وسائل وقائية وعقابية لحماية الأعراض

القرآن دستورنا
03:01 صباحا
قراءة 5 دقائق

حمى القرآن الكريم المجتمع الإنساني من كل الرذائل والقبائح الأخلاقية، وصان أعراض الناس وسمعتهم، وحافظ على كرامتهم، وقرر عقوبة كل من يدنس الأعراض، أو يتهم الناس بالباطل، ويردد الشائعات الكاذبة عنهم .

هذا الجانب يمثل محورا مهما في فلسفة القرآن في التعامل مع مشكلات المجتمع، فالجانب التشريعي الذي عني به القرآن باعتباره المصدر الأول للتشريع، يستهدف حماية المجتمع من كل الرذائل والقبائح الأخلاقية، كما يستهدف ترسيخ القيم والأخلاقيات الفاضلة ليتكامل الجانبان في دستور إلهي شامل يحقق للمسلمين كل وسائل الاستقرار في ظل حياة نظيفة خالية من التجاوزات السلوكية والأخلاقية .

وقد أولى القرآن الكريم كل ما يمس الأعراض عناية كبيرة، وقرر عقوبات رادعة لكل من يعتدي على عرض امرأة بالقول أو بالفعل، فحذر أولا من جريمة الزنى ومن كل الوسائل التي تؤدي إليها، فإذا لم يحقق التحذير والتنفير هدفه، ولم ينصرف المسلم عن هذه الجريمة، جاء العقاب الرادع الكفيل بملاحقة المنحرفين أخلاقيا المقترفين لهذه الجريمة في تحد صارخ لما جاء به القرآن .

. . لا تقربوا الزنى

أستاذ الشريعة الإسلامية بجامعة الأزهر، د . حامد أبو طالب، عضو مجمع البحوث الإسلامية يحدثنا عن أقبح الرذائل الأخلاقية التي حذر منها القرآن وفي مقدمتها رذيلة الزنى والعدوان على أعراض الناس، فالله سبحانه وتعالى يقول: ولا تقربوا الزنى إنه كان فاحشة وساء سبيلاً، فإذا ما التزم المسلم والمسلمة بهذا الأمر الإلهي وعفّ نفسه وابتعد عن انتهاك أعراض الناس عاش كريما عزيزا وجنب نفسه العقوبات الرادعة التي قررتها الشريعة الإسلامية، لكن إذا ما انساق وراء شهواته ونزواته ودنس الأعراض واعتدى على الحرمات استحق العقاب الإلهي المنصوص عليه في قوله سبحانه: الزانية والزاني فاجلدوا كل واحد منهما مئة جلدة ولا تأخذكم بهما رأفة في دين الله إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر وليشهد عذابهما طائفة من المؤمنين .

ففي هذه الآيات الكريمات - كما يوضح أستاذ الشريعة الإسلامية بالأزهر-عقوبة زاجرة لكل من يتورط في هذه الجريمة، وهي الجلد مئة جلدة وأمام الناس لكي يتحقق الزجر المطلوب . . وفي هذه الآيات أيضاً أمر إلهي بعدم التعاطف مع هؤلاء الفاسدين الذين يستهينون بالأعراض ولا يعرفون معنى الشرف .

شروط لتطبيق العقوبة

ولأن شريعة الإسلام التي تستمد أحكامها من القرآن الكريم، شريعة عادلة ومنصفة فقد وضعت شروطا لتطبيق عقوبة الزنى حتى لا يظلم أحد أو توقع على إنسان عقوبة رادعة مثل هذه من دون أن يكون قد تورط في هذه الجريمة، ومن أبرز هذه الشروط التي تضمن توقيع العقوبة على المرتكبين للجريمة فعلياً، أن يكون من ارتكب الجريمة بالغا عاقلا، فلا حد على صغير أو مجنون، فالرسول صلى الله عليه وسلم يقول: رفع القلم عن ثلاث: عن النائم حتى يستيقظ، وعن الصبي حتى يحتلم، وعن المجنون حتى يعقل، لكن عدم توقيع عقوبة الزنى المقررة شرعا على شاب لم يبلغ ارتكب هذه الجريمة لا يعني إعفاءه من العقوبة نهائياً، بل شريعة الإسلام تقر توقيع عقوبة تعزيرية زاجرة حتى لا يعود إلى مثل هذا الجرم مرة أخرى .

كذلك تشترط شريعة الإسلام لتنفيذ عقوبة ارتكاب فاحشة الزنى، أن تتم هذه الجريمة عن طريق الاختيار والرضا من جانب الرجل والمرأة، فإذا ما تمت عن طريق الإكراه، فإن العقوبة تكون على من ثبت بالدليل القاطع انه أكره غيره على ذلك .

وتشترط شريعة الإسلام لتنفيذ عقوبة ارتكاب فاحشة الزنى أيضاً، أن يتم ذلك عن طريقين:

- طريق الإقرار الصريح، فالإقرار هو سيد الأدلة، وقد أخذ النبي صلى الله عليه وسلم بإقرار ماعز والغامدية اللذين ارتكبا هذه الجريمة وأصرا على الإقرار والاعتراف بها، وأقيم الحد عليهما بسبب هذا الإقرار الذي أصرا عليه إصراراً تاماً وقالا طهرنا يا رسول الله .

- الطريق الثاني، شهادة أربعة من الرجال المسلمين البالغين العقلاء العدول، أنهم شاهدوا الزاني والزانية يرتكبان هذه الفاحشة مشاهدة تامة لا لبس فيها ولا خفاء، وهذه الشهادة من الشهود الأربعة للزانيين بهذه الطريقة هي من الأمور الصعبة، وذلك حرصا من الشريعة على أعراض الناس وعدم التسرع في اتهام الناس استنادا لأوهام أو تخيلات أو توقعات . . فالأعراض لها حرمتها ولا يجوز أن توجه التهمة لمسلم أو مسلمة بارتكاب مثل هذه الجريمة النكراء من دون بينة .

ويوضح د . أبو طالب أن الشريعة الإسلامية تستهدف من وراء هذه الشروط المشددة في إثبات فاحشة الزنى، توفير الحماية للناس وسد الباب في وجه كل من يحاول اتهام الأبرياء بهذه التهمة المنكرة التي تحمل الخزي والعار وضياع الكرامة الإنسانية .

وسائل للحماية

ولأن جريمة الزنى بشعة وعقوبتها قاسية فقد سلك الإسلام وسائل كثيرة لمنعها، ووضع سدودا في طريقها حماية للناس من تداعياتها الخطرة وحرصا على أخلاقيات المجتمع المسلم، ومن هذه الطرق الحث على تربية الذكور والإناث منذ مطلع حياتهم على فضائل الحياء والعفاف والابتعاد عن كل ما يؤدي إلى ارتكاب هذه الجريمة، ولذلك حذرت شريعة الإسلام من الاختلاط المشين بين الذكور والإناث، لأن هذا الاختلاط كثيراً ما يؤدي إلى ارتكاب ما نهى الله عنه من رذائل، كما أمرت شريعة الإسلام الذكور بغض البصر، وفرضت على النساء أن يسترن عوراتهن ويبتعدن عن كل ما يثير الشهوة لدى الرجال .

وحث الإسلام الشباب على التبكير بالزواج وحث أولياء أمور الفتيات على عدم المغالاة في مهور بناتهن، لأن التبكير بالزواج يحمي الشباب من الجنسين من الوقوع في مثل هذه الجريمة المنكرة .

جريمة القذف

وحمل القرآن الكريم أيضاً عقوبة رادعة لكل من يسيء إلى الأعراض ويعتدي على سمعة الشرفاء، حيث قرر عقوبة رادعة لمن يتهم الناس بالباطل ويقذفهم في شرفهم ويلصق بهم ما ليس فيهم .

أستاذ الشريعة الإسلامية بجامعة الإسكندرية وعضو مجمع البحوث الإسلامية بالأزهر، د . محمد كمال إمام يقول: القرآن الكريم يدين كل التهم الباطلة والشائعات الكاذبة التي يحاول بعض المغرضين إلصاقها بالشرفاء، ولذلك قرر عقوبة شرعية لمن يقذف المحصنات ورد النص عليها في قول الحق سبحانه وتعالى: والذين يرمون المحصنات ثم لم يأتوا بأربعة شهداء فاجلدوهم ثمانين جلدةً ولا تقبلوا لهم شهادةً أبداً وأولئك هم الفاسقون . إلا الذين تابوا من بعد ذلك وأصلحوا فإن الله غفور رحيم .

والمعنى الذي تشير إليه الآية الكريمة أن من يرمي النساء الطاهرات المؤمنات بفاحشة الزنى، ثم لم يأت بأربعة شهداء على صحة ما قذفهن به، فالقاذف يجب أن ينال عقابه الشرعي وهو ثمانون جلدة عقابا له على ما تفوه به من سوء في حق هؤلاء المحصنات، ولا تقبل لهؤلاء القاذفين شهادة أبدا بسبب إلصاقهم التهم الكاذبة بمن هن بريئات منها .

وتحرص شريعة الإسلام على توقيع عقوبة القذف على المستحقين لها فعلاً، ولذلك وضعت شروطاً وأحكاما يجب أن تتوافر في القاذف حتى توقع العقوبة عليه، من أهمها أن يكون عاقلاً مختاراً وليس مكرهاً، فإذا كان المتهم بالقذف في حق غيره صبياً أو معتوهاً أو مكرهاً فلا يقام عليه الحد الشرعي، ولكن هذا لا يمنع من تأديبه وزجره ومعاقبته بعقوبات أخرى يراها القضاة وأولو الأمر مناسبة .

وتهدف الشريعة الإسلام من توقيع هذه العقوبة على كل من يتهم الناس بالباطل إلى حماية أعراض الناس وكرامتهم، والمحافظة على سمعتهم، وقطع ألسنة السوء، وحماية عقائدهم من الانحراف عن طريق الحق، وتوثيق الروابط الاجتماعية في ما بينهم، وقيام العلاقة بين كل أفراد المجتمع على المحبة والمودة والتعاون على البر والتقوى .

فما أحوجنا اليوم في البلاد العربية والإسلامية إلى العقوبات التي جاء بها القرآن لمواجهة الفواحش والجرائم الأخلاقية التي شاعت في كثير من مجتمعاتنا العربية والإسلامية .

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"