التيسير أساس المنهج الإسلامي

12:21 مساء
قراءة 6 دقائق

تتميز شريعة الإسلام بأنها تقوم على اليسر والسماحة، وتواكب كل أحداث الحياة المتجددة، وتلبي حاجة المسلمين في كل مكان وفي كل عصر . . ولذلك جاءت معظم أحكامها متغيرة وفقا لما تقتضيه مصلحة المسلم . وشاعت في تراثنا الفقهي مقولة اختلاف الفقهاء رحمة، ومارس فقهاء الإسلام في كل العصور أروع صور الحياة الفكرية وتعددت آراؤهم واجتهاداتهم، وأثروا حياتنا الفقهية والفكرية باجتهادات لا تزال تنير طريق الهداية للمسلمين وتحضهم على إعمال عقولهم لخدمة دينهم وأمتهم .

ونحن من خلال هذا الباب نستعرض صور التيسير والرحمة في الشريعة الإسلامية من خلال توضيح الأحكام الشرعية التي تجسد منهج الإسلام القائم على التيسير في الفتوى والتبشير في الدعوة . . كما نستعرض اجتهادات فقهاء المسلمين وخلافاتهم الفقهية التي تجسد مرونة وسعة شريعة الإسلام، ونلقي الضوء على الآداب والأخلاقيات الرفيعة التي شاعت بين العلماء والفقهاء وفرضت على كل واحد منهم أن يحترم آراء واجتهادات المخالفين له . في البدايه نسأل: لماذا كان التيسير هو منهج الشريعة الإسلامية؟

يقول الدكتور أحمد الطيب شيخ الأزهر: الشريعة الإسلامية هي التي تضبط وتنظم كل شؤون المسلمين في مختلف مجالات الحياة ولذلك ينبغي أن تبنى أحكام هذه الشريعة على التيسير لا على التعسير التزاما بقول الحق سبحانه وتعالى يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر، وقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: يسروا ولا تعسروا وبشروا ولا تنفروا .

والتيسير في عرض أحكام شريعة الإسلام الذي رفع شعاره كل علماء ومفكري الإسلام في كل العصور وخاصة العصر الحديث أمر واجب ومطلوب شرعا في ذاته، وليس استجابة لضغط الواقع أو تناغما مع روح العصر كما يتصور بعض الناس . . فالشريعة الإسلامية مبناها على اليسر لا على العسر، وتعليمها للناس مبني على التيسير لا على التعسير، والدعوة إليها قائمة على التبشير لا على التنفير .

من هنا ينبغي على كل فقهاء الإسلام المعاصرين كما يقول د .الطيب أن يتبنوا منهج التيسير في الفتوى وأن يتجنبوا في اجتهاداتهم كل ما يعسر على المسلمين حياتهم أو ينفرهم من الإسلام سواء في مجال العبادات أو المعاملات، وأن ينظروا إلى واقع المسلمين وأحوالهم وما يحيط بهم من تحديات قبل أن يصدر عنهم رأي أو اجتهادات وأن يجنبوا المسلمين تلك الخلافات والمجادلات العقيمة التي لا تثري فقهاً ولا فكراً، بل تضاعف من حالة الحيرة والاضطراب التي نعيشها في عالمنا الإسلامي .

لا مساس بالثوابت

لكن هل الالتزام بمنهج التيسير في الفتوى ومناشدة علماء الإسلام بتجنب الخلافات العقيمة التي تضاعف من حالة الحيرة والبلبلة والتردد لدى المسلمين خاصة في هذا العصر الذي تعددت فيه الاتهامات العشوائية للإسلام وشريعته وحضارته يعني تحليل ما حرمه الله عز وجل أو مسخ أحكام الشريعة وتطويعها للعصر ومتطلباته وانحرافاته كما يتوهم بعض أدعياء التجديد والتيسير؟ . . أم المطلوب تجسيد روح التسامح والعدل والرحمة في شريعة الإسلام من خلال كل ما يصدر عن العلماء من اجتهادات وآراء تتناول قضايا شرعية؟

الفقيهة الدكتورة عبلة الكحلاوي عميدة كلية الدراسات الإسلامية والعربية بالأزهر ترفع شعار التمسك بالثوابت واتقاء الشبهات في القضايا الاجتهادية وتقول: هناك الكثير من القضايا المعاصرة الشائكة التي تتطلب حكم الشرع وواجبنا كعلماء أن نتعامل معها بعقول مفتوحة ونتعرف إلى حقيقتها قبل التسرع بإبداء رأي فيها لا يعبر عن الموقف الإسلامي الصحيح، لأن هذا ينعكس سلبا على صورة الإسلام ويعطي الفرصة لخصوم ديننا لتشويهه، وتصويره على أنه دين يعادي الحياة ولا يتناسب مع العصر .

وتضيف: لكن الحرص على كل ذلك لا يعني تشويه أحكام الإسلام ومسخها، بل واجبنا أن نجسد روح التسامح والعدل والرحمة في شريعتنا من دون أن نفرط في قيمة من قيم الإسلام أو نتنازل عن أمر من ثوابته .

ضوابط الخلافات الفقهية

وإذا كانت خلافات العلماء والفقهاء في الأمور الاجتهادية رحمة بالأمة، ودليل سعة ومرونة الشريعة الإسلامية وبرهانا على صلاحية هذه الشريعة للتطبيق في كل زمان ومكان . . فما ضوابط هذه الخلافات؟ وما المجالات التي لا يضر فيها الخلاف؟ وهل كل أحكام الشريعة الإسلامية قابلة للتجديد والتغيير والتبديل وفقا لمتطلبات العصر؟ .

الدكتور محمد سيد طنطاوي شيخ الأزهر السابق رحمه الله أجاب عن هذا السؤال في دراسة مستفيضة له عن الاجتهاد في الأحكام الشرعية وقال: من سنة الله في خلقه وكونه أن جعل أحداث الحياة لا تنتهي، ووقائعها لا تكف عن التجدد والحركة واختلاف الأفكار والعقول والمقاصد والغايات بين الناس أمر واقع في كل زمان ومكان . . ومادام الأمر كذلك فلابد أن يوجد الاجتهاد في الأحكام الشرعية، فهذا يرى أن مسألة كذا من باب المكروه، وذاك يرى أنها من باب المباح، وكلاهما يسوق من الأدلة ما يؤيد اتجاهه ورأيه ومادام الاجتهاد في الأحكام الشرعية لا يصادم نصا شرعيا محكما، ولا يتعارض مع ما ثبت من الدين بالضرورة، فمرحبا به، لأنه دليل على سعة شريعة الإسلام، وعلى يسرها وسماحتها، وعلى خصوبتها ومرونتها، وعلى صلاحيتها لكل زمان ومكان .

ويوضح شيخ الأزهر الراحل أن خلافات العلماء والفقهاء واجتهاداتهم لها مجالات لا يجوز أن تتجاوزها حتى لا يتحول الاجتهاد إلى وسيلة لتشويه شريعة الإسلام ويقول: الاجتهاد والخلاف مجاله النصوص الشرعية التي ليس فيها دليل على أنها قطعية الثبوت، أو قطعية الدلالة . . فمثلا، لا مجال للاجتهاد في أن القرآن الكريم كلام الله الذي أنزله على نبيه محمد صلى الله عليه وسلم ليكون معجزته الخالدة الدالة على صدقه في ما يبلغه عن ربه، إذ من المعروف عند كل عاقل أن القرآن قطعي الثبوت في أنه كلام الله المعجز، بدليل أنه سبحانه تحدى الناس جميعا، أن يأتوا بسورة من مثله فعجزوا وسجل سبحانه هذا العجز منهم في آيات منها قوله سبحانه وإن كنتم في ريب مما نزلنا على عبدنا فأتوا بسورة من مثله وادعوا شهداءكم من دون الله إن كنتم صادقين فإن لم تفعلوا ولن تفعلوا فاتقوا النار التي وقودها الناس والحجارة أعدت للكافرين .

كذلك لا مجال للخلاف والاجتهاد في كل نص محكم قطعي الدلالة على معناه الواضح الذي لا يقبل التأويل، ومن أمثلة ذلك قوله تعالى: يا أيها الناس اعبدوا ربكم الذين خلقكم والذين من قبلكم لعلكم تتقون، وقوله سبحانه: اتل ما أوحي إليك من الكتاب وأقم الصلاة إن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر . . . وقوله عز وجل: يوصيكم الله في أولادكم للذكر مثل حظ الأنثيين وقوله تعالى: ولا تقتلوا النفس التي حرم الله إلا بالحق .

وكقول الرسول صلى الله عليه وسلم: الإيمان أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر .

فهذه النصوص وما يشبهها واضحة كل الوضوح في ما أمرت به أو نهت عنه، وقطعية الدلالة في أحكامها، بحيث لا تحتمل تأويلا يخالف مضمونها .

والخلاصة كما قال الدكتور طنطاوي أنه لا اجتهاد في الأحكام التي ثبتت من الدين بالضرورة، وفي النصوص التي هي قطعية الثبوت وقطعية الدلالة، كالنصوص التي تأمر بإخلاص العبادة لله تعالى، وباتباع الرسول صلى الله عليه وسلم، وبأداء العبادات التي كلفنا الله بها، وباعتناق الفضائل، وباجتناب الرذائل كالزنا وشرب الخمر، وشهادة الزور، وأكل الربا، وأكل مال اليتيم وغير ذلك من الرذائل التي نهت عنها شريعة الإسلام .

من هو المجتهد؟

وهل كل إنسان قادر على فهم النصوص واستنباط الأحكام الشرعية منها؟

ليس كل من يعرف أمور دينه قادرا على الاجتهاد، بل ليس كل داعية قادرا على القيام بهذه المهمة الخطيرة . . وقد اتفق علماء المسلمين على أن من شروط من يتصدى للاجتهاد الشرعي إلى جانب كمال دينه وعقله أن يكون ملما بعلوم اللغة العربية، وطرق دلالتها على المعاني وأن يكون حافظا للقرآن الكريم وفقيها بمعانيه، وأن يكون على علم واسع بالسنة النبوية المطهرة وبأحكامها وأن يكون مدركا لمقاصد الشارع، ولأحوال الناس ولما جرى عليه عرفهم، وما فيه صلاح حالهم، وأن يكون على دراية بالفقه وأصوله ممارسا لكل ذلك ممارسة عملية، حتى تكون عنده الملكة الذهنية، والقوة العقلية التي يستطيع عن طريقها استنباط الأحكام الشرعية، استنباطا سليما، وذلك فضل الله يأتيه من يشاء والله ذو الفضل العظيم .

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"