حفظ النفس مقصد أساسي للشريعة الإسلامية

هذا الدين العظيم
02:42 صباحا
قراءة 7 دقائق

كفلت الشريعة الإسلامية لكل من يعيش على أراضيها وفي ظل رعايتها حق العيش في بيئة نظيفة تساعده على أن يعيش حياة صحية جيدة بعيداً عن الملوثات والأمراض الوبائية . . فإذا ما مرض الإنسان كفلت له الشريعة حقاً آخر سواء أكان مسلماً أو غير مسلم وهو حق العلاج المناسب لمرضه من دون تفرقة بين غني وفقير ولا بين مسؤول كبير ومواطن بسيط فكل إنسان حياته عزيزة عليه وعلى أهله، والإسلام يقدر النفس البشرية ويأخذ كل الوسائل للحفاظ عليها وحمايتها من التهلكة .

في البداية يؤكد د . سعد الهلالي أستاذ الشريعة الإسلامية بجامعة الأزهر أن حفظ النفس من كل الأضرار المادية والمعنوية، أحد المقاصد الأساسية للشريعة الإسلامية، ولذلك ألزم الإسلام الإنسان بالحفاظ على صحته وحمايتها من كل المخاطر لكي يعيش حياة مستقرة بعيداً عن الأمراض العضوية والنفسية .

ومن هنا كان حفاظ الإنسان على صحته حقاً من أبرز حقوقه، بل هو واجب على الإنسان وليس مجرد حق . . فالمؤمن السليم القوي المعافى أحب إلى الله من المؤمن الضعيف لأنه الأقدر على أداء الواجبات والتكاليف الدينية والدنيوية، وهو الأقدر على الاستخلاف في الأرض وعمارة الكون .

قواعد إسلامية

ويوضح د . الهلالي مظاهر ودلالات حرص الإسلام على الصحة العامة فلقد عني القرآن، كما عنيت السنة النبوية بصحة الإنسان، وعافية بدنه ونفسه، عناية فائقة، ويتمثل ذلك في النقاط التالية:

اعتبار الصحة والعافية من أعظم نعم الله تعالى التي يجب أن تقابل بالشكر، وشكر هذه النعمة يتم بالمحافظة عليها، وفق سنن الله في الأسباب والمسببات .

حث المسلم على العناية الفائقة بصحته، في العديد من النصوص التي تؤكد أن المؤمن القوي خير وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف . . والإسلام يحث المسلمين على كل ما يكسبهم القوة في أبدانهم .

تقرير حق الجسد على الإنسان . . والرسول صلى الله عليه وسلم يقرر هذا الحق فيقول: إن لبدنك عليك حقاً . . ومن هنا لا يجوز للإنسان في نظر الإسلام إرهاق البدن بالعمل وطول السهر والجوع .

تشريع الرخص والتخفيفات . . فمن عناية الإسلام بحق الجسم ما شرعته أحكامه من رخص في أداء الفرائض إذا كان العمل بالعزائم يؤذي الجسم، كأن يسبب له مرضاً، أو يزيد في مرض قائم، أو يؤخر الشفاء منه، أو يؤدي إلى مشقة زائدة، فهنا يضع الوضوء إلى التيمم، والصلاة قائما إلى الصلاة قاعداً أو مضطجعاً، وله الفطر في رمضان للسفر أو المرض إلى غير ذلك من أنواع التخفيف حتى أصبح مقرراً عند عامة المسلمين أن صحة الأبدان مقدمة على صحة الأديان . . وفي الحديث إن الله يحب أن تؤتى رخصه، كما يكره أن تؤتى معصيته .

العناية بالطب والتداوي من كل الأمراض العضوية والنفسية فمن عناية الإسلام بصحة الإنسان كانت عنايته بالطب وحق المسلم في التداوي . . والتداوي الذي حث عليه الإسلام لا يوجد عند الدجالين والمشعوذين وليس موجوداً في القرآن كما يتوهم البعض، بل هو التداوي عند الأطباء الدارسين الباحثين، والطب الذي يعترف به الإسلام هو الطب القائم على العلم والتجربة .

الاهتمام بالصحة النفسية . . حيث عني الإسلام بالصحة النفسية عناية فائقة . . كما عمل الإسلام على حماية عقل الإنسان باعتباره المميز له عن الحيوان والمخاطب من الله تعالى بالتكاليف، ولهذا حرم الله تعالى الخمرة على الإنسان، لأنها تذهب بعقله، كما تضر بجسده وعقله وبأخلاقه وبماله وبأسرته وبمجتمعه.

بيئة نظيفة

ولكي يحافظ الإنسان على صحته من كل الأمراض العضوية والنفسية ويحقق مقاصد الإسلام فمن حقه أن يعيش في بيئة نظيفة خالية من كل الملوثات المادية والمعنوية، وهذا ما أكدت عليه شريعة الإسلام .

يقول الدكتور طه أبوكريشة، الأستاذ بجامعة الأزهر وعضو مجمع البحوث الإسلامية: لا خلاف على أن من أبرز حقوق الإنسان أن يعيش في بيئة نظيفة خالية من كل العناصر الضارة بصحته وبحالته النفسية، ولذلك اهتم الإسلام بنظافة البيئة اهتماماً فائقاً لأنه يريد للناس أن يعيشوا في بيئة نظيفة ليكونوا قادرين على القيام بأعباء مسؤولياتهم على خير وجه .

ولكن الإسلام حين يتحدث عن نظافة البيئة وحق الإنسان في العيش في بيئة نظيفة لا يقف عند التلوث المادي للبيئة في صوره المتعددة، وإنما يقصد أيضا التلوث الأخلاقي، والذي هو في حقيقته أخطر من التلوث البيئي المادي .

وهنا يوضح الدكتور أبوكريشة أن الإسلام غرس في نفس المسلم فضيلة الحفاظ على البيئة وحمايتها من كل أشكال التلوث عندما جعل الحفاظ على البيئة جزءاً أساسياً من العقيدة . . وهذا ما نقرؤه في الحديث النبوي الشريف الإيمان بضع وسبعون شعبة أفضلها قول لا اله إلا الله وأدناها إماطة الأذى عن الطريق . . ويشمل الأذى المشار إليه كل أنواع الإيذاء التي تلوث البيئة وتضر بمصالح الناس وصحتهم وأذواقهم ومشاعرهم، فتكدس القمامة في الشوارع أذى يضر بالناس، والكلمة التي تخدش الحياء أذى يلوث البيئة الأخلاقية ويخدش حياء الناس ويفسد أذواقهم .

لذلك كانت مكافحة هذا الأذى بكل صوره من الواجبات الدينية التي يكتمل بها إيمان المؤمن، وليست أمراً هامشياً يمكن التغاضي عنه . ولكي يتحقق مقصود الإسلام من الحفاظ على البيئة وتوفير مناخ صحي يعيش فيه الإنسان ليستمتع بكل ما يحيط به ويؤدي واجباته الدينية والدنيوية على الوجه الأكمل . . حث الإسلام على الإحسان إلى البيئة، وربى أتباعه على التعامل الراقي مع كل ما يحيط بهم . . والنبي صلى الله عليه وسلم يقول في الحديث الصحيح إن الله كتب الإحسان على كل شيء .

وحتى يتحقق الإحسان للبيئة الذي حث عليه الإسلام ينبغي تربية الأجيال الجديدة من أبناء المسلمين على احترام كل عناصر البيئة، والتعامل معها وفق توجيهات الإسلام التي جرمت كل تلويث للماء والهواء والأرض ولسمع الإنسان وبصره وعقله ووجدانه . . وينبغي سن التشريعات اللازمة لمعاقبة هؤلاء المستهترين الذين يسيؤون إلى البيئة فيسيؤون إلى دينهم ومجتمعاتهم وحضارتهم، وينبغي أن تقوم كل وسائل التوجيه والتثقيف في مجتمعاتنا الإسلامية بواجباتها .

عناية المسلمين بالطب

وترجمة لتعاليم الإسلام اعتنى المسلمون عبر العصور بالصحة العامة وانتشرت المستشفيات في بلادهم وتوارثوا التأثر بالمرضى والتعامل الإنساني معهم وبذل كل ما في الوسع لعلاجهم والعطف عليهم .

يقول د . عبدالمقصود باشا، أستاذ التاريخ والحضارة الإسلامية في جامعة الأزهر: عناية المسلمين بالطب والمرض تؤكد نظرتهم إلى حق كل إنسان في العلاج، وقد تنوعت المستشفيات في التاريخ الإسلامي فقد كانت هناك مستشفيات للجيش يقوم عليها أطباء متخصصون، وكانت هناك مستشفيات للمساجين يطوف عليهم الأطباء في كل يوم فيعالجون مرضاهم بالأدوية اللازمة .

وكانت هناك محطات للإسعاف بالقرب من الجوامع والأماكن العامة التي يزدحم فيها الجمهور، ويحدثنا المقريزي أن ابن طولون حين بنى جامعه الشهير في مصر: عمل في مؤخره ميضأة وخزانة شراب (أي صيدلية أدوية) فيها جميع الشرابات والأدوية وعليها خدم، وفيها طبيب جالس يوم الجمعة، لمعالجة من يصابون بالأمراض من المصلين .

وكانت هناك المستشفيات العامة التي كانت تفتح أبوابها لمعالجة الجمهور وكانت تقسم إلى قسمن منفصلين بعضهما عن بعض: قسم للذكور، وقسم للإناث، وكل قسم فيه قاعات متعددة، كل واحدة منها لنوع من الأمراض فمنها للأمراض الداخلية، ومنها للعيون ومنها للجراحة ومنها للكسور والتجبير، ومنها للأمراض العقلية وقسم الأمراض الداخلية (الباطنية) كان مقسماً إلى غرف أيضاً، فغرف منها للحميات وغرف للإسهال وغير ذلك، ولكل قسم أطباء عليهم رئيس، فرئيس للأمراض الباطنية، ورئيس للجراحين ورئيس للكحالين (أي أطباء العيون) ولكل الأقسام رئيس عام يسمى ساعور وهو لقب لرئيس الأطباء في المستشفى وكان الأطباء يشتغلون بالنوبة ولكل طبيب وقت معين يلازم فيه قاعاته التي يعالج فيها المرضى وفي كل مستشفى عدد من الفراشين من الرجال والنساء والممرضين والمساعدين ولهم رواتب معلومة وافرة، وفي كل مستشفى صيدلية كانت تسمى خزانة الشراب فيها أنواع الأشربة وأصناف الأدوية والعطور الفائقة التي لا توجد إلا فيها، وفيها من الآلات الجراحية والأواني الزجاجية والزبادي وغير ذلك مما لا يوجد في خزائن الملوك .

علاج مجاني

أما نظام الدخول إلى المستشفيات، فقد كان مجاناً للجميع، لا فرق بين غني وفقير، وبعيد وقريب ونابه وخامل، يفحص المرضى أولاً بالقاعة الخارجية فمن كان به مرض خفيف يكتب له العلاج ويصرف من صيدلية المستشفى ومن كانت حالته المرضية تستوجب دخوله المستشفى كان يقيد اسمه، ويدخل إلى الحمام، وتخلع عنه ثيابه فتوضع في مخزن خاص، ثم يعطى له سرير مفروش جيداً، ويعطى الدواء الذي يعينه الطبيب، والغذاء الموافق لصحته بالمقدار المفروض له، وكان غذاء المرضى يحتوي على لحوم الأغنام والأبقار والطيور والدجاج، وعلامة الشفاء أن يأكل المريض رغيفاً كاملاً ودجاجة كاملة في الوجبة الواحدة، فإذا أصبح في دور النقاهة أدخل القاعة المخصصة للناقهين، حتى إذا تم شفاؤه أعطي بدلة من الثياب الجديدة ومبلغا من المال يكفيه إلى أن يصبح قادرا على العمل، وكانت غرف المستشفى نظيفة تجري فيها المياه، وقاعاته مفروشة بأحسن الأثاث، ولكل مستشفى مفتشون على النظافة ومراقبون للقيود المالية، وكثيراً ما كان الخليفة أو الأمير يتفقد بنفسه المرضى ويشرف على حسن معاملتهم .

وقد تضخم هذا العطاء الأخلاقي في مجال الصرف على المرضى والوقف على المستشفيات والبحث عن كل صنوف العلاج والتداوي .

والمعاني التي نلفت الأنظار إليها بعد هذه المقارنات - كما يقول د . باشا - أننا في حضارتنا كنا أسبق من الغربيين في كفالة حق العلاج لكل إنسان مهما كانت صفته، وكنا أسبق إلى تنظيم المستشفيات بتسعة قرون على الأقل، وأن مستشفياتنا قامت على عاطفة إنسانية نبيلة لا مثيل لها في التاريخ، ولا يعرفها الغربيون حتى اليوم، وإننا بلغنا في تحقيق التكافل الاجتماعي حدا لم تبلغه الحضارة الغربية حتى اليوم حين نجعل الطب والعلاج والغذاء للمرضى بالمجان، بل حين كنا نعطي الفقير الخارج من المستشفى من المال ما ينفق على نفسه حتى يصبح قادراً على العمل .

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"

https://tinyurl.com/y4rvxcfb