تراث الإمارات لوحات فنية

أنامل تمزج الماضي بالحاضر
00:24 صباحا
قراءة 4 دقائق
العين: هديل عادل

أخذت ظاهرة توجه الفنان الإماراتي المعاصر نحو استخدام مفردات تراثية في أعماله الفنية، تزداد وتتسع ليصبح موضوع «التراث» بأشكاله وصيغه المختلفة، عنواناً مهماً لكثير من فنون الرسم والتصوير و النحت، إضافة إلى الأعمال السينمائية والدراما التلفزيونيّة والموسيقى، وذلك من خلال تناول أبرز مظاهرها ورموزها، وتوظيفها ضمن إنتاجهم الفني، وفي الجانب الآخر أصبحنا نلمس اهتماماً ملحوظاً من الباحثين عن الأعمال الفنّية المعجونة بروح التراث، كإحدى أبرز وسائل استعادة ملامح الزمن الجميل الذي عاشه الأجداد والآباء، سواء كانت مجسدة في لوحة فنيّة أو منحوتة أو صورة ضوئيّة أو فيلما أو مسلسلاً إذاعياً أو تلفزيونياً أو أغنية أو مشغولات تنتمي إلى هذا الزمن البعيد والقريب، الذي لم يعد التعلق به مقتصراً على من عاشه، إنما امتد للأجيال الجديدة التي تعرفت عليه وارتبطت به من حكايا الآباء والأجداد، وإبداعات فنانين أوفياء استطاعوا أن يمزجوا الماضي بالحاضر في أعمالهم النابضة بحب تراثهم وانتمائهم لهويتهم.
تتحدث سمية السويدي، مدير البرامج المجتمعية في دائرة الثقافة والسياحة - أبوظبي عن دور دائرة الثقافة والسياحة في دعم الأنشطة الفنية التي تحفظ الهوية الثقافية والتراثية لإنسان الإمارات، قائلة: تولي دائرة الثقافة والسياحة اهتماماً خاصاً بالفنون نظراً لأنها أحد أهم الأدوات التي يتم من خلالها التعبير عن الهوية الثقافية، وفيها تظهر المكونات التراثية لإنسان المكان بشكل واضح، ومما لا شك فيه أن التراث يعد أحد أكثر الموضوعات بحثاً في الفن التشكيلي وعبر مختلف المدارس الفنية، و هناك روابط وثيقة مع التراث انطلاقاً من أسلوب الحياة المميز في الإمارات، والذي يمزج الحداثة بالأصالة مما أدى إلى أعمال فنية مذهلة تظهر التنوع الثقافي، وبعضها يرصد التحولات في القيم والممارسات المجتمعية وينقدها أيضا، و قد لا تكون الفنون هي الوسيلة الأنسب لتوثيق الموروث الشعبي والقيم ونقلها كما هي للأجيال القادمة، لكنها قد تجسدها من منظور الفنان، ووفق وجهة نظره الخاصة، والتي قد تثير الأسئلة وتؤدي إلى نقاشات مهمة.
وحول أهم الأنشطة الفنية التي تنظمها دائرة الثقافة والسياحة في إطار حفظ التراث والهوية الإماراتية، تقول: من أبرز المعارض التي نظمتها دائرة الثقافة والسياحة- أبوظبي لنقل وجهات النظر الفنية عن التراث معرض «الألعاب الشعبية الإماراتية» في مركز القطارة للفنون في العين، وقدم الفنانون المشاركون فيه مقاربة معاصرة لستة ألعاب شعبية كانت تمارس قديما في زمن البراءة والبساطة، بهدف إعادة تقديم تلك الألعاب التي ابتكرت وصممت بأدوات أولية من البيئة، في زمن انتهت فيه الألعاب الجماعية البسيطة، وطغت عليها الألعاب الإلكترونية والحديثة عموماً، وهذا فيه نوع المعارض، رصد للتحولات وتغير الأحوال وأنماط العيش بين الماضي والحاضر.
وفي معرض «لمسة من التراث» والذي ينظم كل عام بالتزامن مع الاحتفالات باليوم الوطني في منارة السعديات، يكشف المعرض عن مضامين عميقة تتعلق بالتراث باعتباره أحد مكونات الهوية الوطنية، وفيه رمزية قوية لحب الوطن والانتماء، والفخر بالمنجزات الوطنية، وكذلك يظهر في أعمال المشاركين تنوع البيئة الطبيعية في الإمارات و تنوع الموروث وتعدد أشكاله.
أيضاً يمكننا الإشارة إلى معرض «الحج: رحلة في الذاكرة» المقام بالتعاون بين مركز جامع الشيخ زايد الكبير ودائرة الثقافة والسياحة، و يحتفي المعرض بالموروث التاريخي والحضاري لرحلة الحج إلى بيت الله الحرام في مكة المكرمة، من خلال عرض 182 قطعة نادرة لمقتنيات تضم مخطوطات إسلامية وصورًا فوتوغرافية وآثاراً وتذكارات شخصية، إلى جانب أعمال فنية معاصرة مستلهمة من ثيمة المعرض.

ألعاب شعبية

ونجد الفنانة روضة الشامسي حريصة على الاستلهام من مخزون التراث وقصصه، لتحول مكنونها إلى إبداعات فنية تجسد من خلالها جمال بيئة الإمارات وقيمها العربية الأصيلة، تقول الشامسي: واجبنا كفنانين إماراتيين تناول موروثنا الشعبي في أعمالنا الفنية، و هذا ما يميز هويتنا كفنانين محليين، و أعتقد أيضا أنه من الضروري أن يكون للفنان الإماراتي بصمة مميزة في مجال الفن، ويمكن تحقيق ذلك بالعودة إلى التراث والثقافة المحلية، واستلهام الأفكار والمعاني منها، وأعتز بمشاركاتي في المعارض التي تعمق فينا كفنانين ومتلقين انتماءنا لموروثنا الشعبي والإنساني، ومن أبرز مشاركاتي في هذا الإطار معرض «الألعاب الشعبية الإماراتية» الذي شاركت به بعمل حول لعبة «الدسيس»، وتعني الاختباء أو الاختفاء، وكانت البنات تمارس هذه اللعبة وكذلك الأولاد الصغار، و تحديت نفسي لأعيد تشكيل إحدى الألعاب الإماراتية القديمة بطريقة مبتكرة وباستخدام مواد حديثة، ولم يكن هدفي عند تصميم العمل الذي شاركت فيه تجسيد الألعاب الشعبية بطريقة عصرية فقط، ولكني حاولت أن أوظف الأشكال والمساحات لأعبر عن الحالة العاطفية التي كان يعيشها أطفال الإمارات في الماضي.
ويبرز يوسف الطنيجي (من هواة التصوير) عبر عدسته جمال التراث الإماراتي، وعناصره ومفرداته، ويرصد بكامرته العادات و التقاليد الأصيلة التي تميز بها الشعب الإماراتي على مر العصور، يقول: الهوية الوطنية هي هاجسي في كل عمل فني أقدمه، لأنني كأي فنان إماراتي يدفعه حبه للوطن لتسخير طاقاته الفنية في خدمته، وأعتقد أن هذه القضية تعد من أهم القضايا الوطنية التي تهم كل مواطن عاش وترعرع في خير هذه الأرض، وهويتنا الوطنية هي التي ستحفظ لنا أصالتنا وإرثنا الحضاري والتاريخي، وهذا ما أحاول تجسيده من خلال صوري التي أتناول فيها جمال البيئة الإماراتية بطرق مختلفة تعبر عن رؤيتي الفنية والوطنية، ويستهويني كثيراً تصوير الرجل الإماراتي بكل حالاته، في ميدان العمل، مع أسرته، وهو يخدم وطنه.

معان وجماليات

علاقة الفنانة عشبة الغفلي، بتراث أجدادها تنعكس بقوة على أعمالها الفنية، لأنها تقدر التراث الإماراتي، وترى فيه مخزوناً كبيراً من المعاني والجماليات والقيم والقصص التي تلهم الفنان، وتثري تجربته الفنية، تقول الغفلي: المواضيع التراثية تحركني تلقائياً، وتدفعني نحو تناولها في معظم لوحاتي، خاصة المهن التراثية، التي كلما تعمقت فيها تلمست التحديات التي كان يعيشها أجدادنا في الماضي، ما يعطيني طاقة فنية وإنسانية كبيرة لمحاولة تجسيد هذه التحديات في أعمالي، أيضاً أحب رواية القصص التراثية في أعمالي بطريقتي الخاصة، لأجذب الجمهور نحو معرفة حياة إنسان الإمارات في الماضي.

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"

https://tinyurl.com/y69sudkq