شباب في التسعين

التطورات الطبية قلصت الاعاقات
01:53 صباحا
قراءة 9 دقائق
ما يتميز به كل من دانييل سكور (91 عاماً) ولاندروم بوللنج (94 عاماً) هو ان كليهما نجح في إحراز قدر كبير من التحسن فيما يتعلق بحالته الصحية بشكل متساو. وسكور هو أحد كبار محللي الأخبار بالإذاعة القومية العامة بالولايات المتحدة، ولم يتوقف عن ممارسة رياضة التنس إلا مؤخراً، اما بوللنج فيعمل دليلاً للرحلات الخاصة بمنظمة ميرسيكوربس الدولية للإغاثة.هذان الشخصان ليسا متميزين كما تتصور، بل أكثر مما تتصور بكثير. فقد أدى تحسن حالتهما إلى جذب انتباه العديد من الدوائر التي قامت بدراسات كشفت عن انحسار مدهش فيما يتعلق بمعدلات الإعاقة بين المسنين في الولايات المتحدة منذ بداية الثمانينات من هذا القرن، وهو ما ادى بملايين الأمريكيين إلى الاستمتاع بحياة أطول مفعمة بالنشاط والحيوية وأكثر ثراءً.وكان أكثر المستفيدين من تلك الدراسات هما أكبر اثنين عمراً بين الأمريكيين، مع عدم إغفال الفوائد التي تعود على إجمالي الأمريكيين الذين تجاوزت أعمارهم ال(65) عاماً، وهي الفوائد المتمثلة في حياة خالية من الإعاقة.هذه نتائج إيجابية للغاية؛ جاءت تلك الكلمات على لسان ريتشارد سوزمان مدير برنامج البحث السلوكي والاجتماعي بالمركز القومي لدراسات المسنين، وهي المنظمة الرائدة في مجال صحة ورفاهية المسنين في الولايات المتحدة الأمريكية.ويستكمل سوزمان حديثه موضحاً أن ثمة انخفاضا كبيرا تعرضت له معدلات الإعاقة والذي قدر بحوالي 5,1% سنوياً بداية من عام 1984 وهو المعدل الذي من المرجح أن يستمر في التحقق لسنوات عديدة قادمة. ولكن إذا ما استمر هذا المعدل على ذلك، على حد قوله فسوف يكون فيما يبدو عكس الفائدة المركبة.وقال يمكنك حساب تلك المعدلات للحصول على عدد محدد وليس نسبة محددة من المسنين المعوقين وذلك من خلال حساب متوسط هذا العدد على مدار الفترة الممتدة من 1990 إلى 2030 على الرغم من الزيادة الهائلة في عدد السكان المسنين. وبالفعل نجح انخفاض المعدل المشار إليه في تبديد المخاوف من أن يقضي المعمرون فترات أطول من حياتهم خاضعين لويلات الألم.وعلى النقيض من ذلك كشفت أبحاث قامت بها أحد مراكز الدراسات الصحية الإحصائية غير ذلك، واشارت إلى أن معظم المسنين الأمريكيين يستمتعون بحياة خالية من الإعاقة مدة لا تتجاوز المدة التي ارتفعت إليها معدلات الأعمار في الولايات المتحدة والتي قدرتها الإحصائيات بعشرة أشهر على الأكثر طبقاً للدراسات التي أجراها المركز على الفترة من 1992 إلى 2003.ومما قد يثير الغيظ في العيش حتى الرابعة والتسعين من العمر، على حد قول بوللنج، الذي تربى في تينيسي، أن تقوم امرأة من مقعدها في إحدى الحافلات لتجلسه مكانها، وعبر عن ذلك بقوله إن تنازل المرأة عن مقعدها في الحافلات للرجال من الأمور غير الشائعة في ثقافتنا الغربية.وحري بنا القول بأن انحسار نسبة الإعاقة بين المسنين في الولايات المتحدة لم يفز به الجميع ولم يتحقق لجميع المسنين، بل اقتصر على أعداد محددة تناولتها الدراسات.وتقول إلين كريمينيز أستاذ علم الشيخوخة والاجتماع بجامعة جنوب كاليفورنيا، إن 25% من الأمريكيين من ذوي أصول غير البيض ممن تجاوزوا الخامسة والستين من العمر يحتاجون لمساعدة في أداء مهامهم الحياتية الأساسية، بينما تنخفض النسبة بين الأمريكيين البيض إلى نسبة 17%. كما كشفت الدراسات التي قامت بها كريمينيز وغيرها من الباحثين على أن هناك مجموعة من العوامل التي تتحكم في نسب ومعدلات الإعاقة بين المسنين في الولايات المتحدة ومن بين أهمها معدلات الدخل ومستوى التعليم الذي يتلقاه الفرد.إضافة إلى ذلك صرحت إلين بأنه على الرغم من أن متوسطات أعمار النساء تتجاوز بكثير تلك الخاصة بالرجال، إلا أنهن يعانين من معدلات مرتفعة من الإعاقة.وعلاوة على ذلك، هناك سحابتان تلوحان في الأفق، على حد تعبير سوزمان تمثلان تهديداً صحياً جديداً على المسنين، أولهما: تلك التي تتمثل في زيادة نسبة السمنة بين من هم تحت ال 65. حيث تتسبب السمنة المفرطة في الإصابة بآلام المزمنة في الظهر والمفاصل وغيرها من أنواع الإعاقة، وهناك ارتباط وثيق بين السمنة وبين زيادة احتمال الإصابة بأمراض القلب والسكر وما ينتج عنهما من إعاقات وأمراض مزمنة.أما عن السحابة الثانية التي تعكر سماء الصحة بالنسبة للمسنين، فهي الآثار السلبية للتدخين. حيث تشير الدراسات إلى أن هناك انخفاضا ملحوظا في معدلات الإصابة بالإعاقة لدى الرجال المسنين الذين أقلعوا عن التدخين قبل أن تفعل ذلك السيدات المسنات، وهم هؤلاء الرجال الذين عانوا طويلاً من تلك الآثار، فيما يتعلق بأمراض الشيخوخة وما يتصل بها من إعاقات تصيب المعمرين، وهم الآن يجنون الثمار الجيدة لإقلاعهم عن التدخين.ومع ذلك لم ينته الأمر عند هذا الحد بالنسبة لآثار التدخين، فطبقاً للإحصائيات ما زالت تلك الآثار تهدد أعداداً كبيرة من السيدات المسنات اللاتي بدأن التدخين بعد الستين أو في مراحل عمرية متقدمة عن ذلك. ومع كل ما تقدم لابد من الإشارة إلى أن هناك أعداداً غفيرة من المسنين في الولايات المتحدة قد استفادوا إلى حدٍ بعيد من انحسار معدلات الإعاقة لدى هذه الفئة العمرية من السكان.ويشير سوزمان إلى عدم وجود احصاءات حديثة لأعداد المسنين الأمريكيين الذين يحيون حياة خالية من الإعاقة.على الرغم من ذلك أوضح أنه من خلال العملية الحسابية التي تشير إلى تطابق معدلات الإعاقة المزمنة بين كبار السن لسنة 1982 على عام 1999 فسوف تكون النتيجة وجود 4,2 مليون مسن معاق في الولايات المتحدة.بينما أظهرت تقارير مركز الإحصاء العمالي أن هناك أعداداً متنامية من كبار السن الأمريكيين يبدأون للعودة لأعمالهم مرة ثانية.وكما أن هناك أخباراً جيدة تشير إلى أن عودة هؤلاء إلى العمل وما يحققونه من مكاسب قد أسهم إلى حدٍ بعيد في التخفيف من وطأة الضغوط التي يشكلها عنصر التأمينات الاجتماعية، بالإضافة إلى تخفيف الأعباء عن كاهل الأسر الأمريكية.وتأكيداً لذلك، أشار ينيث مانتون، أستاذ الدراسات والأبحاث الديمغرافية والسكانية بجامعة دورهام، إلى أنه من المقرر لمدخرات الرعاية الصحية أن تحقق فائضاً يقدر بحوالي 73 مليار دولار أمريكي بنهاية عام 2009 عن هذا العام فقط. وجدير بالذكر أن هذا الفائض يحقق نتيجةً للانخفاض في النفقات المستهلكة من مخصصات الخدمات الطبية لحالات الإعاقة المزمنة.وإضافةً إلى ذلك، ثبت أن كبار السن الأكثر قدرة على العمل لا يدخرون جهدهم، بل على العكس يقوم كل منهم ببذل كل ما يسعه القيام به من الأعمال فهم على سبيل المثال يقومون بأداء التمارين الرياضية، حيث تمنحهم جمعية المتقاعدين الأمريكية العديد من المزايا مثل تخفيضات على اشتراكات صالتي جولدز جيم وكيرف للألعاب الرياضية، ما توفر لهم مدربين خاصين والذين شكلوا ما يطلق عليه المجلس الأمريكي للتمارين الرياضية ومن بين الأنشطة التي يمارسها كبار السن بجانب التمارين الرياضية، الترحال والسفر بشكل مكثف إلى حدٍ ما، وهو ما عبرت عنه آمي كوتكن مدير مؤسسة سميثونيان جيرنز التابعة للمتحف القومي.فعلى سبيل المثال، تشارك المسنة إدنا جرينلاي في مسابقة كنتاكي ديربي في الربيع المقبل، وهي المشاركة التي تحرص عليها منذ عام ،1998 وتعلق على ذلك بقولها غالباً لا أفصح عن سني لأحد حتى لا أتعرض لسماع عبارات تنتقد أن أمارس ذلك في هذه المرحلة من العمر.وتجدر الإشارة إلى أن إدنا احتفلت ببلوغها المائة من عمرها مطلع هذا العام. وفي نفس الوقت الذي تشير فيه المسوح التي أجريت تحت رعاية الولايات على المستوى الفيدرالي إلى أن هناك انخفاضا شديدا في معدلات الإعاقة والإصابة بالأمراض المزمنة بين السكان فوق الفئة العمرية التي تتجاوز ال(65)، أعلنت نتائج تلك المسوح أن عدد المصابين بالإعاقة يتراوح ما بين 2,4 و8,6 مليون نسمة، وهو ما يعكس وجود تباين في تعريف الإعاقة ومفهومها بين الجهات المعنية المختلفة بالإضافة إلى صعوبة عملية قياس هذه الظاهرة. ولتفادي الاختلافات الكائنة في تعريف الإعاقة تم إعداد حزمة من الأسئلة الهادفة إلى التوصل إلى تعريف للإعاقة. تتضمن هذه الحزمة، التي يتم عرضها على المشاركين على شكل استبيان، مجموعة من الأسئلة التي يجيب عنها المسنون وتدور حول ما إذا كانوا يستطيعون القيام بما سماه الاستبيان بالأنشطة الأساسية للحياة اليومية التي عادةً ما تتضمن النهوض من الفراش أو المقعد، المشي، الاستحمام، ارتداء الملابس، تناول الطعام وقضاء الحاجة.وعلاوة على مجموعة أخرى من الأسئلة التي تتناول الأنشطة الأداتية الضرورية للحياة اليومية وهي الأنشطة التي تحتاج إلى استخدام بعض الأجهزة أو الأدوات كاستخدام الهاتف، إنارة المنزل، الأعمال المنزلية الشاقة، إعداد الوجبات، التسوق، تولي تدبير نفقات المعيشة والعلاج.وعلى أساس هذا الاستبيان اتضح حدوث انخفاض في معدلات الإصابة بالإعاقة من خلال ممارسة الأنشطة الأداتية الضرورية للحياة اليومية مثل التسوق وإدارة مصروفات المنزل ونفقات العلاج، كما بدأت معدلات الإعاقة بآلة الدرجة والتي تقوض المسن عن أداء المهام الحياتية الأساسية في الانخفاض هي الأخرى في أواخر التسعينات من هذا القرن وهناك الكثير من التفسيرات التي قدمها المحللون لظاهرة الانخفاض تلك.ويعزو فيكي فريدمان، أستاذ أمراض الشيخوخة بجامعة الطب وطب الأسنان بنيوجيرسي معظم حالات انخفاض معدلات الإعاقة بين المسنين إلى التحسن الذي طرأ على علاج أمراض القلب وغيرها من الأمراض المنتشرة بين السكان في هذه المرحلة العمرية والتي ينتج عنها أغلب الإعاقات.وكان التحسن المشار إليه في علاج القلب والحالات المرضية المزمنة، طبقاً لما صرح به فريدمان، يتمثل في استخدام مجموعة من العقاقير الحديثة مثل منشط ضربات القلب وال أيه. سي. إي، مخفضات الكوليسترول بالإضافة إلى مضادات ضغط الدم الشرياني. علاوة على موسعات الشرايين، بالونات الأوعية الدموية التي تساعد في خفض درجة انسداد الشرايين وقت الأزمات القلبية. وهناك أيضاً ذلك العامل الذي ساعد كثيراً في خفض معدلات الإصابة بحجب الرؤية والتي كانت تستدعي جراحات علاجية خطيرة، وهو الأمر الذي اكتشف فريدمان انخفاض معدلاته بدءاً من أواخر التسعينات،بنفس الطريقة بدأت معدلات الجراحات التعويضية في الركبة والفخذين في الانخفاض بشكل ملحوظ في مرحلة الشيخوخة. ويلخص فريدمان المغزى من نتائج الأبحاث العديدة في أمراض الشيخوخة بقوله إن الفكرة تكمن في استمرار إصابة المسنين بنفس الأمراض المزمنة التي كانوا يصابون بها من قبل، إلا أن قدرة هذه الأمراض على التسبب في إعاقة الفرد وإحداث آثار قوية على صحته بدأت في التلاشي بالتدريج.ويؤيد ذلك ما قالته ليندا مارتن مدير مؤسسة راند كورب فرع واشنطن من أن التغيرات والتطورات التقنية تمثل أحد العوامل التي تؤدي إلى انخفاض معدلات الإعاقة.على سبيل المثال، ساعد قرار إدارة التأمينات الاجتماعية، الصادر عام 1987 بجعل الإيداع المباشر للأموال هو الخيار الأساسي في صرف الشيكات الصادرة عن الإدارة، في إضفاء قدر كبير من البساطة على عملية إدارة المدخرات الشخصية والأموال التي ينفق منها المسنون على أنفسهم. كما جعل فرن الميكرويف من إعداد الوجبات المنزلية أمراً في غاية السهولة علاوة على ما وفره الحاسب الآلي من أحجام مختلفة للخطوط المكتوبة وهو الأمر الذي عالج الكثير من مشكلات الرؤية.ويرجح ديوكس مانتون أن التغيرات التي طرأت على أسلوب المعيشة قد أثرت كثيراً في خفض معدلات الإعاقة بين المسنين وضرب على ذلك بعض الأمثلة التي من بينها انخفاض معدلات وكميات التدخين، ارتفاع مستويات التعليم، التغذية الأفضل، الاهتمام بالتمرينات الرياضية، الاتجاه الحديث نحو استهلاك أقل للمشروبات الكحولية بالإضافة إلى زيادة الإقبال على الخدمات التعويضية وخدمات إعادة التأهيل.ويرى كريمنز هناك أن العوامل التي تسببت في الانخفاض زيادة الوعي الصحي، إشراك كبار السن في القرارات العلاجية الخاصة بهم، اللجوء إلى الرعاية المؤسسية والإقبال عليها والشغف بالحياة التي يتوافر بها قدر أكبر من الاستقلالية.وأخيراً يوجد ذلك المؤشر على انخفاض معدلات الإعاقة والمتمثل في ارتفاع مبيعات العصي التي تستخدم في المساعدة على المشي، والأحذية المصممة للمشي، والمقاعد المتحركة وغيرها من الأدوات التي تساعد في الاستغناء عن تلقي المسن لأي من المساعدات من المحيطين به.ويعبر عن ذلك ما قاله دوج جير صاحب إحدى شركات تقنيات الحياة المستقلة قائلا لقد ازداد الطلب على العديد من المنتجات مثل مقاعد الاستحمام والمقاعد المرتفعة المستخدمة في الحمام.ويضيف كما ازداد الطلب على سماعات الأذن التي يستخدمها ضعاف السمع خاصة النساء اللاتي تعرضن لخبرات كثيرة في الحمل والولادة مدعيات أن تلك السماعات هي التي تساعدهم على الحفاظ على وظائفهم.وجدير بالذكر أن هؤلاء النساء يصبن بضعف السمع بمجرد الوصول إلى مرحلة الشيخوخة وهو الأمر المنوط به تحديد الاتجاه المستقبلي لديهم بالنسبة لاستخدام الأجهزة التعويضية.وطبقاً لما قاله جالكجورالنيك، رئيس أحد معاهد المسنين التي يتوافر بها معملان للدراسات علم الأمراض والدراسات الديمغرافية والإحصاء البيولوجي، يرجع انخفاض نسبة الإعاقة بين المسنين إلى التقدم الهائل الذي طرأ مؤخراً على طرق العلاج.وحول ذلك يقول إن معدلات الإصابة بأمراض القلب والأزمات القلبية تأخذ في الانخفاض المستمر، كما سيتوافر في المستقبل العديد من الطرق التي تساعد على توفير علاج أفضل لارتفاع ضغط الدم الشرياني، وآمل أيضاً أن يتم التوصل إلى علاجات أفضل لمرضى السكر، وأن تتوافر العديد من الحلول للمشكلات الصحية الخاصة بمرحلة الشيخوخة، خاصة آلام الركبتين، على الرغم من ذلك علق محذراً أنه لن يتم التوصل إلى ذلك طالما ظلت معدلات السمنة المفرطة في الزيادة.وأضاف فريدمان أيضاً، إن إحداث الفارق الفعلي لابد لتحقيقه من الإجابة على التساؤل المتمثل في: كيف يمننا أن نعمل على الإسراع من وتيرة انخفاض معدلات الإعاقة بين المسنين مما يعمل على أن يتمكن كبار السن من الاستفادة من هذا الانخفاض.

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"