل هو سلوك بشري خاطئ من هؤلاء المسلمين ينبغي ألا ينسب إلى الإسلام، لأنه يحارب من علماء المسلمين، ومن الجماهير الإسلامية الواعية التي تفرق بين تعاليم الإسلام وتشريعاته ومبادئه، وبين العادات والتقاليد المتوارثة في بعض المجتمعات العربية والإسلامية، والتي حالت - ولا تزال- دون حصول المرأة على كامل حقوقها الشرعية .
وتؤكد د .سعاد صالح أن الشريعة الإسلامية جاءت برسالة حضارية إصلاحية لرفع الظلم والمعاناة عن المرأة، والتي عانتها في ظل الفلسفات والأنظمة التي كانت سائدة قبل الإسلام، والتي حرمت المرأة من كل حقوقها . وأول ملامح هذه النظرة الإصلاحية لأحوال المرأة والتي جاء بها الإسلام، هي "أخوة النسب البشري"، فالمرأة أخت الرجل، وهذه الأخوة تقتضي المساواة، وهذا ما جاءت به شريعة الإسلام التي ساوت بين الرجل والمرأة في الإنسانية والتكاليف الشرعية، وفي طلب العلم والمعرفة، وحق العمل وفي الحقوق المدنية، وفي تحمل المسؤولية وفي أصل التوارث، وفي أصل الشهادة .
ثم قررت الشريعة الإسلامية أهلية المرأة للقيام بجميع التصرفات المدنية والاقتصادية والشخصية، بحيث جعل لها الحق والأهلية لحيازة المال مهما عظم مقداره، والإرث والهبة والوصية والدين والتملك والتكسب والتعاقد والمصالحة والتقاضي والتصرف فيما تحوز وتملك، وغير ذلك من الحقوق مما لم تصل إليه المرأة في أي حضارة من الحضارات ولا ديانة من الديانات .

ضحية رؤيتين

وتحذر د .آمنة نصير أستاذة الثقافة والفلسفة الإسلامية بالأزهر من المقولات الخاطئة التي تزعم أن الإسلام ميز الرجل على المرأة، أو أعطاه حق التحكم فيها وتقول: كرامة الرجل من كرامة المرأة، وكرامة المرأة من كرامة الرجل، والقرآن الكريم ساوى بين الرجال والنساء في وجوب صيانة أعراضهم وفي وجوب عقوبة من يقذفهم بالتهم الباطلة، ويكفي قوله سبحانه: "والذين يؤذون المؤمنين والمؤمنات بغير ما اكتسبوا فقد احتملوا بهتاناً وإثماً مبيناً" .
وقد حمى القرآن الكريم سمعة المرأة وشرفها وعرضها، وقرر عقوبة رادعة لكل من يتطاول على امرأة ويتهمها في عرضها ظلماً وعدواناً فقال سبحانه: "إن الذين يرمون المحصنات الغافلات المؤمنات لعنوا في الدنيا والآخرة ولهم عذاب عظيم"، وقال عز وجل أيضاً: "والذين يرمون المحصنات ثم لم يأتوا بأربعة شهداء فاجلدوهم ثمانين جلدة ولا تقبلوا لهم شهادة أبداً وأولئك هم الفاسقون، إلا الذين تابوا من بعد ذلك وأصلحوا فإن الله غفور رحيم" .
وتنتهي الأستاذة الجامعية إلى أن المرأة المسلمة في بلادنا العربية أصبحت ضحية رؤيتين إحداهما متشددة، والأخرى متحررة من ثوابت ورؤى الإسلام التي توفر الحماية للمرأة وترى أن التخلص من ذلك كله بالعودة الصادقة للإسلام .

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"