قدمت لنا كارثة زلزال هايتي نموذجاً من الدول المغرقة في نفاقها، وانحطاطها الأخلاقي والسياسي، واستغلالها لمآسي البشرية بهدف تحقيق مصالحها، والظهور بمظهر الدولة الإنسانية للتغطية على وجهها القبيح وممارساتها الملطخة بالآثام والجرائم .
هذا النموذج تمثله الولايات المتحدة وإسرائيل تحديداً بمسارعتهما لتقديم الدعم والمساعدة لمنكوبي الزلزال، فظهرتا على حقيقتهما عاريتين من أية قيم إنسانية، واحدة استغلت مأساة مئات آلاف الهايتيين لتحتل بلادهم، والأخرى ترتكب المجازر والمحارق بحق الشعب الفلسطيني وتذهب إلى هايتي بذريعة المساعدة الإنسانية .
لا الولايات المتحدة جمعية خيرية ولا إسرائيل منظمة إنسانية، إنهما نمط فريد من الدول التي تعمم الشقاء وتعولم الفقر والدمار والتخريب وتنتهك آدمية الإنسان وحقوقه ثم تدعيان الديمقراطية والحرية وترفعان راية الإنسانية .
يقول المعلق الإسرائيلي عكيفا الدار في مقال له نشرته صحيفة هآرتس مؤخراً من يصدق أن إسرائيل التي بعثت بفريق إغاثة الى هايتي، هي نفسها التي تسجن 1،5 مليون فلسطيني في قطاع غزة الصحراوي منذ عامين ونصف العام؟ من يهتم لأمر 80 في المائة من الرجال والنساء والأطفال يعيشون تحت خط الفقر؟ كم من الإسرائيليين يعرفون أن نصف سكان قطاع غزة يعتمدون على المساعدة الدولية، وأن عملية الرصاص المصبوب أدت إلى مئات المعاقين؟ .
ويضيف عكيفا الدار إن كثيراً من الإسرائيليين علموا بخبر إنقاذ طفل من بين الركام في بورت أو برنس، لكن قلة سمعوا بالأطفال الذين ينامون بين خراب منازلهم في غزة .
أجل، هذه هي إسرائيل التي تحاول إخفاء وجهها البشع من خلال الذهاب بعيداً إلى الكاريبي لتقديم العون، فيما ترتكب عند تخومها محارق أبشع من تلك التي ارتكبها النازي بحق اليهود .
أما الولايات المتحدة التي احتلت هايتي من خلال إنزال آلاف الجنود بزعم المساهمة في إغاثتها، فهي لم تذهب إلى هناك لوجه الله، وتاريخها في هايتي مشين، فقد احتلتها منذ العام 1915 ولمدة 19 عاماً قامت خلالها بنهب الجزيرة وارتكاب المجازر بحق أهلها، ودعمت النظام الدكتاتوري لآل دوفالييه من العام 1957 حتى العام 1986 وأغرقتها بالديون التي بلغت مليارات الدولارات، وأرغمتها على استيراد السكر والأرز الأمريكيين بعدما كانت مصدرة لهما . ثم عمدت الولايات المتحدة التي تعتبر نفسها مدافعة عن الديمقراطية وحارسة عليها إلى القضاء على هذه الديمقراطية بالمساعدة على الإطاحة بالرئيس جان برتران أريستيد المنتخب من شعب هايتي .
لقد عانى شعب هايتي الأمرّين من الولايات المتحدة، وذاق عذابات الاستعباد والاستعمار، وأغرقته الديون التي فرضتها واشنطن عليه، وها هو يقع في قبضة الولايات المتحدة مجدداً من خلال الجيوش التي هبطت عليه بزعم إنقاذه من نكبة الزلزال .
صح المثل الذي يقول مصائب قوم عند قوم فوائد، حتى ولو كانت هذه الفوائد على حساب مآسي البشر ونكباتهم .
الولايات المتحدة وإسرائيل نموذجان لعالم بلا أخلاق . إنهما دولتان تدوران خارج مدار القيم والإنسانية . لهما مدارهما الخاص اسمه مدار النفاق الدولي .