خلط الأوراق السياسية في لبنان

03:20 صباحا
قراءة 6 دقائق

يبدو واضحاً أن رئيس مجلس النواب نبيه بري هو الذي يمسك منذ فترة بجدارة واحتراف بزمام اللعبة السياسية في لبنان، فهو يشغل دور المحرك للرؤى والأفكار والاقتراحات ويجعل كل الآخرين في موقع رد الفعل .

فبعدما ملأ دنيا السياسة وشغل اللبنانيين بإثارته وتحريكه لمشروع إنشاء هيئة إلغاء الطائفية السياسية تمهيداً لإلغاء هذه الطائفية التي يتفق الجميع على وصفها بالآفة، معتمداً بطبيعة الحال على ورودها في مقدمة الدستور اللبناني الذي أقر بعد اتفاق الطائف في عام ،1989 وبعد عاصفة ردود الفعل على هذا الاقتراح لا سيما من الجانب المسيحي، التي لم تهدأ حتى اليوم، بادر بري الى حشر جميع الأفرقاء مجدداً في الزاوية عندما وضع على جدول أعمال مجلس النواب بنداً ينص على خفض سن الاقتراع من 21 الى 18 عاماً تمهيداً لوضعه موضع التنفيذ والعمل بموجبه في أول انتخابات تجرى .

مع أن هذا الإجراء أمر طبيعي بعدما أخذت غالبية بلدان العالم الديمقراطية به، ومع أن معظم الكتل النيابية سبق ووقّعت على عرائض نيابية تدعو الى تنفيذ هذا المطلب الذي طالما رفعته منذ عقود المنظمات الشبابية والأحزاب التقدمية والعلمانية، واعتبرته جزءاً أساسياً من نضالاتها المطلبية الهادفة الى تطوير النظام اللبناني وإدخال دم شبابي الى شريان دورة الحياة السياسية التي بدت يابسة لطول جمودها، فإن عاصفة أخرى من ردود الفعل الرافضة والمتهيبة، عصفت في وجه الرئيس بري واقتراحه الجديد تحت عناوين متعددة أبرزها:

1- إن هذا المطلب محق، ولكن طرحه في هذا الوقت بالذات حيث الاحتقان السياسي سيد الموقف، من شأنه أن يزيد في الشروخات التي تصيب الحياة السياسية اللبنانية .

2- ان تنفيذ هذا المطلب من شأنه أن يحرج القوى المسيحية التي تشير الاحصاءات الموجودة لديها الى أن هذا الإجراء تستفيد منه شرائح المجتمع المسلمة، ما يجعل الحضور المسيحي في اللعبة السياسية في حالة ضعف ووهن .

3- طالب معظم القوى المسيحية بأن يقرن إقرار هذا الإجراء بإجراء الآخر، وهو حق المغتربين في الاقتراع وقانون منح الجنسية للمتحدرين من أصل لبناني، انطلاقاً من فكرة أن هذين الأمرين يعيدان التوازن الى الحياة السياسية في لبنان لأن الغالبية العظمى من المغتربين في الخارج والمتحدرين من أصل لبناني، هم من أبناء الطوائف المسيحية .

4- بدأت بعض القوى المسيحية، وخصوصاً تلك المنتمية بالأصل الى لقاء 14 آذار، تتعاطى مع طرحي بري إنشاء هيئة إلغاء الطائفية السياسية، وخفض سن الاقتراع على أساس أن هناك محاولات للتضييق على المسيحيين وإرباكهم .

وإذا كانت طروحات الرئيس بري الجديدة قد حركت الى حد كبير الحياة السياسية اللبنانية، وأعادت الاعتبار الى أمور كانت غائبة، وهو أمر ربما كان بري يسعى اليه من الأساس لحظة أن قرر الإمساك بزمام الأمور، فإن طرحها أدى الى واقعة سياسية أخرى هي بروز الخلاف بينه وبين حليفه في المعارضة رئيس تكتل الإصلاح والتغيير النائب العماد ميشال عون الى العلن والإعلام إذ سارع الأخير (اي العماد عون) الى الرد على طروحات بري داعياً الى تأجيلها . وأكثر من ذلك أدلى بتصريحات تنطوي على تشكيك بنيات بري، فبادر الأخير الى إطلاق رد اعتبر عنيفاً على العماد عون، مذكراً إياه بأنه هو من رفض بالأصل اتفاق الطائف لحظة أن ولد هذا الاتفاق في عام ،1989 وملمحاً الى أن عون يخشى من نتائج الانتخابات البلدية . وكان أمر السجال بين الطرفين يتطور خصوصاً أنه ليست المرة من نوعها التي يبرز فيها تناقض أو تعارض بين بري وعون حيال الكثير من القضايا والملفات، ولكن مسارعة حزب الله حليف الطرفين ونقطة الالتقاء بينهما للتوسط بين الطرفين وإجراء اتصالات مكثفة أفضى الى بروز تسوية تقضي بإيقاف السجال وإعادة الأمور الى مجاريها .

ولكن هذا الأمر على بلاغته وأهميته لم يؤدِ في خاتمة المطاف إلا الى مزيد من التصدع في دورة الحياة السياسية اللبنانية، إذ تبين أن قوة المعارضة لأي تطوير محتمل في طبيعة النظام الطائفي اللبناني القائم على الموازنات الدقيقة والحسابات الضيقة، والهواجس الواسعة، هي أعلى وأشرس من إرادة التغيير، إذ تبين أن القوى التي دخلت الى الميدان السياسي على أساس أنها تغييرية وتطويرية جارت الرأي العام الرافض لإحداث أي تطوير في صلب النظام الطائفي فبادرت إما الى الصمت أو إلى الغياب عن الواجهة .

وهكذا شاءت القوى السياسية اللبنانية على اختلاف توجهاتها أن تجهض فرصة أخرى لإحداث بداية تغيير في طبيعة النظام الطائفي، يكون فاتحة ومقدمة لتغيير أوسع لاحقاً، وبدا الرئيس بري في ميدان المواجهة وحيداً .

ولكن بري ما برح يرفض الاعتراف بالهزيمة وتؤكد مصادره أن رفض القوى المعنية المضي معه في رحلة التطوير وتخليص النظام السياسي من قيوده ومحرماته هو بحد ذاته فضح لهذه القوى ولطروحاتها ورجعيتها ومخاوفها التي لا مبرر لها .

وتؤكد المصادر عينها انه إذا ما نجحت القوى المحافظة والخائفة هذه المرة في ايجاد سد أمام فرص التطوير، فإن جهود الرئيس بري وجرأته في مقاربة الأمور وطرقه جدار المخزن لن تذهب هدراً وسدى، فهو لن ييأس ولن يقنط وسيواصل جهوده وسيستخدم كل صلاحياته كرئيس الهيئة التشريعية لإمرار كل التعديلات الدستورية والإصلاحات المنشودة ضمن القنوات الدستورية، إضافة الى أن الأجيال اللبنانية الصاعدة، ستتجرأ هذه المرة أكثر فأكثر على المضي قُدماً في الحراك لتحقيق ما تعتقد جازماً أنه مطلوب إقراره عاجلاً أم آجلاً من أجل المصلحة الوطنية العليا .

ولكن مصادر الرئيس بري وكل الذين يقفون معه في مسألة التطوير والإصلاح يقرون ضمناً بأن فريق المحافظين والمعارضين للتطوير نجحوا هذه المرة أيضاً في أمر لافت، وهو أنهم أظهروا أن متبني الإصلاح هم من لون طائفي معين وأن رافضي هذه الإصلاحات هم من لون طائفي آخر، وأن هناك قوى تريد عزل قوى أخرى في المجتمع اللبناني .

هذا الواقع يعيد الذاكرة الى مرحلة السبعينات والثمانينات عندما كانت أفكار تطوير النظام الطائفي اللبناني تبدو كأنها مطالب فئة ومعارضة هذه الأفكار تبدو كأنها معارضة فئة أخرى .

وإذا كانت مواضيع الإصلاح والتطوير المرتبطة ارتباطاً وثيقاً بالإصلاحات السياسية والإدارية العامة قد نجحت الى حد بعيد في اقتحام الحياة السياسية الى درجة أنها ملأت كل فراغ فيها، فإن ذلك على بداهته لم يبدد الاهتمام بقضايا داخلية أخرى .

فلم تكد عاصفة ردود الفعل على تصريحات أمين سر حركة فتح الانتفاضة العقيد أبو موسى حول رفضه مطلب نزع السلاح الفلسطيني في خارج المخيمات وهي العاصفة التي استمرت أياماً، تهدأ بعدما خلفت مناخات سلبية للغاية، حيث برزت الى الواجهة مجدداً قضايا أخرى تتصل بالحراك السياسي المكثف لرئيس الحكومة سعد الدين الحريري، فثمة من بدأ التصويب السياسي على هذه الجولات الخارجية المتعددة التي قام بها منذ توليه رئاسة الحكومة قبل فترة ليست بالطويلة .

فهناك في الوسط السياسي اللبناني من بدأ يطرح التساؤلات وعلامات الاستفهام حول جدوى هذه الجولات على بعض العواصم التي سبق وزارها قبل فترة رئيس الجمهورية العماد ميشال سليمان، في الوقت الذي يعيش الوضع الداخلي اللبناني تعقيدات وصعوبات بالغة على مستوى الحالة الاقتصادية والفراغ في إصلاحات الدولة العليا، إضافة الى حالات الانقسام والتباين السياسي الموروثة عن المرحلة الماضية تذر بقرنها وتبرز بين فترة وأخرى على شكل سجالات سياسية حادة، الأمر الذي يحمل في طياته مخاوف من أن تكون عمليات المصالحة التي حدثت في السابق غير مكتملة إنها مجرد هدنة ستبقي جذوة الانقسام تحت الرماد .

وبناء عليه، فإن ثمة في بيروت من بات يرصد بدقة كيفية إحياء ذكرى استشهاد رفيق الحريري في 14 فبراير/ شباط المقبل، واستطراداً هل سيبادر الرئيس الحريري الى إحيائها كما جرت العادة في الأعوام الأربعة الماضية، أي في ساحة الشهداء؟ وأي الشعارات سيتم اعتمادها بغية الحشد والتعبئة ومن سيعتلي منبر الكلام والخطابة في هذه المناسبة؟ وهل سيعاد إحياء المواضيع الخلافية كسلاح المقاومة وسواها .

وبالطبع ثمة تباين في بيروت حيال هذه الأمور، فصاحب العلاقة أي الرئيس الحريري، لم يحسم الأمر، بعد في حين أن ثمة قوى محسوبة على فريقه السياسي تبث أجواء تفيد بأن الأمور ستعود الى سيرتها الأولى .

ومهما يكن من أمر فإن المراقبين في بيروت يرصدون بدقة مآل هذا الأمر، ومآل أمر آخر هو الزيارة الموعودة لرئيس الحزب التقدمي الاشتراكي النائب وليد جنبلاط الى العاصمة السورية والتي طال موعدها أكثر من اللازم، إذ كان يفترض أن تتم في وقت سابق .

وحتى الآن هناك من يعتمد على كلام للنائب جنبلاط أطلقه أخيراً وأعلن فيه أن زيارته صارت شبه محسومة وأنها في الربع الساعة الأخير . في حين ذكرت معلومات غير مؤكدة تشير الى أن موعد هذه الزيارة سيكون بين 5 و7 فبراير/ شباط المقبل على أقصى تعديل .

وفي كل الأحوال فإن ثمة من ينتظر حدوث الزيارة ليبني على الشيء مقتضاه، أي ليستكشف جزءاً أساسياً من آفاق المرحلة المقبلة في الساحة اللبنانية وفي العلاقات بين القوى اللبنانية بعضها بالبعض الآخر .

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"