القرآن أرسى قواعد الحياة الزوجية السعيدة

"هُن لباسٌ لكم وأنتم لباسٌ لهن"
12:59 مساء
قراءة 5 دقائق

رسم القرآن الكريم طريق السعادة الزوجية والاستقرار الأسري، وأوضح لكل من الزوجين حقوقه وواجباته، ووضع الأساس المتين للحياة الزوجية الآمنة التي تثمر راحة نفسية وأزواجاً وزوجات متحابين متعاونين، وأبناء ينعمون بأجواء عائلية قائمة على الحب والتكاتف بما يتيح لهؤلاء الأبناء شق طريقهم نحو المستقبل بثقة واطمئنان .

وقد تنوعت وتعددت الآيات القرآنية الكريمة التي تقود كلاً من طرفي العلاقة الزوجية إلى الحياة الهانئة، ومن أبرز هذه التوجيهات القرآنية الشاملة ما جاء في سورة الروم حيث يقول الحق سبحانه وتعالى: وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجاً لِّتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ .

والمعنى: ومن آياته الدالة على رحمته بكم أنه سبحانه خلق لكم من أنفسكم أي: من جنسكم في البشرية والإنسانية أزواجاً لتسكنوا إليها ويميل بعضكم إلى بعض، فإن الجنس إلى الجنس أميل، والنوع مع النوع أكثر ائتلافاً وانسجاماً، وجعل سبحانه بينكم يا معشر الأزواج والزوجات (مودة ورحمة) أي محبة ورأفة لم تكن بينكم قبل ذلك، وإنما حدثت عن طريق الزواج الذي شرعه الله سبحانه بين الرجال والنساء والذي وصفه الله تعالى بهذا الوصف الدقيق في قوله عز وجل: هُن لباسٌ لكم وأنتم لباسٌ لهن .

ومعنى قوله سبحانه: إن في ذلك لآيات لقوم يتفكرون أي في خلق الأزواج والزوجات وما جعل الله في قلب كل من الرجل والمرأة من ميل ورغبة في الآخر، وما غرس في قلوب كل من الرجال والنساء الذين تربطهم علاقة زواج من محبة ومودة وخوف كل طرف على الطرف الآخر واستعداد للتضحية بكل شيء من أجله . في ذلك وغيره من العلاقات الوثيقة بين الزوجين آيات وعلامات تهدي إلى الرشد وإلى الاعتبار لقوم يتفكرون في مظاهر قدرة الله تعالى ورحمته بخلقه .

دستور خالد

هذه الآية الكريمة يراها المفكر الإسلامي د .محمود حمدي زقزوق وزير الأوقاف المصري السابق، دستور العلاقة الزوجية الخالد حيث حددت ثلاثة أمور تعد الأساس الراسخ للعلاقة الزوجية وهي السكن للنفس والمودة والرحمة . أما السكن النفسي فإنه يعني الاطمئنان ومنه السكينة التي تكرر ذكرها في القرآن الكريم تعبيراً عن الطمأنينة والأمان، ومن آيات الله البالغة أن يجد كل من الرجل والمرأة على السواء شريكاً له في مسيرة الحياة يفضي إليه بمكنون أسراره ويطمئن إليه ويجد راحته النفسية بجواره .

أما الأمر الثاني فهو المودة وتعني الحب الذي يربط بين القلوب ويؤلف بينها، فهو من أسمى العواطف التي تعد أيضاً من آيات الله البينات في هذه العلاقة الزوجية الحميمة التي لها قدسيتها وحرمتها . وقد ظلت العادات والتقاليد تنكر هذه العاطفة النبيلة واعتبرت الحديث عنها في كثير من الأحيان من الأمور غير المرغوب فيها كما لو كانت عورة من العورات ينبغي إخفاؤها، مع أن لفظ الحب ومشتقاته ورد في القرآن الكريم عشرات المرات، وأن أسمى علاقة للإنسان بالله هي علاقة الحب .

والأمر الثالث الذي تشير إليه الآية الكريمة في الصلة بين الزوجين والذي من شأنه أن يصون هذه العلاقة من الشوائب هو الرحمة، التي تأتي على رأس منظومة القيم الأخلاقية الإسلامية، وهي أكثر هذه القيم وروداً في القرآن الكريم وأكثرها وصفاً لله تعالى الذي وسعت رحمته كل شيء فهو الرحمن وهو الرحيم .

وفي إطار هذه المعاني النبيلة أراد الله سبحانه وتعالى أن يحيط العلاقة الزوجية بسياج منيع يصونها ويحميها من أي رياح قد تهب عليها، فالالتفات إلى هذه المعاني التي تحملها الآية الكريمة من شأنه أن يغلق الأبواب أمام العوامل التي يمكن أن تخلخل هذه العلاقة، ومن هنا كان ختام الآية الكريمة التي أشارت إلى هذه المعاني قوله تعالى إن في ذلك لآيات لقوم يتفكرون .

وإذا كانت العلاقة الزوجية تتأسس على هذه القيم، فإن ذلك يعني أن لها مكاناً مفضلاً يكاد يصل إلى حد القداسة لأنها أساس قيام المجتمعات البشرية ومن هنا فإنه لا ينبغي الإساءة إلى هذه العلاقة التي جعلها القرآن الكريم ميثاقاً غليظاً وعهداً مشدداً .

نعمة الزواج

الداعية والعالم الكبير د .أحمد عمر هاشم يوضح لنا هداية أخرى من هدايات هذه الآية الشاملة الجامعة، فيقول: الزواج الطبيعي بين جنسين مختلفين أي بين رجل وامرأة عن رغبة بين الطرفين هو نعمة من نعم الله العديدة والمتنوعة التي أنعم بها على الإنسان ويجب على كل إنسان عاقل سوى أن يشكر خالقه كل الشكر على هذه النعمة . ومن هنا فإن العزوف عن الزواج من دون عذر شرعي مقبول هو كفران بهذه النعمة ومخالفة لسنة الله في خلقه، وهذا سلوك يجلب لصاحبه غضب الله وعقابه . وقد عبر القرآن الكريم عن العلاقة الزوجية بأنها نعمة من نعم الله، وأن ما ينتج عنها من ذرية يعد أيضاً من نعم الله، وهذا ما نراه واضحاً في قول الحق سبحانه في سورة النحل: وَاللّهُ جَعَلَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجاً وَجَعَلَ لَكُم مِّنْ أَزْوَاجِكُم بَنِينَ وَحَفَدَةً وَرَزَقَكُم مِّنَ الطَّيِّبَاتِ أَفَبِالْبَاطِلِ يُؤْمِنُونَ وَبِنِعْمَة اللّهِ هُمْ يَكْفُرُونَ .

عصمة من الزلل

ويوجه د .هاشم حديثة إلى الشباب القادر على الزواج والعازف عنه، ويقول: دينكم دعا إلى الزواج وحث عليه ورغب فيه لأن في ذلك عصمة لكم من الزلل والخطيئة وفي الزواج حفظ لدينكم ولصحتكم ولأخلاقكم وفي الزواج سعادتكم في الدنيا والآخرة فما أجمل وأروع أن يرزق الله الإنسان بزوجة صالحة تكون قرة عينه وتكون سكناً لنفسه . تدبروا يا أبنائي حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم: يا معشر الشباب من استطاع منكم الباءة فليتزوج فإنه أغض للبصر وأحصن للفرج ومن لم يستطع فعليه بالصوم فإنه له وجاء .

واعلموا يا أبنائي أن الامتناع عن الزواج سلوك غير مشروع، لأن الزواج سنة الله سبحانه وتعالى جاء بها جميع الرسل . فأقبلوا على الزواج بنفوس راغبة ومشاعر صادقة ونوايا طيبة لكي ييسره الله لكم .

لا للانحراف

الفقيهة والداعية د .سعاد صالح، أستاذة الشريعة الإسلامية بجامعة الأزهر، توضح لنا جانباً من هداية هذه الآية الكريمة وهي ضرورة أن يكون الزواج وفق الفطرة التي فطر الله الناس عليها، بين رجل وامرأة وليس بين جنسين متماثلين كما شاع الشذوذ والانحراف والفساد الأخلاقي في عالم اليوم . حيث شاع الزواج بين المثيلين في البلاد غير الإسلامية وانتقل للأسف إلى بعض بلاد المسلمين نتيجة التقليد الأعمى والسير على خطى المنحرفين والفاسدين في المجتمعات الأخرى .

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"