التهاب «التامور» يعوق حركة القلب الطبيعية

02:00 صباحا
قراءة 7 دقائق
يحيط بالقلب غشاء ناعم ومزدوج الجدار يطلق عليه «تأمور أو تامور القلب»، وهو يتركب من طبقتين متلاصقتين، وبين الطبقتين سائل قليل، يبلغ حجمه من 15 إلى 50 ملليمتراً.
وينشأ القلب في داخل هذا الكيس الذي يحميه وداخل السائل التاموري، وذلك من أجل تسهيل حركة القلب أثناء الانقباض أو الانبساط، حيث يتحرك الغشاء من مكانه مع كل دقة، وهو ما يسبب عدم الاحتكاك مع الأعضاء الأخرى. ويشير عدد من الدراسات إلى أن هذا الغشاء ليس ضروريا، ويمكن العيش بدونه، ولا يتسبب عدم وجود غشاء التامور بسبب خلقي في حدوث أي مشاكل صحية، مثل الأطفال الذين يولدون دون غشاء، أو عقب استئصاله بعد عملية جراحية في أي مرض.
ونتناول في هذا الموضوع مرض التهاب التامور، مع بيان الأعراض التي تظهر نتيجة هذا المرض، والعوامل والأسباب التي تؤدي إلى الإصابة بهذا المرض، وتقديم سبل الوقاية وطرق العلاج الممكنة.

وظائف متعددة

يقول الدكتور إيهاب محيي الدين عشيبة مدرس وأخصائي القلب ورئيس قسم القلب بجامعة الخليج الطبية: «تتعدد وظائف غشاء التامور، فهو يثبت القلب والأوعية الدموية الرئيسية في القفص الصدري، وبالتالي يمنع اندفاع القلب الزائد في حال الانقباض القوي».
ويمنع أيضا تحول القلب والأوعية الدموية الكبيرة من التحرك من مكانها، ويعمل على منع انتشار الأمراض والأورام، ويعمل كذلك على حماية القلب من الاحتكاكات القاسية مع الأعضاء المجاورة له.
ويضيف د. إيهاب: يحافظ غشاء التامور على القلب من أن يصاب بأي إصابات خارجية، ويساعد السائل الموجود بين الطبقتين على مرونة الحركة، ويمنع أيضا الاحتكاك بين طبقتي التامور.

الالتهاب والانصباب

يصيب غشاء التامور عدد من الأمراض، ويعتبر التهاب التامور الحاد أكثر الأمراض انتشاراً، ويمكن أن يظهر مع وجود انصباب تاموري.
ويفقد غلاف القلب الكثير من مرونته بسبب تكرار الإصابة والمعاناة من الالتهاب طويل المدى، وبالتالي يشبه الغلاف الضيق الصلب حول القلب، ويمنع هذا الوضع القلب من العمل بشكل صحيح، وتسمى هذه الحالة بالتهاب غشاء التامور المضيق.
ويؤكد د. عشيبة على أن الانصباب التاموري حالة من تراكم السوائل داخل التامور بين الطبقتين الداخلية والخارجية، وفيه يكون معدل تراكم السوائل وكميتها حول القلب في التامور منخفضا، وبالتالي يظهر التهاب التامور الحاد مع الانصباب التاموري.
ويمكن أن يظهر الانصباب التاموري في حالات غير التهاب التامور الحاد، بالرغم من أنها الحالة الأكثر انتشارا.

الدكاك القلبي

يلي التهاب التامور الحاد والانصباب التاموري، مرض الدكاك القلبي أو الاندحاس القلبي، ويعتبر هذا المرض حالة انصباب تاموري خاصة وهامة، حيث يسبب الانصباب التاموري الدكاك القلبي، وهي الحالة الأشد خطرا. ويكون معدل تراكم السوائل حول القلب مرتفعا، وبالتالي لا يمتلئ القلب بالدم بصورة صحيحة، وهو ما يعني أن كمية الدم التي تخرج من القلب تكون قليلة، وبالتالي يحدث انخفاض حاد في ضغط الدم.
ويمكن أن يؤدي الدكاك القلبي للوفاة في حال عدم علاجه فورا، ويلي ذلك أورام التامور وكيسة التامور وهي نادرة للغاية.

لا تزال مجهولة

أما الدكتور محمد أحمد فتحي مدرس وأخصائي القلب فيقول: يصبح كيس التامور ملتهباً بسبب إصابة الغشاء بالالتهاب، ويؤدي الاحتكاك الناتج عن الكيس الملتهب إلى إحساس المريض بألم في الصدر.
ويشير عدد من الدراسات والأبحاث إلى أن معظم حالات التهاب التامور الحاد لا تزال مجهولة السبب، ويظهر أن الإصابة لدى المراهقين والبالغين من صغار السن سببها فيروسات أو أمراض مناعة ذاتية لم تشخص بصورة جدية.
يمكن أن يكون وراء التهاب غشاء التامور الحاد التعرض لأزمة قلبية شديدة، وربما حدث شكل متأخر لالتهاب الغشاء بعد أسابيع من إجراء جراحة في القلب.
ويضيف: يطلق على هذا الالتهاب المتأخر متلازمة دريسلر، والتي تحدث بحسب عدد من الخبراء نتيجة استجابة التهابية خاطئة من قبل الجسم ضد الأنسجة الخاصة، استجابة مناعية ذاتية، وتتجه هذه الاستجابة إلى القلب وغشائه.
وتوجد أسباب أخرى وراء الإصابة بالتهاب التامور، ومنها الاضطرابات الالتهابية الجهازية، والتي تشمل الذئبة والتهاب المفاصل الروماتويدي.
ويمكن أن يكون وراء الإصابة في القلب حادث سيارة أو غيره من الحوادث، وتشمل الأسباب اضطرابات صحية أخرى مثل الفشل الكلوي والسل والسرطان.

العقاقير والأورام

ويضيف د. فتحي: تتسبب كذلك بعض العقاقير الطبية في الإصابة بالتهاب غشاء التامور، أو الانصباب التاموري، على الرغم من أن هذا الأمر ليس منتشرا، والسبب في ذلك أن الجسم يكـون حساسا لهذه الأدوية، وبالتالي يحدث تفاعل يؤدي إلى الإصابة بهذا المرض.
ويمكن أن تكون الأورام وراء الإصابة بالتهاب التامور الحاد، ومن أهم هذه الأورام سرطان الثدي والرئة وابيضاض الدم.
وتتسبب بعض الأمراض في الإصابة بهذه الحالة مثل التهاب المفاصل الروماتويدي، وحمى الروماتزم وداء فيجنر وتصلب الجلد، وتؤدي هذه الأمراض إلى أضرار لأعضاء أخرى بالإضافة إلى غشاء التامور.

مستمر ومتقطع

أعراض التهاب التامور الحاد واضحة، إلا في بعض الحالات النادرة لا توجد أعراض أو تكون غير واضحة، وفي أحيان كثيرة يسبق الأعراض بأسبوع أو اثنين أعراض عدوى فيروسية.
وتشمل أعراض العدوى السعال والحرارة المرتفعة والضعف والتعب أو الزكام، حيث إن معظم العدوى الفيروسية تسبب الزكام ويستمر التهاب غشاء التامور الحاد في العادة أقل من عدة أسابيع.
ويقسم الباحثون والأطباء التهاب غشاء التامور المتكرر المزمن إلى نوعين، الأول المستمر، وهــو ما يحدث خلال 6 أسابيع من توقف المريض عن العلاج بعد نوبة حادة، والثاني المتقطع وهو ما يحدث بعد 6 أسابيع.

ألم الصدر

ويرى الدكتور ديبابراتا داش مدرس ومختص أمراض القلب التداخلي أن أعراض الالتهاب تشمل ألماً في القفص الصدري، وهو أكثر الأعراض انتشارا بين مرضى التهاب التامور الحاد، وربما يكون الألم حادا أو لاذعا.
ويظهر خلف عظمة القفص المركزية أو الجهة اليسرى من الصدر، وتزداد حدة الألم أثناء عملية الشهيق العميق، وذلك لأن القلب يتحرك داخل التامور الملتهب.
وتزداد صعوبة الألم أيضا عند تناول الطعام، أو في حالة قيام المريض بتغيير وضعية الجلوس، أو السعال أو الاستلقاء.
ويمكن أن يؤدي الوقوف أو الميل للأمام أو عملية الزفير إلى أن تخف حدة الألم، لذلك يجلس المرضى في العادة وهم منحنون إلى الأمام.

مثل الأزمة القلبية

ويضيف د. داش: يسمع الطبيب عند فحص المصاب صـــوت احتكاك التاموري، ويمكن أن يصف بعض المصابين ألم الصدر بأنه يشبه الضغط وبدرجات متفاوتة، ويمكن أن يتشابه ألم التامور مع الألم المصاحب للأزمة القلبية.
وتتضمن الأعراض تورم الكاحل والقدم والساق، أو انتفاخ البطن، ويعاني المصاب من صعوبة في التنفس والسعال الجاف وخفقان القلب، وفي بعض الحالات من حمى منخفضة الدرجة، وشعور عام بالضعف أو التعب أو المرض.
ويمكن أن تظهر الفحوص المختبرية ارتفاعا في معدل ترسب كريات الدم الحمراء، وارتفاعا كذلك في عدد كريات الدم البيضاء.
ويجب الانتباه إلى أن آلام الصدر لا تظهر في جميع الحالات، وإن آلام الصدر تظهر عندما يكون السبب العدوى، وإذا كان الالتهاب نتيجة أسباب أخرى تكون آلام الصدر بسيطة أو أقل ظهورا.
وينصح داش المرضى بالحصول على الرعاية الطبية عند الشعور بأعراض جديدة من ألم الصدر.

المسكنات العلاج المناسب

يشير د. داش إلى علاج التهاب أن غشاء التامور الحاد يعتمد على السبب، وأيضا شدة الحالة، وذلك لأن هناك حالات ربما تتحسن من تلقاء نفسها دون الحاجة إلى تلقي علاج.
ويتم وصف الأدوية التي تقلل من التورم والالتهاب المصاحبين لالتهاب غشاء التامور، ومن هذه الأدوية مسكنات الألم التي تصرف دون روشتة طبية، مثل الأسبرين.
ويستجيب كثير من حالات الألم لهذه المسكنات التي تساعد في تخفيف الألم والالتهاب، وفي الغالب فإن الأعراض تتحسن خلال يوم من تناول هذه المسكنات، وربما كانت هذه المسكنات هي العلاج الوحيد لكثير من الحالات.
ويمكن وصف دواء كولشيسين لالتهاب غشاء التامور، أو لعلاج الأعراض المتكررة، ويقلل هذا الدواء الالتهاب في الجسم بصفة عامة، غير أنه ليس آمناً لمن يعانون من مشكلات صحية أخرى، مثل أمراض الكلى أو الكبد، أو من يتناولون أدوية معينة، ولذلك يجب أن يفحص الطبيب تاريخ المريض الصحي قبل وصف كولشيسين.

بذل غشاء التامور

ويضيف: يصف الطبيب أحد أدوية الستيرويدات القشرية في الحالات التي لا تستجيب للمسكنات أو كولشيسين، أو عند المعاناة من الأعراض المتكررة لالتهاب غشاء التامور.
وتحتاج بعض الحالات إلى العناية الطبية في المستشفى، وذلك عند الاشتباه في الإصابة بالدكاك القلبي، حيث إنه أحد المضاعفات الخطيرة لالتهاب غشاء التامور.
ويكون السبب وراء الإصابة به تراكم السوائل حول القلب، وربما احتاجت بعض الحالات إلى إجراء عملية تسمى بذل غشاء التامور، وفي الحالات التي يتكرر فيها التهاب غشاء التامور يمكن أن يتم إزالة غلاف القلب.
ويجب الانتباه إلى أن حالات الالتهاب الحاد من الجائز أن تتكرر مع المريض، لذلك ينصح الأطباء بعلاج السبب وراء التهاب الغشاء.

علاج السبب

تعاود أعراض التهاب التامور الحاد ما يقرب من 30% من الحالات، لمتعالج بكوليشيسين أو من تم علاجهم بالستيروتيدات القشرية بكمية ليست كافية، كما أنها تم وقفها فجأة.
ويشير الأطباء إلى أن كثيراً من الحالات الخفيفة المصابة بالتهاب غشاء التامور يكفيها الراحة والمسكنات الخفيفة، ويتجنب المريض أي نشاط بدني قوي أو عنيف، حيث يمكن أن تؤدي هذه الأنشطة إلى أن تعاود أعراض التهاب غشاء التامور.
ويشير الأطباء إلى أنه يجب علاج الأسباب التي تؤدي إلى التهاب التامور الحاد لتجنب تكرار الأعراض، وعلى سبيل المثال، إذا كان سبب الإصابة داء مناعة ذاتية، يكون العلاج عن طريق الأدوية التي تكبت المناعة.
ويتم علاج العدوى الجرثومية والسل عن طريق المضادات الحيوية، ويجب كذلك علاج الأورام إذا كانت السبب في التهاب التامور الحاد أو الانصباب التاموري، ويعتمد علاج احتشاء عضلة القلب الحاد في الأغلب على القسطرة القلبية.

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"