اليمن أمام مقصلة "مؤتمر لندن"

03:24 صباحا
قراءة 8 دقائق

لا شيء يقلق اليمنيين هذه الأيام أكثر من قلقهم من النتائج التي يمكن أن تترجمها قرارات المؤتمر الدولي حول اليمن، الذي عقد أمس (الأربعاء) في العاصمة البريطانية لندن، ذلك أن نتائج هذه المؤتمر يمكنها أن تحدد مستقبل هذا البلد الذي يواجه تحديات كبيرة واستحقاقات مهمة خلقتها الأزمات التي يعيشها منذ سنوات عدة، بدءاً من الحرب الأهلية التي اندلعت بين فرقاء الحياة السياسية العام ،1994 مروراً بالحرب الدائرة مع المتمردين الحوثيين في الشمال منذ ست سنوات من دون أفق لنهايتها، والاضطرابات والاحتجاجات في الجنوب، وانتهاء بالمعركة الشاملة مع تنظيم القاعدة، وهي المعركة التي تهم الغرب أكثر من الملفات السابقة، والسؤال الذي تطرحه الأوساط السياسية في اليمن وخارجه، هو ماذا بعد مؤتمر لندن؟ وكيف يمكن أن يستقبل اليمنيون نتائجه، وكيف ستتعامل السلطات الرسمية مع هذه النتائج؟ .

منذ حادثة الطائرة الأمريكية التي حاول المواطن النيجيري فارق عبدالمطلب تفجيرها أثناء رحلتها من العاصمة الهولندية امستردام إلى ديترويت في الخامس والعشرين من شهر ديسمبر/ كانون الأول الماضي، واليمن في صدارة اهتمام الغرب، وفي مقدمتهم الولايات المتحدة الأمريكية التي اختصرت الحالة اليمنية بالأرض الحاضنة للقاعدة، لهذا بدأت بالتحرك مع بريطانيا لبدء حرب شاملة ضد القاعدة على الأراضي اليمنية، فأرسلت واشنطن الجنرال ديفيد بترايوس إلى صنعاء الذي التقى الرئيس اليمني علي عبدالله صالح لعدة ساعات وتناقشا حول الطريقة التي يمكن أن يتعاون بها الطرفان (اليمن والولايات المتحدة) للقضاء على خطر تنظيم القاعدة، والدعم الذي يجب أن تقدمه واشنطن لصنعاء في مجال مكافحة الإرهاب، حيث جرى الاتفاق على دعم وحدة متخصصة لمكافحة الإرهاب تتولى مهمة ملاحقة عناصر القاعدة في المناطق اليمنية التي تتواجد فيها، بخاصة المناطق الرخوة منها والتي لا تتواجد فيها الدولة بشكل فاعل، مثل مأرب، الجوف، شبوة وأبين .

بموازاة الخطوة الأمريكية كانت الحكومة البريطانية تعلن عزمها عقد مؤتمر دولي حول اليمن لمكافحة الإرهاب، حتى من دون أن يجري التنسيق مع الحكومة اليمنية أو التشاور معها، فقد فوجئت صنعاء كما تفاجأ الآخرون في إعلان رئيس وزراء بريطانيا جوردن براون عقد مؤتمر دولي حول اليمن في لندن أواخر شهر يناير/ كانون الثاني الجاري، والذي ترافق مع ضغوطات أمريكية على صنعاء بضرورة التعاون في ملاحقة عناصر القاعدة على الأراضي اليمنية، حيث أكد براون أن اليمن صار دولة فاشلة .

وكان عدد من أعضاء مجلس الشيوخ الأمريكي قد طالب إدارة الرئيس باراك أوباما بأن تكون خطواته سريعة باتجاه اليمن، وأن تتابع أعداءها على أراضيها، في إشارة إلى تنظيم القاعدة الذي عزز من تواجده في الأراضي اليمنية في ظل انشغال صنعاء بجبهتين رئيستين في البلاد، الأولى الحرب المستعرة في صعدة ضد المتمردين الحوثيين منذ أكثر من ستة أشهر، والثانية الاحتجاجات المتواصلة في الجنوب الداعية للانفصال .

لهذا تبدو واشنطن غير مهتمة للأزمات التي يواجهها اليمن في الشمال والجنوب من جراء استمرار الحرب في الشمال والاحتجاجات في الجنوب، والفقر الذي يلف البلاد كاملة، قدر اهتمامها بإنهاء خطر تنظيم القاعدة على أمنها القومي، بخاصة وأن المعلومات التي سربتها قنوات استخباراتية في الولايات المتحدة وبريطانيا تؤكد أن تنظيم القاعدة استعاد عافيته بعد الضربات التي وجهت إليه في كل من باكستان وأفغانستان، وبدأ بتجميع قواه في اليمن، الأرض التي يعتقد الغرب أنها الملاذ الآمن للتنظيم لأسباب كثيرة أهمها ضعف سيطرة الدولة على كافة مناطق القبائل والتذمر الذي يسود اليمنيين من الطريقة التي تدير بها الولايات المتحدة سياساتها تجاه القضية الفلسطينية .

الصبر الأمريكي

يعتقد الأمريكيون أن اليمن لم يعد لديه ما يجعله قادراً على مواجهة نشاط وتمدد تنظيم القاعدة لوحده، وأن على واشنطن الاقتراب أكثر لمساعدته في القضاء على التنظيم، وتقول مصادر مطلعة إن الولايات المتحدة الأمريكية لن يكون لديها الصبر ولا الموارد اللازمة لمنع اليمن من الانزلاق إلى دولة فاشلة نتيجة الأوضاع التي تعيشها البلاد في الوقت الحاضر، خاصة وأنها تعاني من انفجار سكاني وبطالة ساحقة ونقص حاد في المياه وإنتاج النفط متوقع أن يجف في أقل من عقد من الزمان، ووضع اقتصادي يزداد بؤساً بفضل فساد الحكومة، بالإضافة إلى تركيز نفقات السلطة على حرب التمرد في الشمال ومواجهة النزاعات الانفصالية في الجنوب .

لهذا السبب تحاول واشنطن الإقدام على اتخاذ العديد من الخطوات في اليمن بذريعة منعه من الانزلاق في الفشل، مشيرة إلى أنها تضغط على النظام ليتوصل إلى تسوية مع المتمردين الحوثيين وإنهاء الحرب معهم ويتمكن من التركيز على إنهاء خطر تنظيم القاعدة .

وتشير ذات المصادر إلى أن وفد الكونجرس الذي زار اليمن أواخر شهر أغسطس/ آب العام الماضي أكد للمسؤولين اليمنيين أن المساعدات الأمريكية لليمن أكانت مادية أو عسكرية مشروطة بأن يتركز توجيهها ضد تنظيم القاعدة وليس ضد أي تمرد آخر، في إشارة إلى تمرد الحوثي والاحتجاجات الانفصالية في الجنوب .

من هنا فإن صنعاء تحاول قدر الإمكان التوفيق بين التزاماتها بمحاربة تنظيم القاعدة والحصول على الدعم الأمريكي الكامل غير المشروط لمواجهة جبهة الحوثيين في الشمال، وهي جبهة تشكل خطراً على النظام بأسره، بالإضافة إلى الوضع في جنوبي البلاد، الذي يتحرك على مساحة جغرافية كبيرة، وتتزايد معه النعرة الانفصالية مع كل ضعف أو وهن يصيب جسد الدولة الموحدة .

ولا يخفي الكثير من اليمنيين قلقهم من أن ينصب اهتمام الأمريكيين على توفير قاعدة عسكرية على أراضيهم وسط حديث عن رغبة أمريكية في الحصول على موافقة يمنية لتحويل جزيرة سقطرى، التي تبعد بنحو 200 ميل عن السواحل اليمنية من مهبط للطائرات إلى قاعدة عسكرة كاملة يتيح للأمريكيين الانطلاق منها لمحاربة القاعدة، وهو ما سيجعل اليمن يحصل على دعم أكبر برنامج للمساعدات وكذلك محاربة القراصنة الصوماليين وإيجاد تسوية مع المتمردين الحوثيين ومحاربة القاعدة وفق الرؤية الأمريكية .

ربما هذا هو الذي دفع ب 150 من علماء الدين للتحذير من مغبة الانجرار إلى الرغبة الأمريكية تحت حجة محاربة القاعدة لإيجاد موطئ قدم لواشنطن في الأراضي اليمنية، وأكدوا أنهم سيعلنون الجهاد في حالة قررت واشنطن إرسال أية قوات عسكرية إلى اليمن .

ويقول رئيس جامعة الإيمان الشيخ عبدالمجيد الزنداني، الذي تصدّر تحركات العلماء خلال الفترة القليلة الماضية، إن أي تدخل أمريكي مباشر في اليمن لمواجهة مايوصف ب الإرهاب وتنظيم القاعدة سيعد احتلالاً واستعمارا، وقال: نرفض الاحتلال العسكري لبلادنا ولا نقبل عودة الاستعمار مرة ثانية .

هذا التحرك أغضب صنعاء، ودفعها لمهاجمة بيان العلماء في افتتاحية لصحيفة الثورة الرسمية، وهي حالة نادرة جداً، حيث قالت الصحيفة إن العلماء خانهم التوفيق في بيانهم هذا، ولم يفرقوا بين دعم مكافحة الإرهاب ودعم الإرهابيين من عناصر القاعدة .

أما المعارضة فإنها رأت في تحركات صنعاء وواشنطن لاستغلال فوبيا القاعدة فزاعة لجعل اليمن مساحة للتجريب في طرق مكافحة الإرهاب، ويقول القيادي البارز في أحزاب المعارضة المنضوية في تكتل اللقاء المشترك محمد الصبري: نحن أمام مساحة جغرافية فارغة والأحداث في أبين وشبوة فتحت أبواب استباحة الجنوب أمام القوات الدولية التي تبحث عن القاعدة وتلاحقها في كل مكان .

مؤتمر لندن

يعارض الكثير من رجال الدين والمعارضة على السواء مؤتمر لندن حول اليمن إذ يرى فيه الكثير منهم مقدمة لتدويل أزمة اليمن في إطار حربه ضد تنظيم القاعدة، ويطالب الشيخ عبدالمجيد الزنداني على ضرورة ان يتوخى الشعب اليمني وحكومته الحذر قبل المواجهة على ما وصفه بفرض وصاية على البلاد، وأبدى الزنداني معارضته لعقد مؤتمر لندن بالصيغة التي يراها الأمريكيون والبريطانيون، معتبراً ان الداعين للمؤتمر يرون أن الحكومة اليمنية فاشلة، وهذا وحده كاف لإعلان التدخل في الشؤون اليمنية .

وترى المعارضة أن نتائج مؤتمر لندن سوف تفتح أبواب جهنم على اليمن، خاصة في ظل تزايد المعارضين لأي تواجد أجنبي على الأراضي اليمنية، ويقول مراقبون إن على صنعاء التحرك سريعاً لمنع تحويل البلاد إلى ساحة مواجهة بين اليمنيين الرافضين لتواجد أي أجنبي وأية قوات أجنبية قد يمنحها مؤتمر لندن التفويض بذلك .

لكن نائب وزير التخطيط والتعاون الدولي المهندس هشام شرف يتمنى أن يسهم مؤتمر لندن في حشد الدعم الدولي لمساعدة اليمن في التغلب على التحديات الكبرى التي تواجهه والتي لا تتوقف عند حربه القائمة مع تنظيم القاعدة .

ويرى شرف في حديث لالخليج أن الدعم المفترض والذي يتطلع إليه اليمن من مؤتمر لندن يتمثل في توفير برامج دعم اقتصادي طويلة المدى لليمن تسهم في تمكين الحكومة من تحسين مقدرات التنمية ومكافحة الفقر والبطالة اللذين يمثلان الأسباب الرئيسية للتطرف والإرهاب .

ويشير نائب وزير التخطيط والتعاون الدولي إلى أن العلاقات اليمنية الأمريكية تشهد تنامياً ملموساً وبخاصة عقب رفع واشنطن سقف الدعم المقدم لليمن إلى 150 مليون دولار، معتبراً أن اليمن يتطلع لأن تضطلع الولايات المتحدة بدور أكثر فاعلية في دعم التنمية ومساعدة اليمن على تطوير بنيته التحتية سواء في المجال الاقتصادي أو الأمني والعسكري .

من جهته يرى القيادي في حزب المؤتمر الشعبي العام الحاكم في البلاد طارق الشامي أن الحرب التي تخوضها الحكومة اليمنية حالياً ضد تنظيم القاعدة هي جزء من حرب دولية تستهدف مكافحة الإرهاب .

ويشير رئيس الدائرة الإعلامية ل الخليج إلى أن اليمن لديه رؤية شاملة في حربه المحتدمة مع الإرهاب وتنظيم القاعدة بدرجة رئيسة تنطلق من ضرورة مواجهة الإرهاب عبر منظومة أمنية واقتصادية واجتماعية متكاملة، الأمر الذي يتطلع من خلاله اليمن إلى بناء علاقات تعاون استراتيجية مع الدول المانحة وبخاصة الولايات المتحدة الأمريكية، بحيث يتم دعم اليمن في حربه ضد الإرهاب والقاعدة من خلال تقديم الدعم اللازم لتطوير المنظومة الأمنية اليمنية بتعزيز قدرات قوات مكافحة الإرهاب اليمنية وتطوير إمكانات قوات خفر السواحل، إلى جانب الدعم الأمني والعسكري اللوجيستي .

ويؤكد القيادي في الحزب الحاكم على أهمية أن يترافق الدعم الدولي والأمريكي لليمن لتعزيز قدرات الأجهزة الأمنية اليمنية في مواجهة تنظيم القاعدة تقديم الدعم التنموي ومساعدة اليمن على تحسين مقدرات اقتصاده الوطني حتى يتمكن من مكافحة بؤر التطرف والحيلولة دون نجاح القاعدة في استقطاب الشباب العاطل عن العمل، منوها إلى أن خطر تنظيم القاعدة صار يتهدد الاستقرار العالمي وليس أمن دولة دون أخرى وهو ما يفرض تعزيز التعاون بين مختلف الدول لمواجهة هذا الخطر .

وشدد الشامي على ضرورة أن تسهم الولايات المتحدة في مساعدة الدولة الصومالية لبسط الأمن والاستقرار في أراضيها والقضاء على أعمال وجرائم القرصنة في البحر العربي وخليج عدن كون ذلك سيسهم في الحد من خطر تنظيم القاعدة سواء على المستوى المحلي أو الإقليمي في منطقة الجزيرة العربية والقرن الإفريقي .

من جهته اعتبر الأمين العام السابق للحزب الناصري الديمقراطي عبده الجندي أنه من السابق لأوانه توقع ما يمكن ان يقدمه مؤتمر لندن، مشيراً إلى أن اليمن حدد موقفه من مؤتمر لندن، حيث أعلن الرئيس علي عبدالله صالح أن اليمن لا يتعامل مع مقررات مؤتمر لندن إذا ما انحرف المؤتمر عن الأهداف المتوخاه منه بحشد الدعم الدولي لمساعدة اليمن على مواجهة التحديات الأمنية والاقتصادية والسياسية التي تواجهه .

ويضيف قائلاً إنه إذا ما انحرف مؤتمر لندن عن مساره وأهدافه في دعم اليمن فإن الحكومة اليمنية لن تتعامل مع مقرراته ونتائجه، ونحن نتطلع إلى أن يكون مؤتمر لندن مناسبة لحشد الدعم لمساعدة اليمن وليس لتدويل أزماته الداخلية والتدخل في شؤونه الداخلية .

ولفت الجندي إلى أن أي تدخل أجنبي أو أمريكي في شؤون اليمن غير مقبول، محذراً من أي دعم مشروط لليمن بالقول: أي دعم مشروط لليمن سيضع الحكومة اليمنية في مواجهة الشعب، وهذا سيخدم الإرهاب وتنظيم القاعدة ولن يخدم جهود اليمن لمكافحة الإرهاب .

وفي انتظار أن يتم ترجمة مقررات مؤتمر لندن فإن حالة من الترقب تسود الأوساط اليمنية في الداخل، حيث يخشى الكثير أن تكون هذه القرارات سيفاً مصلتاً على رقاب اليمنيين في المستقبل، وأن يتم رهن القرار اليمني بمدى رضا الغرب عن هذا القرار، لهذا يرى الكثير من المراقبين أنه لا يجب أن يترك اليمن لوحده في معركته الحالية، بل يجب أن تسارع المؤسسة العربية، المتمثلة بجامعة الدول العربية، إلى البحث في وسائل تحرر فيه اليمن من الخضوع للشروط والإملاءات الغربية .

من هنا فإن مساعدة اليمن في الوقت الحاضر مهمة عربية وخليجية بامتياز، ذلك أن بدء قضم اليمن من البوابة الجنوبية للعالم العربي سيكون مقدمة لالتهام العرب جميعاً .

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"